افتتاحية:

هوية الشعوب تصهر في فرن النضال الاجتماعي والوطني

في العقود الأخيرة شكل موضوع الهوية نقطة صراع بين مختلف القوى السياسية والتيارات الثقافية ببلادنا، إدراكا منها لمدى ارتباطها بالإنسان وعلاقته بأرضه وبمحيطه الواسع الذي تشكل في اطاره وعيه لذاته. هذا الوعي الممتلك لشخصية تكونت عبر تراكم تقاليد وثقافة وخبرات مجمل طرق العيش المكتسبة عبر مراحل التطور التاريخي.
بهذا المعنى تكون الهوية محصلة ذلك الإرث ولها أيضا روافد مكونة تستقيها من الحاضر وأخرى تحمل تطلعات هذا الشعب إلى المستقبل؛ مستقبل يولد من رحم صراع متواصل بين الناس في علاقاتهم المعيشية وفي علاقتهم بالطبيعة وعواملها المختلفة. ولأن المجال لا يتسع فإننا نحصر اهتمامنا هنا على الفترة التاريخية القريبة منا حيث تعرضت هوية شعبنا هذه إلى محاولة اجتثاث وتكسير وهو ما اقتضته إرادة الاستعمار حتى يتسنى له بسط سيطرته بالكامل على بلادنا واستغلال خيراتها وقوة عملها. فكان لهذا التغلغل الاستعماري نتائج كارثية على التطور الطبيعي لبلادنا. لقد أدى الاستعمار إلى توقيف وحجب كل عوامل التطور الذاتي والمستقل للتشكيلة الاجتماعية المغربية، واستبدل ذلك بخلق دينامية مفروضة من الخارج استوردت معها نمط انتاج رأسمالي هجين انبنى على علاقات انتاج مستجدة محكومة بتطوير قوى الانتاج مسخرة للسوق الرأسمالية الفرنسية والاسبانية. هكذا تم تكسير العلاقات الاجتماعية المحلية وإقامة علاقات انتاج جديدة نتج عنها تقسيم المغرب إلى “مغرب نافع” و”مغرب غير نافع” وهي البنية التي لا زالت قائمة إلى اليوم. تسلمت الكتلة الطبقية السائدة دولة مخزنية حافظت على تقسيم المغرب كما حدث لما كانت مقاومة التغلغل الاستعماري وتم الانتقام من جهات بعينها لأنها كانت قبل الاستعمار توصف ببلاد السيبة، وإبان الاستعمار مناطق المقاومة والكفاح المسلح ضد الحماية التي جلبها المخزن لإنقاذ الحكم والسلطان.
فما هي الأسس المادية التي ساعدت على تشكل هذه الهوية وما هي خصائص هذه الهوية نفسها؟
في التحليل المادي التاريخي تتبخر كل نظرة مثالية متافيزيقية للهوية، وبالتالي تسقط تلك النظرة التي ترى أن هوية شعبنا قد تشكلت مرة واحدة وصقلت إلى الأبد وهي نفسها على مدى العصور. وإذا رجعت مثل هذه النظرة اليوم بقوة، فلأنها وجدت تربة تغذيها وتنفخ فيها، وهذه الواقعة تعرفها راهنا العديد من الشعوب في مناطق أخرى. إن الضغط القوي والاضطهاد الذي تعيشه الشعوب الكادحة والمفقرة يدفعها للتشبث بأية قشة توفر لها العزاء وتوحدها أمام المضطهدين (بفتح الهاء). لذلك نرى أن الهوية هي مجموع البنية الفوقية التي أنتجها شعبنا، وهو ينتج الخيرات، وهو يقوي منها أو يوزعها، وهو يدود عن الأرض ويحميها، وهو ينتج الفنون وتقاليد العيش والحياة، وهو يبدع في الثقافة، وهو يوحد نفسه ضد الغزو الخارجي، وهو يستقبل الوافدين ويتعامل معهم في فترة الحرب والسلم، وهو يرحل وينتقل من جهة إلى أخرى.هذه المجالات كلها كانت الفرن الحقيقي الذي انصهرت فيه الأدوات المعرفية ومعالم الشخصية والإنسية لأفراد شعبنا؛ وبها يعرفون أنفسهم لبعضهم البعض ولغيرهم.
لقد شكلت الأرض حاضنة هذه الهوية وفيها تطورت وأخذت معالمها وملامحها الواضحة. لقد كانت بلاد ما نسميه اليوم المغرب الكبير هي الحاضنة وهي التي توافدت عليها القوافل واستقبلت المهاجرين بشكل مؤقت أو الذين أقاموا فيها بشكل دائم. وسيكون من المنافي للحقيقة الادعاء بأن هوية هذا الشعب لم تبدأ إلا مع مجيء هذا الرافد أو ذلك. لقد انصهرت كل الثقافات والتقاليد والعادات في بوثقة واحدة، ولعلنا نصيب كبد الحقيقة لما نقول أن الهوية المحلية وبعبقريتها وتفتحها استطاعت أن تهضم كل تلك الثقافات الوافدة لما تستشعر أنها تحمل معها الأخوة والتعاون والاحترام والمساواة، كما استطاعت تلك الهوية المحلية بفعل يقظتها مقاومة كل ثقافة عنصرية استبدادية وقاومتها إلى النهاية أو إنها خضعت لها تحت الحديد والنار لكن وفقط إلى أجل مسمى لكي تنهض من جديد وتلفظها خارج الحدود.
بهذا المعنى قاوم الاستعمار هوية الشعب المغربي وحاربها، وبهذا المعنى أيضا حاول نظام الاستقلال الشكلي تهميش الهوية العميقة للشعب المغربي بل عمل على تشويهها، فاعتمد على الأعيان من المناطق الهامشية لتنصيبها كرموز تجسد تلك الهوية كما حاول تنميط الثقافة والتقاليد بتسليعها وتحويلها إلى فلكلور يباع في المهرجانات أو الفنادق المرتبة.
لكن كل هذه السياسات تهاوت اليوم أمام نهوض شعبي هائل، وبرزت قضية الهوية من جديد كعنصر فاعل ومهم في قضية تحرر شعبنا. لقد اتضح اليوم جليا ومع إرادة المقاومة أن المطالبة بالحق في التنمية الحقيقية للمناطق الهامشية وبالاعتراف العلني الواضح وإعادة الاعتبار لكل المناطق التي تعرضت للقمع في فترة الاستعمار وما بعده، ورفع كل مظاهر الإبعاد والاحتقار. كما تقوت المطالبة بالاعتراف باللغة الامازيغية كلغة وطنية وأن يتم التعامل معها بمساواتها مع اللغة العربية، وبإعلاء شأن الثقافة الامازيغية وبمكتسبات التجربة التاريخية لشعبنا في الأعراف الإيجابية وقيم التعاون والإخاء والمساواة كما أبدعها شعبنا.
لقد ادركت كل القوى المتصارعة الدور الذي تلعبه مسالة الهوية؛ فهناك من يسعى إلى ضرب الوحدة الصلبة للشعب المغربي وذلك بتسعير التفرقة والنفخ في كل مظاهر الاضطهاد والادعاء بأن الحل لن يكون إلا بتصعيد روح التعصب والعرقية وليس بمواجهة الاستبداد الذي مارسه الاستعمار وسلم عوامله وسياساته إلى الدولة القائمة على الإخضاع والإذعان، وفي نفس الوقت الالتفاف على المطالب وإقامة ديمقراطية زائفة ودستور يعلن الاستجابة للمطالب لكنه يرفضها في التطبيق والواقع.
إن الحراكات الشعبية تعتبر اليوم أحد العوامل النضالية وهي مجال يعيد فيه الشعب صهر هويته من جديد ويبني عناصرها المتقدمة والثورية. ففي خضم هذا النضال تأخذ مسالة الهوية حقها من الانغراس، وتتجسد في حقوق ومكتسبات وتفتح الطريق نحو حقوق ومطالب جديدة قد ترفعها عند نضج الشروط الموضوعية والذاتية، وعلى رأس هذه المطالب تحقيق وبناء الدولة الفيدرالية التي تجد فيها الجهات ذات الخصوصيات الاثنية والثقافية المجال الأرحب لتحقيق ذاتها بكل ديمقراطية اجتماعية ومجالية تقطع مع الديمقراطية الزائفة الراهنة.


صدر العدد الجديد 282 من جريدة النهج الديمقراطي