• من وحي الأحداث

التيتي الحبيب


رواسب التاريخ في العمل النقابي

بالمغرب تمت الإجابة الجزئية على الضرورة القصوى لتحمل الطبقة العاملة لمهمة استكمال التحرر وبناء المجتمع الجديد، فكان البناء النظري الفكري العام وبداية إنجاز بناء التنظيم السياسي المستقل عبر تكوين أنويه ومنظمات ماركسية لينينية تقطع مع التجارب السابقة، سواء المنحدرة من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أو تلك المنحدرة من الحزب الشيوعي المغربي ورفض التوجه البرجوازي الصغير البلانكي. لكن في موضوع الأذرع والأدوات التنظيمية المستقلة كالنقابات والجمعيات المدنية المختلفة باختلاف مجالات النضال الجماهيري لم نستطع التقدم فيها لا فكريا ولا تنظيميا. تشكلت القيادات المتنفذة في النقابات من عناصر انتمت للحركة الوطنية ثم فيما بعد من الأحزاب البرجوازية المنحدرة من الحركة الوطنية. فهذه القيادات هي من وضعت الأسس السياسية والتنظيمية ورسمت الأهداف ومجالات التنقيب. ولأنها أحزاب برجوازية فإنها اهتمت بالنقابات من زاوية خلق الأذرع بغاية خلق أدوات الضغط وتحصيل شروط التفاوض السياسي مع النظام.
هذا الهاجس هو الذي يفسر إلى حد كبير واقع التشتت النقابي الحاصل اليوم، إنه ناتج عن التشتت السياسي وتشرذم الأحزاب. لذلك علينا أن نفهم حقيقة هذا الواقع ومعالجتها انطلاقا من هذا الإدراك لتاريخ العمل النقابي بالمغرب الذي لم يخضع للتوجيه النقابي المنبثق من مصلحة الطبقة العاملة. حدث ذلك لسبب بسيط وهو أن هذه الأخيرة لم تمتلك لحد الساعة حزبها السياسي المستقل أي قيادتها وبوصلتها في كافة الميادين.
كل الأمراض الحالية، من تشتت ومن هيمنة بيروقراطية ومن تعاون طبقي مع الرأسمال ومهادنة وانسياق في السلم الاجتماعي، ليس إلا تجسيدا صارخا لوجود قيادة سياسية متحكمة في النقابات، تعتبر الطبقة العاملة خزان القوى الضاغطة من أجل تحسين شروط التفاوض لهذه الأحزاب مع الدولة وحكوماتها.
إن محاربة البيروقراطية والطموح في التغلب عليها باستعمال نفس سلاحها هو في الحقيقة السعي إلى معالجة النتائج والظواهر وإغفال معالجة الأسباب. لذلك وجب على طلائع الطبقة العاملة النضال الجدي والمثابر من أجل أن تعي الطبقة العاملة أن مصلحتها تكمن في تبني العمل النقابي بمضمون جديد يقطع مع الأساليب والمضامين القديمة، وأن يصبح العمل النقابي متمحورا على قضايا ومصالح العمال في المعمل أو الضيعة أو المؤسسة أولا ثم يبحث هذا العمل النقابي الجديد عن حلفاء وسط باقي الشغيلة ليلفهم في المطالب والنضالات وأن يصبحوا دعما وسندا وسط الأجهزة النقابية. ولكي يتحقق ذلك على حزب الطبقة العاملة المنشود أن ينظم العمال ويؤطرهم ويرشدهم لكيفية اقتحام العمل النقابي من وجهة نظرهم ومن مصلحتهم.
إصلاح العمل النقابي من خلال العمل النقابي عملية عقيمة أعطت كوارث وهي تخدم المزيد من التشرذم ومن طغيان البيروقراطية والتكالب على الطبقة العاملة واستخدامها.
بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة والنقابة المكافحة سيرورتين مرتبطتين جدليا. فبناء الواحد في غياب الآخر انحراف أو هو فقدان للبوصلة.