في راهن الحركة التلاميذية المغربية*
(ملاحظات سريعة)

أحمد صديقي

• معطيات عامة:
– حسب تقريرعرضه وزير التربية الوطنية بتاريخ 16 يوليوز 2018، فإن عدد التلاميذ والتلميذات بالمغرب ارتفع من 6096127 في الموسم الدراسي 2008/2009 إلى 7031355 في موسم 2017/2018 موزعين على الأسلاك الثلاثة: الابتدائي بـ 62% والإعدادي بـ 24% ثم التأهيلي ب 14%. أما بقطاع التكوين المهني فقد ارتفع عدد المتدربين من 100928 في الموسم 2016/2017 إلى 136200 في الموسم 2017/2018. وهي أرقام تعكس مدى الارتفاع الحاصل في النمو الديمغرافي من جهة وفي ارتفاع نسبة المتمدرسات والمتمدرسين من جهة أخرى.
– في الوقت الذي يرتفع فيه عدد التلاميذ بالمغرب تتفاقم أزمة التعليم بالمغرب نتيجة السياسات التعليمية المتبعة من طرف الدولة والمخزن وارتهانها للدوائر الإمبريالية.
– غياب أي معبر حقيقي عن انتظارات ومطالب هذه الأعداد الكبيرة من التلميذات والتلاميذ وارتهان فعلها للعفوية والتلقائية وردود الأفعال بين الفينة والأخرى.

• واقع النضال التلاميذي
يمكن القول إن أداء وتاريخ الحركة التلاميذية المغربية لم يكن يوما مستقلا عن راهن الحركة الجماهيرية بشكل عام، لذلك فالتفاعل الجدلي هو الحاصل بينهما. فالوضع العام الذي اتسمت به الحركة النضالية خلال فترة التسعينيات والذي اتسم بالضعف نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية لا مجال هنا للوقوف عندها، أثر بدوره على الوضع العام للحركة التلاميذية المغربية.
فبعد انتفاضة 1990 التي لعب فيها التلاميذ، كالعادة، دورا هاما والتي قوبلت بالقمع كلغة ملازمة لتعاطي النظام المخزني مع الحركات الاحتجاجية، سيتوالى تراجع الإشعاع النضالي للحركة التلاميذية وستدخل في أزمة لعل أهم مظاهرها ما يلي:
• الهجوم المخزني على الحق في التعليم والاستمرار في الإجهاز على المدرسة العمومية، من خلال تمرير كل المخططات الطبقية في مجال التعليم منذ التقرير الذي أصدره البنك الدولي حول التعليم سنة 1995 والذي أقر بضرورة تخفيض نفقات الدولة في مجال التعليم، ثم إنزال ميثاق التربية والتكوين 2000-2010، والبرنامج الاستعجالي 2009-2012 الذي أقرت الدولة بفشله لتبرر إعلانها عن الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 المؤطرة بميثاق التربية والتكوين. ومصادقة المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 20 غشت 2018 على مشروع قانون إطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الذي يستهدف مجانية التعليم .
• الغياب التنظيمي (الإطار التنظيمي) للحركة التلاميذية والتراجع النضالي.
• انتشار الفكر الظلامي والمخزني وسط التلميذات والتلاميذ في مقابل تراجع الفكر التقدمي والنقدي.
• تفشي وسيادة قيم الفردانية والأنانية والوصولية واللامبالاة … وتراجع المستوى الدراسي لدى التلميذات والتلاميذ موسما بعد الآخر.
إلا أن ذلك لم يمنع من بعض المبادرات النضالية مستثمرة في ذلك الإمكانيات التي أتاحتها وتتيحها اللجان الثقافية والفنية والنوادي الحقوقية والبيئية …، غير أنها ظلت تتسم بضعف التأطير والتشتت … لغياب إطار تنظيمي/نقابي موحد يمنحها القدرة على بلورة تصوراتها النضالية، أو باختصار الضعف الكبير في الذات/الحركة التلاميذية تنظيميا ونظريا مما انعكس على أدائها النضالي.
بعد ظهور حركة 20 فبراير، التي رفعت من بين مطالبها شعار مطلب مجانية التعليم وتعميمه، عرفت الحركة التلاميذية دينامية نضالية متجددة مستفيدة من الشروط التي فرضتها الحركة، تلك الدينامية ستصل بالحركة التلاميذية المرتبطة بحركة 20 فبراير دعوة التلميذات والتلاميذ إلى تنظيم أيام وطنية للاحتجاج ضد السياسات التعليمية، وقد لقيت كلها نجاحا كبيرا، وتوجت بتأسيس “اتحاد الطلاب من أجل تغيير النظام التعليمي” لربط النضال التلاميذي بالنضال الطلابي ونقل المطالب للشارع المغربي من خلال أشكال نضالية مختلفة. غير أن تراجع حركة 20 فبراير من جهة وضعف الحركة الجماهيرية وتأثيرها من جهة أخرى سينعكس على تجربة “الاتحاد” التي ستتوقف دون أن تمنع من خروج التلاميذ من حين لآخر في بعض المناطق أو على كامل التراب الوطني للاحتجاج كذلك الذي أعقب الإعلان عن “منظومة مسار” وخلف رداً قوياً واحتجاجاً عارماً للتلميذات والتلاميذ، حيث خرجت الآلاف في مسيرات واحتجاجات بمختلف مدن ومناطق المغرب للمطالبة بتعليم عمومي مجاني وجيد (مراكش، كلميم، أكدير، الجديدة، أقا، البيضاء، الرباط، سلا، تيفلت، تمارة، خنيفرة، فاس، الحسيمة، وجدة، الناظور، زاكورة، الرشيدية، الجرف-الرشيدية، بني ملال، طنجة، بلقصيري، إمزورن، تماسينت، تاونات، تارودانت، تطوان، طنجة، شفشاون، القنيطرة، القصرالكبير، تازة، سطات، تيزنيت، دمنات، إمزورن، طانطان، …) أربكت وزارة التعليم فتوالت التوضيحات والتصريحات، بل والملاحقات والمضايقات وقمع التلميذات والتلاميذ. ولعبت منتديات التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في التواصل، لكن باعث الاحتجاج كان أقوى. وهو الاحتجاج على “مسار منظومة”.

• واقع اشتغال القوى السياسية و”المدنية” في الحقل التلاميذي
سبق التأكيد أعلاه أن المدرسة العمومية شكلت هدفا لكل القوى السياسية والمدنية رسمية وجماهيرية، اليوم ما هو حال اشتغالها في هذا الحقل المتميز؟ سنميز في هذه القوى بشكل عام بين:
• القوى المخزنية التقليدية (بتلويناتها): سواء تلك التي شكلها المخزن أو احتواها فيما بعد، راهن اليوم يؤكد أنها لا تضع الحقل التلاميذي ضمن أولوياتها/أجندتها لأنها ليست في حاجة له، أو قل إن حاجتها به هو الوضع العام اليوم الذي تعرفه الحركة التلاميذية ومعها المدرسة العمومية.
• القوى الأصولية (بتلويناتها): لا زالت تولي كبير الأهمية للحقل التلاميذي من خلال الحفاظ على تواجدها داخله قصد نشر الفكر الأصولي في الوسط التربوي واستقطاب قاعدة أساسية من التلميذات والتلاميذ لتنظيماتها، مستثمرة في ذلك النوادي/اللجان/ الجمعيات…
• القوى التقدمية (بتلويناتها): تعي بأهمية القطاع التلاميذي في مشروعها التقدمي لكن مبادرتها في هذا الشأن تتسم بالضعف عموما، بل والغياب عند بعض فصائلها، رغم ما يتيحه اليوم العمل داخل النوادي الحقوقية والبيئية والجان الثقافية والفنية…
• الحركة الأمازيغية (بتلويناتها): جعلت من الحقل التلاميذي إحدى أولوياتها لأنه مكنها ولازال من استقطاب العديد من التلميذات والتلاميذ، وهو ما شكل قاعدة أساسية لامتدادها الطلابي في الجامعة المغربية.
• الحركة الحقوقية (بتلويناتها): تعي بأهمية الشبيبة التعليمية والمدرسة كفضاء مهم لنشر قيم وثقافة حقوق الإنسان. ويذكر هنا الدور الريادي والكبير الذي قامت وتقوم به اليوم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان AMDH في تأسيس وتفعيل النوادي الحقوقية بالمؤسسات التعليمية. والذي عرف ويعرف تضييقا من طرف الدولة في إطار الهجمة الممنهجة لوزارة الداخلية على الجمعية منذ تصريح “محمد حصاد” أمام البرلمان في يوليوز 2014 وزير الداخلية السابق قبل أن يعين وزيرا للتعليم. لصالح فسح المجال للمجلس الوطني لحقوق الإنسانCNDH (مؤسسة رسمية) حيث استهل موسم 2012/2013 بإبرام عدد من اتفاقيات الشراكة مع بعض الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.
ما يمكن استخلاصه من هذا هو أن مختلف تلك القوى تراهن على القطاع التلاميذي، لأجل مشروعها السياسي/ المدني، مما يعكس أهمية وحيوية وراهنية هذا القطاع، خصوصا وأن عدد التلاميذ كبير جدا مما ويعرف تزايدا مطردا ومرشح ليكون قوة جماهيرية لا تقهر، إن هي امتلكت وعيا نضاليا، مما يفرض على القوى اليسارية وفي مقدمتها الشيوعية إيلاء كبير الأهمية بالحركة التلاميذية قصد بنائها وتقويتها لكي تدافع على مصالحها المادية والمعنوية أولا، ولتنخرط بشكل واع في حركة النضال الجماهيري والصراع الطبقي بالبلاد من جهة أخرى. ولن يأتى ذلك إلا من خلال بلورة تصور واضح ومتكامل، لعل أبرز ملامحه نجدها في وثائق المؤتمر الوطني الثاني لشبيبة النهج الديمقراطي في شق: الشبيبة والحركة التلاميذية ضمن وثيقة جبهات النضال الشبيبي.

……………………………………………………………………………………
* من مواد ملف العدد 284 من جريدة النهج الديمقراطي