قضايا الحراك الشعبي
حراك
جرادة أية دروس؟

° في طبيعة الحراك وسياقاته وتناقضاته :

إن فهم الحراكات الشعبية في الريف ثم في جرادة (أو في مناطق أخرى تم فيها إجهاض الحراك مؤقتا وبسرعة لظروف ذاتية وموضوعية) لن يتأتى بدون فهم ما يلي :

أولا : الهجوم الرأسمالي والليبرالي المتوحش والمتنامي على مكتسبات الطبقة العاملة والكادحين والطبقات الوسطى مما خلق وضعية عامة اجتماعية واقتصادية خانقة بالنسبة للجماهير الشعبية تتجلى في الفوارق الطبقية الصارخة وانتشار الفقر والبؤس والبطالة على نطاق واسع واستفراد السلطة بالمجتمع ومنع وحصار وإجهاض كافة متنفسات المجتمع من التنظيمات والفعاليات الذاتية المجتمعية التقدمية والديمقراطية والحية وخنق أنفاسها أكثر حتى من سنوات الرصاص أحيانا.. .

ثانيا : ذاكرة الوضعية التاريخية المتراكمة عن الصراع التاريخي/الطبقي للمجتمع المغرب لما بعد الاستعمار المباشر منذ خمسينات القرن العشرين (أي منذ الاستقلال الشكلي) حول طبيعة المشروع المجتمعي المنشود، والصراع التاريخي بين القوى الثورية والإصلاحية وأدوات الدفاع الذاتي الجماهيري من جهة والكتلة الطبقية السائدة والنظام المخزني المكبل بالتبعية وبهويته التاريخية والثقافية الاستبدادية من جهة أخرى، صراع موضوعه قضايا التحرر من التبعية والمشروع التنموي وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، لم تستطع كل الترسانة من التخريجات السياسية والمبادرات حول “المصالحة” و”طي صفحة الماضي” و”إنهاء مرحلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان” أن تخفي الطابع الديماغوجي لهذه الشعارات البراقة في إخفاء الخلفية الحقيقية المتجلية في محاولة فك العزلة عن النظام وتفكيك جبهة المعارضة القوية والمتنامية آنذاك رغم تراجع المد الاشتراكي في العالم منذ تسعينات القرن الماضي.

ثالثا : تبخر شعارات “العهد الجديد” وما سمي ب”المشروع الديمقراطي الحداثي” المروج له، والعودة إلى طرح المسألة الدستورية على جدول الأعمال بفضل نضالات حركة 20 فبراير، ثم الانحباس أو الانقلاب الذي حدث للسيرورة الثورية بالعالم العربي والبلدان المغاربية وما رافقها من نجاح التيار اليميني المحافظ على البنيات القائمة في أغلب دول العالم العربي والمغاربي في استعادة الهيمنة على الأوضاع متكئا على الدعم الامبريالي والرجعي في إنجاح الحركات المضادة للثورة. وتم وطنيا إجهاض إمكانية تطوير الجبهة الميدانية المناضلة (حركة 20 فبراير) إلى جبهة ديمقراطية شعبية بفعل بعض الحسابات الضيقة لكل من الحركة الأصولية المعادية للمخزن والحركة الإصلاحية المراهنة على التغيير مع المخزن وليس ضده وبدون نضال حقيقي جماهيري أو تكلفة سياسية.

رابعا : عدم تبلور جدي لبناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين (باعتباره صوتها السياسي) من طرف التنظيمات والجماعات الماركسية نظرا لعدم تحول المهمة من الفكرة الإيديولوجية إلى البرنامج السياسي العملي، وبالرغم من كون النهج الديمقراطي طرح هذه المهمة على كاهله كمهمة فكرية وسياسية منذ المؤتمر الرابع خصوصا بعد عجز مكونات اليسار الماركسي على إنضاج نقاش سياسي جدي بعيدا عن الحلقية والتنابز الشعاراتي الغير منتج سياسيا وإيديولوجيا، إلا أن المهمة رغم بعض التقدم لا تزال تعترضها عوائق موضوعية وأخرى فكرية وسياسية وتنظيمية تجعل جماهير العمال والكادحين بعيدة عن التنظيم السياسي لمصالحها الطبقية.

خامسا : وجود استعداد شعبي للرهان على النضال الجماهيري زرعت بذوره حركة 20 فبراير ورسخت بطولته في وجدان الجماهير الشعبية، كما دعم هذا التوجه عندها الفشل البنيوي للانتخابات والمنتخبين في الجواب عن مشاكل الجماهير الكادحة وإيجاد حلول لها تعبر عنه نسبة المقاطعة العارمة للانتخابات من جهة، وطبيعة المشاركة القليلة المتميزة بهيمنة لوبيات الإرشاء والإفساد للنخب وللمصوتين.

سادسا : وجود شباب مناضل ذو مشارب وحمولات فكرية مناضلة ذات مرجعيات وحمولات متنوعة المشارب (ديمقراطية أو ثورية بدون وضوح إيديولوجي نسقي) بفعل ضعف تأثير اليسار وعدم قدرته على تأطير الشبيبة لأسباب موضوعية (الحصار والقمع المخزني إضافة إلى النفور من التنظيم والعمل الطويل النفس والاستراتيجي نتيجة التشويش والتخويف والحملات الإعلامية المنظمة ضد أطروحات اليسار، وبفعل كذلك تراجع دور التنظيمات الشبيبية التقدمية وفي مقدمتها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في لعب دورها الريادي)، شباب متمرد على الأساليب الكلاسيكية في النضال وتجريبي في الممارسة. .. لكن شريحة منه تتمتع بالشجاعة في المواجهة وبقدرة لا بأس بها في إنتاج خطاب للنضال الجماهيري يتمتع بقدرة متقدمة على التعبئة وعلى استعمال وسائل التواصل الاجتماعي لهذا الغرض.

سابعا : إحساس كبير بالحكرة والتهميش الطبقي والمناطقي والهوياتي تعكسه ممارسات يومية للأجهزة السلطوية، وتقويه ردود أفعالها اتجاه كل حراك جماهيري ولو ذي مطالب اجتماعية، ومراقبة وإحصاء بوليسي لكل تحركات المواطنين بله المناضلين، مما كرس جو الدولة البوليسية واحتكار السلطة من طرف أوليغارشية مخزنية حاكمة تسترجع الأساليب القديمة المستفزة خطابا وممارسة.

في ظل هذا الوضع كان حراك الريف وحراك جرادة… لكل حراك ظروفه في النشأة والتطور والمسار لكن هناك إطارا عاما موضوعيا سيجعل هذه الحراكات تتأثر بنفس الظروف الموضوعية المذكورة أعلاه. فما هي ميزات حراك جرادة وما هي ردود فعل النظام المخزني اتجاهه؟ وما هي نقاط القوة ونقاط الضعف التي يعاني منها الحراك؟ وما هي آفاقه؟

السياق : لقد انطلق الحراك في أواخر شهر دجنبر 2017 كشكل احتجاجي على فاتورة الماء والكهرباء، ويبدو أن المقاربة القمعية لإجهاضه كانت جاهزة حيث تم اعتقال بعض الشباب المشارك في الوقفات الاحتجاجية، لكن وفاة شابين في غارات السندريات أحيت النزوع “البوعزيزي” واشتعل فتيل الغضب الجماهيري في النفوس مما شكل بداية الحراك وجعل الدولة تتراجع مؤقتا عن المقاربة القمعية، وتشتغل على مقاربات أخرى سياسية واستخباراتية كمحاولة للتحكم في الحراك وشعاراته ومساراته… مستغلة التناقضات الموضوعية الثاوية في الحراك، لكن المد الجماهيري والقدرة على الصمود لمختلف فئات المجتمع (الشباب والنساء وحتى الشيوخ) والدعم الإعلامي في الداخل والخارج جعل الدولة أمام امتحان جماهيري صعب، فلا هي قادرة على اللجوء إلى المقاربة القمعية المتسرعة، ولا هي قادرة على تقديم حلول ملموسة للساكنة، فتم اللعب على الوقت والاستنزاف البطيء، ومحاولات الاختراق للقيادة، من خلال الثناء أحيانا ومن خلال التهديد أحيانا أخرى. ..

وفي هذا الإطار بدأ العرض الحكومي خلال الجولات الثلاث للحوار، وبدأ الثناء السياسي على بعض شعارات حراك جرادة للغمز واللمز على حراك الريف من جهة، ولتبرير اتهامات نزوعات “الانفصال” التي أطلقتها الجهات الرسمية سابقا بدون مسؤولية، وللتأكيد على أن قيادة حراك جرادة “في الطريق الصحيح” خصوصا إذا قبلت بالمقترحات الحكومية وأقنعت الجماهير الشعبية المنتفضة بجرادة بالعرض الحكومي.

لقد كانت قيادة الحراك أو بالضبط جزء من الناطقة باسمه بين نارين، فهي من جهة مقيدة بخطاباتها المراهنة على تفهم مخزني ممكن لمطالبها خصوصا أمام الإشارات المتتالية، وهي تحت ضغط جماهير تتسيس يوما عن يوم من خلال المقاربة الجماهيرية المعتمدة، ومن خلال آليات اللجان الشعبية التي تشارك في وضع البرنامج النضالي، وفي تقييم العروض الحكومية خلال الحوارات نقطة نقطة، وبدرجة عالية من الواقعية والرغبة في استجابة ملموسة للمطالب، مع الاحتفاظ بنبض الحراك استحضارا لما وقع لمطالب حراك الريف المتبخرة، وتخوفا من الالتفاف حتى على العروض المقدمة باستحضار تجارب انعدام الثقة في أجهزة الدولة ذات السوابق في الإخلال بالالتزامات مع مركزيات نقابية فبالأحرى مع حراكات جماهيرية. وقد ذاقت جماهير جرادة تجارب من هذا القبيل من خلال التنكر للاتفاقية الاقتصادية لتصفية مناجم فحم جرادة والتي وضعت لتنمية المنطقة.

لقد استفاد حراك جرادة كذلك من الدعم السياسي اللامشروط من طرف قوى تقدمية وجذرية منظمة منذ انطلاقته، وقد وضعت هذه القوى ثقتها في “قيادة الحراك” المتوجسة من العمل السياسي المنظم، وعمل مناضلوها على المشاركة في الحراك وبذل الجهود لتوفير الدعم السياسي والإعلامي الضروري له، وتجسير الثقة مع قيادات الحراك وتبديد التوجسات القائمة من النقابات والجمعيات والقوى السياسية التقدمية، وقد لعب النهج الديمقراطي بكل فخر وتواضع دورا مهما في هذا الصدد.

أكيد أن التناقضات والاختلافات في وسط الحراك وبين أطرافه ومكوناته المنظمة والغير منظمة ستبرز إلى السطح مع تقييم العرض الحكومي الثالث، المقدم خلال زيارة رئيس الحكومة العثماني إلى وجدة والمصحوب بتهديدات مبطنة مفادها أن العرض المقدم هو الأخير، والمطلوب فورا إنهاء الحراك والقبول بالعرض، و قد عبأت الدولة كل تدخلاتها لفرض الأمر الواقع بدءا بالتعبئة السياسية للقوى الملتفة حول الحكومة والحكم، والإنزال الأمني المبالغ فيه بالمدينة، والضغط على عناصر من قيادة الحراك للخروج بمواقف مؤيدة للعرض الحكومي، ويبدو أن هناك ثلاث اتجاهات بارزة من داخل الحراك:

الاتجاه الأول : من داخل قيادة الحراك فضل القبول بالعرض الحكومي، ودخل في لعبة الشيطنة لكل رفض ممكن لهذا العرض.

الاتجاه الثاني : من داخل الحراك ولكن ليس من داخل قيادته إذ ثمن ما أسماه المقاربة التشاركية واعتبر أن هناك مكتسبات في الحوار تحتاج إلى ضمانات التنفيذ، وقد وقعت البيان خمس هيئات ديمقراطية مساندة للحراك.

الاتجاه الثالث : اعتبر أن تقييم نتائج العرض الحكومي لا يجب أن يكون تحت الضغط المباشر للآلة القمعية على المناضلين والهيئات، بل يجب أن يخضع لنفس الآليات الجماهيرية وفي نفس الأجواء التي طبعت تقييم العروض السابقة على الأقل، حيث يتم دوما الرجوع للساكنة في التقييم وإخراج الخلاصات، وقد كان هذا الاتجاه مشككا في إمكانية بلورة بديل اقتصادي يرضي الجماهير بجرادة في الظرف الراهن.

لكن يبدو أن الدولة قد حسمت خيارها في فرض الأمر الواقع وفي إنهاء الحراك ولو بالقبضة الحديدية وتم التبليغ بالطرق المتعددة، مما جعل جزءا من القيادة متجاوزا، وأدى إلى فرز تيار رافض للعرض الحكومي ومشكك في جديته عبرت عنه عدة تظاهرات جماهيرية قبل التدخل القمعي ل 14 مارس.

لقد كان الإنزال الغير مسبوق للقوات والأجهزة بجرادة، وقرار وزارة الداخلية بمنع التظاهر في الشوارع العمومية يوم 13 مارس 2018 وإصرار الجماهير على تنفيذ برنامجها النضالي ولو بالابتعاد عن الشوارع العمومية إلى الساحة المقابلة لحي يوسف حيث وجود الغابة وغارات الساندريات، وتدخل الدرك الحربي وأجهزة الشرطة والقوات البوليسية المختلفة، وما رافقها من قمع شرس سجلته مختلف الفيديوهات المروجة على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي ليوم 14 مارس، والاعتقالات المصاحبة لذلك قبل 14 مارس وبعدها، وفبركة التهم للضغط على بعض القيادات الجديدة للحراك، كلها مؤشرات دالة على الاختيار المخزني في الحسم مع الحراك وليس الاستجابة لمطالبه.

فما هي أهم الملاحظات والخلاصات التي يمكن الاستفادة منها في فهم صيرورة الحراك وتطوراته وآفاقه المستقبلية بعد موجة القمع والاعتقالات والمحاكمات التي لن تتوقف خصوصا بعد أن تم الختم على إنهاء الحراك بقرار أحادي من أجهزة الدولة وبنفس الطرق التي تم بها التدخل القمعي ل”انهاء” حراك الريف، وما هي نقط قوة الحراك ونقط ضعفه :

 ° في الملف المطلبي :

  • المشاركة الجماهيرية في بلورة الملف المطلبي من خلال لجن الأحياء
  • التركيز على مطالب اجتماعية واقتصادية وبيئية وثقافية
  • التفاف جماهيري واسع حول الملف المطلبي

° في قيادة الحراك واستقلالية قراره

    • الاعتقاد بأن الابتعاد عن تسييس الحراك سيؤدي إلى تفهم المخزن للمطالب وقد تم إعطاء إشارات موهمة لذلك.
    • الخلط المتعمد أحيانا بين استقلالية قرار الحراك وبرنامجه وتكتيكاته، ورفض التسييس والانتماء التنظيمي حتى إلى القوى التقدمية (الإصلاحية والثورية) المساندة للحراك، والدعوة إلى ابتعادها عن الحراك بطرق مباشرة أو بالمرموز… و لحسن حظ الحراك فقد تمت مقاومة هذا التوجه من طرف العديد من المناضلين اليساريين من داخل الحراك مما أدى إلى تراجعه ثم عودته مؤقتا مع بيان الهيئات الخمس (شعار لا سياسة لا نقابة لا جمعية يتكرر في بعض المناسبات) ثم يتراجع مرة أخرى.
    • عدم قدرة بعض القيادات المتعودة على اعتبار ما تحققه من مكتسبات لها هي مكتسبات للجماهير على فهم أوجه الاختلاف بين النضال النقابي والنضال الجماهيري المفتوح على مطالب متنوعة ومتشعبة وعلى تموقعات طبقية متعددة (معدمين – بطاليين – بورجوازية صغرى ذات طموح انتخابوي – شباب متعلم ذو حمولات يسارية مشوشة أو مترددة في الكثير من الأحيان…).
    • الاعتقاد بأن العمل الجماهيري يفترض إلغاء دور القوى السياسية المنظمة، وتجنب إشراكها في القيادة على شكل تنسيقيات للحراك، وذلك راجع لعوامل كثيرة منها :
    • تأثير بعض المرجعيات الطلابية (القوى والهيئات كلها رجعية…) وعدم القدرة على الفرز بين أصدقاء الشعب وأعدائه.
    • تقديس عفوية الجماهير.
    • الخلافات وسط اليسار (هناك من يرفض النضال الجماهيري ويركز على العمل الفوقي – هناك من لا يتمتع بوجود سياسي وتنظيمي وازن – هناك من يفتقد البوصلة…).
    • الموقف المتفاوت والسلبي من حركة الإسلام السياسي المشارك في الحراك بين دعاة الجبهة الميدانية وبين دعاة الحركة كل شيء والهدف لا شيء.
    • ضعف تجدر اليسار المناضل المنظم في صفوف الجماهير الشعبية.
    • تخوف الأجهزة الحاكمة من أي تقارب بين القوى التقدمية والحية المناهضة للمخزن والحراك وقياداته.

      ° في المفاوضات :

    في المفاوضات الأولى والثانية استطاعت قيادة الحراك ولو بصعوبة الحفاظ على وحدتها والخضوع للتقييم الجماهيري الرافض للعروض المقدمة، أما في المفاوضات الأخيرة المقدمة من طرف رئيس الحكومة فقد تبين بالملموس أن العرض الحكومي هو عرض نهائي ومشروط بالإنهاء الفوري للحراك مما خلق تناقضات داخل الحراك بين ثلاث اتجاهات على الأقل:

  • – اتجاه القبول وإنهاء الحراك.
    – اتجاه متردد ومتخوف من تجذير النضال الجماهيري.
    – اتجاه مدرك لمحدودية الوعود ومطالب باستمرار الحراك حتى توفير مفاوضات حقيقية ومستمرة ومقاربة تشاركية فعلية مع قيادة الحراك في كل المراحل بضمانات التنفيذ والمواكبة لما سينجز من وعود مقدمة مع عدم اشتراط التخلي عن الحق في التظاهر والتواصل المستمر مع الجماهير للحفاظ على جذوة الحراك.

    ° في الشعارات :

    شعارات الحراك كانت تعكس تركيبة قياداته السياسية، فرغم ادعاء اللاتسييس (اللاموقف) فالشعارات في كل حركة جماهيرية هي تعبير ملموس عن الخلفيات السياسية للمكونات القيادية في الحراك (تنظيمات – حساسيات – أفكار – مرجعيات إيديولوجية…) كما أن الشعارات قد تشكل رسائل إلى مختلف الفاعلين السياسيين (الدولة – التنظيمات – الجماهير…) ونجد في الحراك شعارات متنوعة ومتناقضة :

    • شعارات تدل على الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وتنبذ الحكرة والفقر والبطالة والاستغلال وغالبية هذه الشعارات مستمدة من الشعارات المركزية لحركة 20 فبراير ومن تظاهرات القوى التقدمية.
    • شعارات ذات حمولة دينية أو سياسية / دينية : وكانت تبرز خصوصا في لحظات الموت والجنائز أو خلال الهجوم المخزني والخوف. .. أو في بعض اللحظات الأخرى…
    • شعارات رسمية تتعلق بتمجيد الحاكم (الملك) وزرع الوهم أنه فوق الطبقات وفوق الصراع أو محاولة لإبعاد تهم الانفصال واللاوطنية التي وجهت لحراك الريف، أو لمحاولة إبعاد كل “شبهة” كون قيادة الحراك تحركها تنظيمات سياسية معارضة ماركسية أو إسلامية. أكيد أن الحراك بجرادة قد استفاد من مختلف نضالات الجماهير، ولم يعد يركز على وحدة الشعارات بل أصبح التركيز على وحدة النضال ووحدة الهدف، مما سمح ب”التعايش” بين هذه الفسيفساء من الشعارات المتباعدة و المتناقضة مؤقتا…
    • محاولة إبعاد كل الشعارات الموجهة للدولة والتركيز على الحكومة كمخاطب، وعلى البارونات خصوصا الكائنات الانتخابية منها، واعتبار الحل سيكون بيد الملك في النهاية.
      • في العلاقة مع القوى اليسارية الإصلاحية والثورية :

    شاب العلاقة مع القوى التقدمية والديمقراطية علاقة مد وجزر، علاقة تجاذب وتنابذ تحكمه توترات الصراع ومواقف هذه القوى والهيئات من جهة ومواقف قيادات الحراك من جهة أخرى :

    • دعوة القوى النقابية والسياسية إلى الإضراب الإقليمي وانجازه رغم الضغوطات لإلغائه من أطراف مختلفة يحسب لصالح هذه القوى والهيئات.
    • إصدار بيان وقعته خمس هيئات ديمقراطية تحسب من داخل الحراك يشيد بالمبادرة التشاركية ويسجل ارتياحه للتقدم في معالجة الملف المطلبي خلق ردود فعل متوجسة من خلفية هذا الخروج السياسي في هذا الظرف بالذات بهذا البيان، خصوصا وانه جاء مباشرة بعد توقيع الأحزاب والنقابات والهيئات الموالية للحكومة على بيان تحت الطلب يؤيد العرض الحكومي وفي ظل جو من عسكرة المدينة، بل اعتبره البعض خطئا غير منتظر وأدى إلى ردود أفعال متضاربة مما جعل هذه الهيئات تقوم بمحاولة استدراك الأمر في البيان الثاني لما بعد التدخل القمعي ل 14 مارس

      ° في دور الإعلام الرسمي والمأجور:

    • تغييب الحقيقة والبحث عن الشماعة ومغازلة شباب الحراك في الاتجاه السلبي، وشرعنة قمعهم في نفس الوقت…
    • هذا الهجوم الإعلامي المتزامن مع الهجوم القمعي المباشر أو بالوساطة بدأ خلال حركة 20 فبراير من خلال العمل الملتبس/ المدسوس لتفجير الجبهة الميدانية التي تشكلت على أرضية حركة 20 فبراير وافتعال نقاشات بيزنطية حول “العداء الوجودي” بين الحداثيين والإسلاميين وشكل هذا النقاش مرتعا حتى لبعض المحسوبين على الصف التقدمي والديمقراطي والذين فرحوا بانسحاب العدل والإحسان من حركة 20 فبراير مهللين ب”غدر الظلاميين” وللتأكيد على سدادة رأيهم في رفض أي التقاء ولو ميداني مع الحركة الإسلامية المناهضة للنظام، وتبلور هذا الهجوم اتجاه الجبهة الميدانية على شكل أطروحة سياسية انتقائية.
    • الهجوم الذي شنه النظام من خلال محاولة شيطنة ج. م. ح. إ نظرا لدورها في فضح واقع انتهاكات حقوق الإنسان وعدم استسلامها للمساومة في إخضاع المرجعية الحقوقية وآليات الاشتغال الحقوقي في الرصد والمتابعة وإعداد التقارير للاشتراطات السياسية للنظام من خلال السكوت على الانتهاكات أو عدم إبرازها في بعدها الحقيقي، وقد أصبح هذا الهجوم رسميا منذ 2014 بواسطة وزير الداخلية الأسبق من قبة البرلمان وتأجيج كل تعبيرات الضجيج الإعلامي الذي يشتغل “بتعميمات القصاصات” الخارجة من الصندوق الأسود. بل وصل الأمر إلى التهديد بحل الجمعية والعمل على ضرب مصداقيتها من خلال التشكيك في تدبيرها المالي وفي ديمقراطيات الداخلية وفي كونها تسيس حقوق الإنسان، وتم فرض حصار عليها وعلى كل نشاط حقوقي (المخيمات الحقوقية للشباب واليافعين) وحتى التربية على حقوق الإنسان أصبحت ممنوعة في ظل نظام يوقع على الالتزامات الدولية من باب ربح نقط الواجهة الخارجية لا من باب الرغبة في تحسين ظروف حقوق الإنسان المغربي.
    • خروج وزير الداخلية الحالي بالمكشوف في مواجهة مباشرة للتنظيمات التي يعتبرها العائق الأساس أمام خطة النظام في الالتفاف على الحراك الجماهيري واتهامها بالتحريض والتأجيج مسميا إياها (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والنهج الديمقراطي والعدل والإحسان) ويبدو أن هذا الهجوم جاء في ظرفية دقيقة أهم مميزاتها :
    • محاولة التغطية على القمع الهمجي الذي تعرض له حراك جرادة يوم 14 مارس، ومحاولة إحداث ضربة استباقية على التقرير الذي ستنجزه الج. م. ح. إ بعد إيفاد لجنة لعين المكان.
    • محاولة شيطنة هذه التنظيمات واعتبارها هي السبب في عدم قبول الحراك بالعرض الحكومي “المعقول”.
    • محاولة إيجاد مخرج “التبرئة” لشباب الحراك من استمرار التظاهر في محاولة لجره أو جر بعضه إلى القبول بالمقاربة الرسمية، ولم لا استقطابه إلى حزب الدولة المخنث للتهيئة للانتخابات المقبلة وفي المقابل جر الرؤوس الساخنة إلى المحاكم لتأديبها.

      ° في الآفاق :

    • لقد عادت المقاربة القمعية إلى حراك جرادة رغم كونه قام بسد كل الذرائع التي يسخرها النظام لمحاربة كل حراك جماهيري مشروع كما حصل لحراك الريف (الانفصال – التسييس – رفض المفاوضات…).
    • لقد تبدد وهم الاعتقاد بتحقيق بديل اقتصادي بالاقتصار على النضال في بعد مكاني محدود (مدينة أو بعض المدن) لوحدها بدون عمق وطني وسياسي للحراك، مع ضرورة التأكيد على أهمية هذا الحراك المناطقي لكن بدون أوهام كبرى.
    • لقد تم تبديد وهم إمكانية الفصل بين البديل الاقتصادي والبديل السياسي… مما يتطلب النضال ضد عقلية الإبعاد والعداء للتنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية المناضلة، هذا الإبعاد الذي يترك الساحة مرتعا للتدخلات السياسية للأطراف والمكونات المخزنية واليمينية، ويجوف الحراك من المناعة اللازمة ضد مشاريع الكتلة الطبقية السائدة وسياساتها.
    • لقد تم التأكد أن قوى اليسار المناضل والقوى التقدمية والديمقراطية والحقوقية رغم إكراهاتها ونقط ضعفها لا تزال قادرة على توفير عناصر القوة والدعم اللازم للحراك ولمعتقليه خصوصا إذا راهنت على النضال الجماهيري وعلى بناء الجبهة الديمقراطية والجبهة الميدانية المخرج الوحيد لمواجهة التغول المخزني ضد الجماهير المقصية والمناضلة.
    • إن مبادرة القوى التقدمية والديمقراطية لدعم حراك جرادة ودعم معتقليه تعتبر بمثابة يقظة مهمة أمام قوة القمع المخزني للحراك والحملة الممنهجة للاعتقالات لتجفيف منابع الحراك من المناضلين، ومحاولة زرع الخوف والهلع بدل الاستجابة للمطالب المشروعة للجماهير المكتوية بنار الفقر والبطالة والبؤس والإقصاء والحكرة.
    • إن الجماهير الشعبية قد برهنت على الاستعداد الدائم للنضال والصمود، وبددت الفكرة المروجة حول “تخلف الجماهير”، لكن الجماهير في حاجة ماسة إلى القيادة السياسية البديلة، وهي ممكنة في المرحلة على شكل جبهة ميدانية قد تتطور إلى جبهة للطبقات الشعبية من أجل التغيير الديمقراطي الشعبي.
    • أن الحراك الشعبي بجرادة قد ترك دروسا عميقة لقيادات الحراك ولجماهيره، عليها استخلاص الدروس بما يقدم الحراك ويحافظ على جوهره النضالي من أجل تحقيق المطالب، ومن أجل التضامن لإطلاق سراح المعتقلين كل المعتقلين بالريف وجرادة وبكل مكان.

     إ. ح