التيتي الحبيب:
من وحي الأحداث

جرادة المنسية جرادة المحاصرة


تصلنا الصور تباعا لعمال الساندريات القتلى في جوف الآبار المهترئة. القتلى من كل الأعمار بما فيهم الأطفال. وكأنها صور تبعث من القرون الغابرة. لم يتغير واقع جرادة بل استفحل لأن القمع استهدف الشباب فتم اعتقال العديد وهم اليوم يحاكمون بتهم ثقيلة بينما الأخر هاجر خوفا من البطش وبحثا عن لقمة العيش بما فيه ركوب مخاطر الهجرة السرية. تنصلت الدولة من جميع وعودها التي كانت مجبرة على التصريح بها أيام الحراك وقوته. إنها اليوم تعتبر أن الاوضاع رجعت الى الهدوء وأنها تحت السيطرة. طبقت الحكومة تجاه جرادة تلك المقولة التي يرددها الكثير من الناس وهي “كم من حاجة قضيناها بتركها”. تعتبر الدولة أن لا شيء يجبرها على الوفاء بالوعود بل حتى الوفاء بالوعد قدمت تحت الضغط امر لا يجب فعله وإلا فقدت الدولة هيبتها وتغول الشعب.
ما يشجع الدولة على هذا التعامل هو ما تراه وما تلمسه من خفوت للتضامن الشعبي مع الحراك ومع معتقليه. انها ترى ان ما سمي باللجنة الوطنية للتضامن مع الحراك ليست إلا قوقعة فارغة ولدت ميتة ان لم نقل كانت نوعا من رفع العتاب عن مكوناتها.
هل اصبحت جرادة منسية الى درجة ان المعتقلين احيانا لا يجدون هيأة دفاع تؤازرهم بكل الثقل المطلوب؟ على الإطارات الحقوقية والسياسية ان تستفيق وتتدارك الوضع. ان اي تراخ تجاه واجبات الدعم والمساندة يوظفه النظام في تشديد الحصار والانتقام من جرادة وساكنتها. وكلما امعن في قمع الحراك بهذه المدينة العمالية كلما بعث برسائل للجهات الاخرى المرشحة للانتفاض والمقاومة. ان الدولة ستصعد من مقاربتها القمعية لأنها لا تملك البديل وليست لها لا الارادة ولا القرار السياسي من اجل توفير الشغل المنتج والحافظ لكرامة المواطنين والمواطنات. ان الدولة تستغل هذه الاوضاع المزرية وتحاول عبر سياستها الرجعية المعروفة بمشروع التنمية البشرية اي توزيع بعض الريع والهبات على شاكلة تكوين تعاونيات او تمويل مشاريع تافهة لكنها تبقي المنتفعين منها رهائن في يد السلطات المحلية والجهوية وتستخدمهم في الترويج للخطاب المخزني الكاذب حول المستقبل الزاهر للبلاد. إن جرادة في حاجة إلى بديل اقتصادي حقيقي كما طالبت به الساكنة. ولن يتحقق هذا البديل ما لم تشرك الساكنة في ابداعه وتحديد معالمه ومجالات اشتغاله. ان البديل الاقتصادي لا بد ان يوضع بطريقة ديمقراطية مباشرة وإلا سيتحول إلى ورش للارتزاق والريع والمحسوبية. كما ان هذا البديل الاقتصادي يجب ان يتوخى تشغيل شباب المنطقة واستعادتهم الى جرادة وخلق اسباب الهجرة المضادة. ومن اجل وضع هذا البديل الاقتصادي لا محيد من إطلاق سراح المعتقلين وإشراكهم في التفكير والتخطيط الشعبي لمستقبل جرادة ونواحيها.
ان شان جرادة اصبح شانا وطنيا وعلى القوى المناضلة ان تدرك ذلك وتتحمل كل مسؤولياتها التاريخية.