افتتاحية:

في المغرب الراهن ضاع الشغل وسرير في مستشفى ومقعد في مدرسة


لم تنتظر جموع المواطنات والمواطنين ان يخاطبهم الملك ليعلموا ان النموذج الاقتصادي واختيارات الدولة فشلت. انهم يعيشون ويلات فشل هذه الاختيارات يوميا، وهم يواجهونها في عيشهم وصحتهم وحق أبنائهم في التعليم… انتشر الفقر في جميع مناطق المغرب وأصابت حالة التفقير الفئات الاجتماعية التي كانت نسبيا محمية منه.
للفقر أسباب متجذرة في نمط الإنتاج السائد ببلادنا حيث كمشة من البرجوازية الطفيلية وملاك الاراضي الكبار يستولون على الثروة وعلى اجود الاراضي. راكموا الثروة وهربوا الجزء الأعظم منها إلى الخارج، واستثمروا في القطاعات السريعة الربح، وأهملوا القطاعات الاستراتيجية التي تنتج وتسمح بتوفير الشغل القار. احتكرت هذه الشرذمة اهم القطاعات وأطلقت يد سماسرة التشغيل ليصبح الشغل هشا ومعه وضعية العمال وباقي الشغيلة. كما تم توجيه ميزانية الدولة نحو خدمة مصالح هذه الشرذمة البرجوازية وتم التخلي عن القطاع العام وتحويل اهم وحداته إلى القطاع الخاص، وتخلت الدولة عن القطاعات الاجتماعية فأثقلت كاهل المواطنين والمواطنات بمصاريف إضافية، نتج عن ذلك المزيد من تفقير الشعب بما فيه الفئات الاجتماعية المتوسطة. أطبقت أيضا سياسة التفقير هذه على المجال الاقتصادي فتحولت جهات من المغرب الى اوكار تنهب خيراتها وتدمر بيئتها وتهرب ثرواتها إلى المغرب “النافع” الذي رعاه الاستعمار الفرنسي المباشر وواصلته دولة الكمبرادور بعد الاستقلال الشكلي. هذا النهب والتفقير هو السبب للانفجارات الشعبية عبر حركات اجتماعية قوية مثل حراك افني والريف وزاكورة وجرادة… وغيرها من الاحتجاجات القوية في السنوات الأخيرة. لم يفشل النموذج الاقتصادي التنموي فقط لأنه أنتج اختلالات اجتماعية واقتصادية وإنما لأنه خلق وضعية تفكك النسيج المجالي والجهوي للمغرب تهدد مستقبل وحدة مكونات شعبنا. تعتقد الدولة البوليسية بأنها بالمقاربة الامنية تستطيع التحكم في المحتجين وقد تضبط وحدة البلاد وهو الامر الذي تفنده الاحداث الجارية.
نتيجة استفحال الفقر والتفقير تسارع تفكك الأسر، وتوسعت الهجرة الداخلية وغطت جثث الشباب شواطئ المغرب لأنهم فضلوا ركوب مخاطر الهجرة السرية على الموت البطيء بقراهم او احيائهم الفقيرة. بسبب استفحال الفقر اضطر الشباب و الاطفال الى الاشتغال في ظروف خطرة مثل ما يقع اليوم في الآبار العشوائية بجرادة مقابل استخراج حفنة من الفحم الحجري او الرصاص والزنك وبيعه لمافيا تستغل وتنهب هؤلاء العمال الأشقياء. أصبح الفقر ببلادنا من الكوارث الحقيقية وهو الابن الشرعي لاختيارات وضعت عن سبق إصرار.
هل من بارقة أمل يمكن انتظارها من خلال مشاريع الدولة؟ للجواب علينا البحث والنظر في السياسات المطبقة وليس في الخطاب او المشاريع البعيدة المدى.من هذه السياسات الموضوعة مشروع قانون المالية لسنة 2019 وباقي مشاريع القوانين المطروحة لضبط وتسيير القطاعات الاجتماعية كالتعليم او الصحة او التشغيل.فمشروع قانون المالية لا يطرح على الدولة اية مهمة أو يلزمها بتوفير الشغل المنتج والخروج من دوامة الفقر والتفقير. فعندما يتحكم مبدأ احترام التوازنات المالية الكبرى في قانون المالية، فمعناه الالتزام بالتقشف والضغط على القطاعات الاجتماعية وتقليص ميزانياتها؛ ومن جهة ثانية حصر التشغيل او التوظيف بمبرر تقليص نفقات الاجور. احترام التوازنات الكبرى معناه أيضا المزيد من إغراق البلاد في الديون والانصياع الى الدائنين وتطبيق أوامرهم.
وفي هذا الإطار لم يعد سرّاً على أحد بأن المغرب فقد استقلال قراره السياسي في عدة مجالات، وكانت فضيحة الإبقاء على التوقيت الصيفي برهانا على فقدان هذه الاستقلالية حتى في تنظيم حياة الأسر ومعيشهم اليومي، ناهيك عن إقرار برامج استثمارية لا تمت بصلة لاحتياجات الشعب، بل بالعكس هي على حساب المتطلبات الاولية كما هو مشروع القطار الفائق السرعة الرابط بين طنجة والدار البيضاء والذي كلف اكثر من 23 مليار درهم.
إن أوضاع شعبنا لن تستقيم ولن تنفتح على افق يسمح بإيقاف التدهور الاقتصادي والتردي الاجتماعي إلا بخوض النضال التحرري ضد الاستبداد السياسي والاحتكار وإقامة نظام سياسي يضمن توفير الشغل والصحة والتعليم والسكن اللائق ويحمي الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويضمن التقدم والازدهار لجميع مناطق المغرب وينميها ويحافظ على البيئة ويضمن التحرر من السيطرة والهيمنة الامبريالية على مقدرات البلاد.


العدد الجديد 286 من جريدة النهج الديمقراطي في الاكشاك