التيتي الحبيب


من وحي الاحداث

لماذا يستعجلون نعي الطبقة العاملة

في اوساط بعض اليساريين ومنهم الدخلاء على الفكر الماركسي أو الملتحقين بجوقة الفكر ما بعد الحداثة يكثر اللغط على التطورات التي لحقت بالطبقة العاملة الى حد ان البعض اعتبرها انتهت ولم يعد لها وجود. يستعملون الاحصائيات التي توضح طغيان قطاع الخدمات وكل ما يتعلق بالالكترونيات وعالم النت. يعتمدون معارفهم الحسية البسيطة ولا ينظرون إلا لما يحيط بهم في قوقعتهم في المنزل والمكتب والمقهى أو الفنادق ولا يرون أثرا للصناعة الثقيلة أو الخفيفة، للصناعة التحويلية أو المنجمية، يسمعون بالروبوات في عقر الرأسمالية الامبريالية ويعتقدون انها عوضت البشر وان العمال تم تسريحهم وهم اليوم في منازلهم تخدمهم الروبوات والآلات الذكية.
هكذا يرى هؤلاء الواقع ويتخيلونه ويفهمونه ويعتبرون ان مقابل هذه القفزة النوعية حيث اضمحلت الطبقة العاملة يجب ان يستتبعها ايضا فكر جديد يعوض الفكر القديم وهو الماركسية كما نشأت وفي القرن 19 وكما تطورت في القرن 20. حسب هؤلاء لقد انتهى ذلك العهد، والنباهة والمواكبة تقتضي اليوم فكرا يقطع بدوره مع التقاليد والتاريخ وينفتح على هذا الواقع المستجد حيث يغيب العامل الصناعي والزراعي ويسود عامل الفكر والذكاء وهم تقنيون ومهندسون اكثر منهم عمال. لم يعد مجال لبيع قوة العمل ولا الى بحث الرأسمالي على الاستحواذ ونزع فائض القيمة. لم تعد الطبقة العاملة هي حامل مشعل التغيير إنه انتقل الى الطبقات الوسطى والتغيير اليوم هو من فعل الحركات المستقلة ولم يعد مفيدا أو مجديا البحث لها عن حزب أو قيادة مركزية.
إنها علاقات جديدة لم يعد لا ماركس ولا فكره بقادر على تحليلها أو تفسيرها وحتى لم يعد من المجدي تطوير هذه النظرية. ألم يفشل فكره في ثورة 1917 وفي الصين وغيرهما وانتصرت قيم جديدة؟ حتى من بقي من هؤلاء يتكلم عن الاشتراكية فهو يتكلم عنها خارج التاريخ والتجربة المعاشة للطبقات التي بنتها أو الشعوب التي عاشتها. إنهم يتنكرون لتلك التجارب ويتبرؤون منها ولا يريدون أن تمسسهم فشالاتها أو عيوبها. إنهم اشتراكيون جدد متجددون ابناء لحظتهم يعدون أنفسهم وإتباعهم ببناء اشتراكية القرن 21 لكن عندما تسألهم عن طبيعتها وشكلها يلوذون بالصمت أو يغرقونك بالانتقادات للاشتراكية السابقة وأنهم لن يعيدوا بناء مثلها. هؤلاء لن يبنوا شيئا في القرن21 ، ستراهم وتسمعهم يتكلمون عن هدفهم لإقامة اشتراكية القرن 22 وهكذا دواليك.
انهم اناس متحررون من التاريخ ومن الواقع واشتراطاته. إنهم أناس خياليون ولكي يصبغوا على خيالهم صفة الواقعية فإنهم ينفون الواقع ويبثرون منه وجود الطبقة العاملة ويزيلوها لتزول برامجها ومصالحها المادية والروحية. لذلك تراهم يسارعون الى نعي وجود الطبقة العاملة والنفخ في كل خبر أو إشاعة أو تضخيم كل إحصاء أو استطلاع يستشف منه تقلص أو تراجع نسبة العمال وقوة قطاعات الخدمات.