الذكرى الثامنة لرحيل المناضل اليساري الثوري ابراهام السرفاتي


اليوم تحل الذكرى 8 لرحيل المناضل اليساري الثوري ابراهام السرفاتي
كانت ضريبة نضاله وافكاره الثورية ثقيلة : الحكم غيابيا بالمؤبد سنة 1973. اعتقال، شهر نوفمبر 1974 ثم تعذيب طيلة أربعة عشر شهرا، في دهاليز درب مولاي الشريف، وهو معصوب العينين والأصفاد تشد معصميه. الحكم عليه بالسجن المؤبد خلال المحاكمة الشهيرة ل “الجبهويين” سنة 1977، قضى منها 17 سنة وراء الأسوار.

في سبتمبر 1991 اطلق سراحه بعد سبعة عشر عاما قضاها في الاعتقال. ونفي حينها مباشرة من سجن القنيطرة المركزي
إلى باريس، إذ ادعت سلطة الحسن الثاني عدم الإقرار بمواطنيته المغربية…
في سبتمبر عام 1999 سمح له مرة اخرى بالعودة الى وطنه الام
حيث واصل نضاله الفكري والميداني الى غاية 18 نوفمبر 2010 حيث وافته المنية بمدينة مراكش.
وقد زار حين عودته من منفاه الاخير عدة مدن مغربية كان الريف احدى وجهاته حيث لقي استقبالا جماهيريا حافلا
لترقد روحك بسلام


بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل الرفيق أبراهام سرفاتي، نعيد نشر مقال له نشر في مجلة Souffles سنة 1971

ظلامية الاستعمار الجديد و ألاعيب البورجوازية
أو من المامونية إلى هلتون و من إيكس ليبان إلى إفران

بقلم أبراهام السرفاتي ترجمة: جمال الدين العمارتي

ختم الاقتصادي الأمريكي هاري مكدوف دراساته الهامة حول الإمبريالية بالتأكيد على هذه الخلاصة: “الإمبريالية ليست أمرا اختياريا بالنسبة للمجتمع الرأسمالي، إنها بالأحرى نمط عيش هذا المجتمع”.
عديدون هم، من يحاولون حجب هذه الحقيقية التي تمت البرهنة عليها بدماء الشعوب منذ خمسة قرون. فها هو أنور السادات يجهد نفسه ل “إقناع” الولايات المتحدة الأمريكية بالعدول عن مشاريعها الإمبريالية في الشرق الأوسط، عبر وسطاء صهاينة. أما هنا في المغرب، فقد تطلب الأمر مذبحة دجنبر 1952 و اعتداءات غشت 1953 لكي يتخلص الشعب من الأوهام التي نفثها ساسة البورجوازية حول إمكانية التقدم من خلال المفاوضات و عبر تدخل منظمة الأمم المتحدة.
طبيعي أن تتعلق البورجوازيات الوطنية بأسطورة رأسمالية جيدة، أي رأسمالية غير إمبريالية. أليست هي من تطمح إلى إقامة مجتمع رأسمالي من حيث الجوهر أو توطيد دعائمه، لا يهم إن سمي، بمباركة من الجامعيين المتمركسين، مجتمعا غير رأسمالي أو اشتراكيا حيث تعيش طبقاته الحاكمة من كدح العمال و الفلاحين؟
و إذا كانت الشعوب تعي جيدا ما تريد، فإنها تظل عرضة للتأثر بمثل هذه الأوهام، علما أنه من الصعب على كل من احتفظ بإنسانيته أن يتمثل مستوى اللاإنسانية الذي تقود إليه الثقافة الإمبريالية.
نعم هناك ثقافة إمبريالية. طبعا، فقد سماها المدافعون عنها ثقافة غربية، إنسانية، لبرالية…لكنها تظل الثقافة التي تبرر الإمبريالية و تؤسسها. إن مشاريع البحارة البرتغاليين الذين اكتسحوا الشواطئ الإفريقية أو مشاريع كريستوف كولومبس الذي كان يتلقى الدعم المالي من إيزابيل دي كاستي، لم تكن تختلف من حيث مقاربة مموليها عن مقاربة شركة تكسان عندما تقرر تمويل التنقيب عن النفط في الصحراء. غير أن التطور التقني مكن من إحراز تقدم على مستوى التعاطي مع البشر. فقبل خمسة قرون خلت، كانت الرأسمالية الصاعدة، في غزواتها للاستيلاء على الذهب بإفريقيا و أمريكا الجنوبية، تقوم باجتثاث الهنود الأمريكيين و تهجير الأفارقة السود نحو القارة الإفريقية. أما اليوم فلازالت الرأسمالية، و قد أصابها الوهن، تسعى إلى القضاء على السكان الأصليين، لكنها لم تعد تمتلك القدرة على تكرار ما قامت به في فلسطين، بل تلجأ إلى أساليب أخرى مثل تحديد النسل و دفع السكان نحو البؤس و المجاعة و التصفية الثقافية بشكل مستمر. أما التهجير فلا زال متواصلا، لكن نحو مناجم أوروبا و ورشاتها.
فما هي إذن هذه الثقافة التي تؤسس الإمبريالية؟ إنها الثقافة العنصرية، الثقافة التي تنزع عن الناس إنسانيتهم و تنزع عن الشعوب صفة الشعب و تنفي عن ثقافات الشعوب التي ترزح تحت نير الإمبريالية صفة الثقافة.
و إذا كانت الإمبريالية هي نمط حياة الرأسمالية فإن الثقافة الإمبريالية هي امتداد للثقافة الرأسمالية. فالرأسمالية نفسها تطورت و تقوي نفسها باستمرار من خلال تحويل الفلاحين الأحرار و الصناع إلى عبيد مأجورين في بلدان نشأتها. فهؤلاء أيضا تمارس عليهم الثقافة الإمبريالية. و جاءت الذكرى المئوية لكمونة باريس لتذكرنا بأن الثقافة العنصرية للرأسمالية هي ثقافة طبقية من حيث الجوهر. و ها هو رينان أحد كبار فلاسفة الغرب الذي ما فتئ يسب الثقافة و الفلسفة العربيتين من أعلى منبره ب “كوليج دو فراانس”، يكتشف بأن كمونة باريس كانت عبارة عن ” جرح تحت الجرح و هوة من تحت الهوة”.
كما أن مطابقة الثقافة الإمبريالية للثقافة الطبقية يؤدي إلى العديد من التوافقات الغريبة. فالقانون في جنوب إفريقيا يعتبر رجال الأعمال اليابانيين “بيضا”، و رجل الأمن الباريسي الذي يطارد ال “bicot” (سبة عنصرية تطلق على المنحدرين من شمال إفريقيا) ينحني أمام الإقطاعي المغربي. لكن لا جديد هنا، فالحاج التهامي الكلاوي كان يحظى بتقدير كل النخبة الفرنسية.
وحدهم نساء و رجال العالم الأنيق و المتحضر و نساء و رجال الأوساط الدبلوماسية و الأدباء و المضاربون الماليون الدوليون، من يمتلكون فرصا أكبر للاستمتاع بتلك الرعشات التي تولدها الغرابة في نفوسهم، و التي تستلزمها دناءتهم. فلم يُصرف قط قدْر ما صُرف من أموال، في العصر الذهبي للحماية، داخل المطاعم الرفيعة و النوادي و المحلات التجارية الأنيقة بمدينة الدار البيضاء. و قليلة هي الأمسيات بالرباط التي لم تشهد حفلا على شرف ديبلوماسيين رفيعي المستوى أو حفلا رسميا، ناجحا بطبيعة الحال، بفندق هلتون. و يتنافس حاليا الكثير من السيدات و السادة المحترمين على فندق المامونية بمراكش.و هم يعتزمون كذلك ممارسة انحطاطهم بفروع نادي حوض البحر الأبيض المتوسط بشمال المغرب و جنوبه. و هم غير مقصرين في حق”أصدقائهم الأعزاء” من طبقتنا الحاكمة،فهؤلاء يعرفون عن ظهر قلب جغرافية حدائق الإليزي، لكن لا تكونوا قليلي الذوق فتسألوهم إن كانت توجد بالرباط أحياء صفيحية.
إن ولوج الشرائح الكمبرادورية من البورجوازية الكبيرة المغربية ومن الطبقة الإقطاعية الجديدة إلى هذه الدوائر المتميزة لم يغير إلا قليلا من مواضيع سخريتها. فإذا كان كمبرادوريونا، سادة و سيدات، قد نالوا شهادات حسن الذوق و التميز، فإن الأخطاء اللغوية في الفرنسية المرتكبة في امتحانات الباكالوريا المغربية تفجر كل سنة موجات من الضحك داخل هذه الأوساط. و باختصار، إن ثقافة كمبرادوريينا هي الثقافة الإمبريالية.
فلا جديد لدى المستغِلين فيما يتعلق بتضامنهم مع المستغَلين أو فيما يخص الحقد عليهم و احتقارهم. فليس صدفة أن يتم اعتبار الفلسفة اليونانية بمثابة أم للفلسفة الغربية. فقد كانت هذه الفلسفة و لا تزال تحتقر العمل اليدوي و تضع العمال في مصاف العبيد أي أناسا من الدرجة الثانية.
هده الفلسفة و هذه الثقافة هي ما يشكل جوهر العقيدة الإمبريالية فيما يخص التعليم. فهناك طبقة عليا تستطيع الحصول على التعليم و هناك طبقة سفلى، أي أناس من الدرجة الثانية لا حاجة لهم بالتعليم و لا هم جديرون به. و من ثمة فإن هذا التعليم لا يمكن أن يتأتى من العمل و لا أن يرتبط به.
لذلك هناك، من جهة، مدراس مخصصة لأبناء الطبقة الحاكمة، حيث يتم تدريس ثقافة منفصلة عن الواقع، من “رونسار” إلى “كلوديل” و من باريس إلى الرباط. احتقار العمل اليدوي سيؤدي ههنا بسرعة إلى احتقار العمال. و من جهة أخرى، نجد الورشة و الرعي و الشارع لأبناء العمال.
إن تطور القاعدة الصناعية للرأسمالية جعل هذه الأخيرة تولي اهتماما متزايدا لتكوين العمال، لذلك أصبح التعليم الابتدائي إجباريا في البلدان الرأسمالية، لكنه مخطط له بحيث لا يمكن لأبناء العمال و الفلاحين أن يواصلوا دراستهم إلا في التعليم التقني في أحسن الأحوال ليصبحوا عمالا مؤهلين أو أعوانا مؤطِرين. أما الثانويات فتظل حكرا على البورجوازية. و أما في المستعمرات فلا حاجة للتعليم التقني، عمال الميتروبولات فيهم الكفاية.
لكن كل شيء بدأ ينهار منذ عشرين سنة. الشروخ التي أحدثتها الثورات الاشتراكية و نضالات الشعوب التي تم استعبادها و نضالات بروليتاريا البلدان الرأسمالية خاصة أبناء العبيد الذين تم استقدامهم من إفريقيا، كل شيء بدأ ينهار بما في ذلك هذا النظام التعليمي المتقن التركيب.
لذا فإن الطبقات الحاكمة بدأت تعبر عن غضبها: ” في زمن المناهج العتيقة كانت التراتبيات الطبيعية مقبولة و مفهومة بل و محبوبة، و هذا ما كان يجعلها لطيفة و إنسانية. أما اليوم فكل الذاتيات قد شحذت أسلحتها و انتصبت كل الأنانيات. من هنا خشونة المطالب الشعبية. فالشبيبة المغربية صارت تطاردنا. من دمشق إلى مراكش ارتفعت الشعارات مطالبة بالمدارس. و ها نحن اليوم نشاهد بعض التأثيرات الناجمة عن ذلك. لقد كان التعليم فيما مضى انضباطا فأضحى اليوم انفلاتا. فالغرائز، التي لم يعد بالإمكان احتواؤها، أضحت سيدة الموقف. و لم يعد العلم حكمة فصارت الديانة و التقاليد تتهاوى تحت وطأنه. و أصبح الحاصل على الباكالوريا يسبب الكثير من الأضرار، فأي حمق هذا أن نسعى إلى تخريج كل هذه الأعداد من الحاصلين على الباكالوريا”.
هذه السطور، التي تحتفظ بكل راهنيتها، كتبت في أبريل 1953 في عدد من مجلة “Ecrits de Paris” كان مخصصا للمغرب، من توقيع كتاب، بعضهم لا يزال يحتفظ بسطوته.
هذه الطبقات الحاكمة تروم بكل الوسائل ترميم الشروخ. إنهم يسعون جاهدين، بعد أن جن جنونهم، إلى قطع دابر هذا الشرخ الذي أحدثته الهبة الشعبية غداة الاستقلال و الذي دحر العراقيل التي كانت تمنع أبناء الشعب من التمدرس.
لذلك فإن الاعتقاد بأن مشاكل التعليم الراهنة تعود إلى صعوبات تقنية و إلى انعدام الكفاءة و النقص في المعدات أو المدرسين، معناه السقوط في نفس الأوهام التي أدت إلى مذابح 1952 بالدار البيضاء و شتنبر 1970 بعمان و عدم فهم الطبيعة اللاإنسانية للثقافة الإمبريالية.
و إذا كانت الإمبريالية هي نمط عيش الرأسمالية فإن الظلامية هي إحدى ركائزها. و من غير المعقول أن نتوخى من مستغِل هذا الهيكل أن يعوض ركائزه الإسمنتية بأعمدة الورود.
لكن هذا ما تقوم به بورجوازيتنا الوطنية بالضبط. فوجب القول إنها في وضعية بئيسة، إذ لا تتقن “سوى الاستفادة من تنمية لامتكافئة موجهة من طرف الإمبريالية”، غير أنها وهي تحلم، مثل إيكاروس، أن تحلق قرب الشمس بأجنحة من شمع، أضحت تستجدي بعض الإصلاحات، هي التي لم تحصل على بعض النفوذ إلا في خضم دفاعها عن الجماهير الشعبية.
وعندما أرغمت نضالات الجماهير الشعبية الإمبريالية على التراجع،عرفت هذه الأخيرة كيف تتفاوض بحنكة في إيكس ليبان مع البورجوازية الوطنية حول تغليف الركائز الإسمنتية للهيكل الاستعماري بالورود الاصطناعية للاستعمار الجديد. غير أن هذه البورجوازية تفتقد حتى إمكانية تدبير هذا الهيكل. و اليوم، وقد تصاعدت مواجهة الجماهير للهيكل في حد ذاته، ماذا عسى هذه البورجوازية الوطنية أن تنال غير بضعة جذوع ذابلة حصلت عليها السنة الماضية في إفران، ما فتئت أن تحولت بسرعة إلى بساتين.
صحيح أن تناقضات البورجوازية الوطنية في مجال التعليم، حادة بصفة خاصة. فالناطقون التقليديون باسمها هم مثقفو البورجوازية الصغيرة الذين يؤسسون تفوقهم على المعرفة التي حصلوا عليها في الجامعة البورجوازية،و يحافظون عليه بعناية من خلال نظام الثناء على الذات المعمول به في أممية الأفندية. و ها قد بدأ التشكيك يطال أسس هذه المعرفة و هذا النظام، من طرف مراهقين أبناء عمال و فلاحين أميين!و هذا ما يفسر أن غالبية الأساتذة الجامعيين، سواء في إفران أو في العديد من مجالس التعليم، و هم الذين يقدمون أنفسهم على أنهم مناضلون تقدميون، غير قادرين على استيعاب هذا التشكيك الذي أضحى يطال تفوقهم المزعوم من حيث جوهره. و ليس فقط نقص الجرأة هو ما جعل النقابة الوطنية للتعليم العالي تبخس نفسها في ندوة إفران.
لكن على الساسة البورجوازيين و أفنديتهم ألا يندهشوا لكونهم لم يحصلوا إلا على الازدراء و الإعراض من طرف نفس السلطة التي ظنوا أنه بإمكانهم إيجاد أرضية للتوافق معها،على حساب التلاميذ و الجماهير الشعبية. و قد سبق للينين أن كتب عن فئة مماثلة من الساسة البورجوازيين في روسيا القيصرية سنة 1905 : ” إنكم تستحقون هذا الازدراء لأنكم لا تناضلون إلى جانب الشعب، بل إنكم لا تسعون إلا إلى استعمال الجماهير الشعبية الثورية لكي تتسللوا إلى السلطة”. و من بين قادة الاستقلال هناك قائد وحيد ينحدر من المثقفين البورجوازيين الصغار استطاع أن يتجاوز طبقته و كتب بصدد هذا الأمر ما يلي: “إنه من البديهي أن من يكتفي بالخطة التكتيكية «المرحلية»، دون أن ينطلق من أفق استراتيجي، يكون مصيره إما أن يسرق منه الخصم سياسته، وإما أن يظهر بمظهر الانتهازية”.
لكن إذا ما تأكد أن ساستنا البورجوازيين غير قادرين على استخلاص الدروس و وضع استراتيجية، فإن الشعب، و معه كل المناضلين المصرين على القطع مع الظلامية و الاستعمار الجديد، يعمل سنة بعد أخرى على تحطيم الهيكل.

L’image contient peut-être : 1 personne, gros planL’image contient peut-être : 3 personnes