1- كيف تقيمون صيرورة المطالبة بالحقيقة والإنصاف لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومنهم المختطفين مجهولي المصير وضحايا الاختفاء القسري بالمغرب، ومقاربة الدولة في هذا الملف؟

قبل الجواب على هذا السؤال لا بد أن نشكر باسم عائلات المختطفين مجهولي المصير وضحايا الاختفاء القسري بالمغرب جريدة النهج الديمقراطي على اهتمامها بموضوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الماضي وكذلك في الحاضر .
إن النظام المخزني قد سوق تجربة معالجة ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على أنها تندرج في إطار تجارب العدالة الانتقالية. إن الواقع يفند هذا الإدعاء وسنبدأ تقييم التجربة بقراءة مختصرة في ما يسمى بتجربة العدالة الانتقالية بالمغرب وبعد ذلك سندلي ببعض القضايا العالقة والنواقص في التجربة المغربية.

1- قراءة في ما يسمى بالتجربة العدالة الانتقالية بالمغرب

مفهوم العدالة الانتقالية يعني تحقيق العدالة في فترة انتقالية تمر بها الدولة خلال الانتقال من حكم تسلطي استبدادي إلى حكم ديمقراطي أو من حكم عسكري إلى حكم مدني أو من حكم ديني إلى حكم مدني، أو من حالة حرب داخلية أو خارجية إلى حالة سلم. إننا نستخلص من هذا المفهوم أن التجربة المغربية لا تنطبق عليها معايير العدالة الانتقالية كون العدالة لا زالت بعيدة المنال والانتقال إلى حكم ديمقراطي لم يتحقق بعد لأن نظام الحكم في المغرب لا زال حكما تسلطيا استبداديا والمجرمين لازالوا في مراكز القرار.
ينطوي مفهوم العدالة الانتقالية على أربع دعائم رئيسة ومترابطة تشكل آليات وأهدافا في الوقت ذاته هي: معرفة الحقيقة، المحاسبة والقصاص، التعويض وجبر الضرر، ضمانات عدم التكرار.
إن من أهم حقوق ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان معرفة الحقيقة حول الأسباب والظروف التي ارتكبت خلالها التجاوزات والجرائم. فأول أهداف العدالة الانتقالية هو كشف الحقيقة، ومعرفة مصير المختفيين قسرا ومكان وجودهم،ومعرفة طبيعة ما وقع من جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان خلال فترة الاستبداد أو القمع، مع تحديد المسئول عنها وإحالة مرتكبيها على العدالة تفعيلا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب ضمانا لعدم التكرار. إن المغرب لم يعش حروبا أهلية أو عقائدية أو إثنية بل بالعكس كان هناك ولازال نظاما سياسيا استبداديا وتسلطيا يحكم بالحديد والنار ويزج بكل معارضيه من جميع الأطياف بالمعتقلات السرية والعلنية ويمارس الإعدامات خارج نطاق القانون وذلك بواسطة أجهزته القمعية السرية والعلنية من جيش وبوليس وقوات مساعدة…، إننا نستنتج بأن النظام المخزني يتوفر على كل الحقائق فيما يتعلق بجميع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها لكن ومع الأسف الشديد أن الحقيقة في التجربة المغربية لازالت في غالبيتها غائبة ومغيبة لأنه وبكل بساطة لا يمكن للمجرم أن يوفر الأدلة لإدانته وهذا يوضحه بالملموس تقرير المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في دجنبر 2010.
كما انه لا يمكن إصدار العفو لمنع الملاحقة القضائية في الجرائم ضد الإنسانية. ففي التجربة المغربية فإن رئيس الدولة والمسئول الأول عن أغلب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت في بلدنا قد أصدر عفوه عن جميع المسئولين المباشرين وغير المباشرين المتورطين في هذه الانتهاكات ومن بينهم الجلادين. إن هذا يبين بالملموس مرة أخرى مدى تناقض التجربة المغربية مع مبادئ حقوق الإنسان الكونية وكذلك مبادئ العدالة الانتقالية وذلك بمنطق الخصوصية المغربية. إن التجربة المغربية لم تأخذ بعين الاعتبار مبدأ المحاسبة والقصاص بل الأخطر من ذلك أنها أسست للإفلات من العقاب في جميع الجرائم ضد الإنسانية السياسية، الاقتصادية والثقافية.
يتوجب على الدولة الحفاظ على الأدلة الموثقة للتذكير بتلك الأحداث وإحياء ذكرى الضحايا، بالإضافة إلى ضمان الوصول المناسب إلى الأرشفة لتفادي التكرار. مرة أخرى ومع الأسف الشديد نجد أن مراكز الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي قد تركت للإهمال والتلاشي أو فوتت لمافيا العقار. فهنا أيضا عندما تنتفي العدالة والمحاسبة وعدم الحفاظ على الذاكرة فإن مبدأ عدم التكرار يصبح من المستحيلات وهذا ما أكده الواقع إذ أن الانتهاكات لا زالت قائمة.

2- قضايا عالقة ونواقص في التجربة المغربية
من أبرز المؤاخذات المسجلة على التجربة المغربية أثناء معالجتها لملف ماضي الانتهاكات:

– معرفة الحقيقة لا زال ينقصها الكثير وخصوصا بالنسبة لضحايا الاختفاء ألقسري مجهولي المصير
– العفو على الجلادين في تناقض فاضح مع مبدأ عدم الإفلات من العقاب
– محو آثار الجريمة والضرر الذي لحق مواقع الذاكرة في تناقض مع مبدأ الحفظ الإيجابي للذاكرة.
– عدم معرفة الحقيقة حول ما جرى وعدم تحديد المسؤوليات وشرح الوقائع وأسباب الاختطافات والوافيات.
– انشغال المسؤولين بتسويق التجربة دوليا عوض الانشغال بالتسوية الحقيقية الشاملة للملف مما أضاع الكثير من الوقت التلويح بإغلاق الملف مع إصدار تقارير غير مطابقة للواقع ومتناقضة.
الخلاصة هنا أن ملف الانتهاكات الجسيمة لا زال مفتوحا ويجب على كل الفاعلين الاهتمام بهذا الملف والعمل على إعطاء انطلاقة جديدة حتى لا يتكرر ما جرى وما يجري من انتهاكات.

2- منذ عقود والحركة الحقوقية وخاصة عائلات المختطفين مجهولي المصير وضحايا الاختفاء القسري بالمغرب تخوض نضالات مريرة كان آخرها وقفة الأحد 11 نونبر 2018 بالبيضاء، هل من مستجدات وكيف ترون الوضع الراهن لهذا الملف؟

حتى لا ننسى فقد بدأت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب مند سنة 1956 وتنوعت من حيث طبيعتها ودرجة عنفها وآثارها وأبعادها وشملت الاختفاء القسري، الاعتقال التعسفي ، الإعدام خارج نطاق القانون ، التعذيب الوحشي المفضي إلى عاهة مستديمة أو الموت، المنفى الاضطراري أو الاختياري هربا من الاضطهاد السياسي، المحاكمات السياسية الجائرة، الحصار ونزع ومصادرة الممتلكات، الاغتصاب الممارس على الضحايا وخاصة النساء كما شملت هاته الانتهاكات الأفراد والجماعات والمناطق بأكملها . لقد اتسمت هاته الانتهاكات بالاستمرارية والشمول وشكلت نمطا ونهجا ثابتا واختيارا سياسيا للدولة في مواجهة الحركات السياسية المعارضة والحركات الاحتجاجية الشعبية وما تعامل النظام المخزني مع الحراك الشعبي بالريف إلا دليل على استمرارية الماضي في الحاضر.
كما شكلت أيضا جوابا رسميا عن المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للشعب المغربي في الماضي والحاضر لكي يتسنى للنظام وخدامه نهب خيرات الشعب وكبح طموحاته المشروعة في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتأسيس دولة الحق والعدالة والكرامة والمواطنة والحرية ، نظام ديمقراطي حقيقي خال من كل أشكال الاستبداد ورغم هدا القمع الوحشي فإن صمود القوى الديمقراطية والمعتقلين السياسيين وعائلات المختطفين مجهولي المصير والجمعيات الحقوقية التي لعبت دورا رياديا وخاضت نضالات تاريخية مريرة من اجل التعريف بقضية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والمطالبة بكشف حقيقة الاختفاء القسري كل الحقيقة وإطلاق كافة المعتقلين السياسيين. وللتذكير فإن لجنة التنسيق لعائلات المختطفين مجهولي المصير وضحايا الاختفاء القسري في المغرب، لجنة وظيفية داخل المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، تشكلت نواتها الأولى منذ بداية التسعينات حيث كانت طرفا فاعلا في لجان التضامن مع المعتقلين السياسيين والمختطفين والمنفيين وحافظت على تقليد المشاركة في تظاهرات فاتح ماي للتعبير عن مطالب عائلات الضحايا، ورافعت عن هذا الملف وطنيا ودوليا وساهمت لجنة التنسيق بفعالية سنة 1999 في تأسيس المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف وأصبحت من بين لجانه الوظيفية وساهم أعضاءها في مختلف أنشطته وبرامجه النضالية، كما احتفظت بحق المبادرة للقيام بتحركات نضالية حيث ساهمت سنة 2007 في تأسيس “الفيدرالية الأورو متوسطية ضد الاختفاء القسرية” واقتراح وتنفيذ برامج تهدف إلى المعالجة الشاملة لملفات الاختفاء القسري ومجهولي المصير وفي هذا الإطار يندرج قرارنا بتنظيم وقفات دورية على رأس كل شهرين وذلك مشيا على نهج أمهات وعائلات الضحايا من مختطفين مجهولي المصير ومعتقلين سياسيين واللواتي مافتئت تناضل من أجل معرفة الحقيقة وإنصاف أبنائهن وإطلاق سراحهم وذلك منذ سبعينات القرن الماضي وقدوة بتجربة ما بعرف بأمهات ساحة مايو بالأرجنتين بساحة الأمم المتحدة بالدار البيضاء والتي أطلقنا عليها اسم “ساحة الحقيقة”وذلك من أجل الحقيقة كل الحقيقة، الإنصاف، الذاكرة وعدم الإفلات من العقاب حتى لا يتكرر هذا.
إن الوضع الحقوقي حاليا ببلادنا يتخذ منحى تراجعيا وهذا يتجلى في محاولة النظام التملص من ملف الانتهاكات الجسيمة بواسطة مجلسه الوطني لحقوق الإنسان ويستعمل كل الوسائل لذلك كالتزوير والكذب وعدم الاستجابة لمطب مواصلة التحريات من أجل معرفة الحقيقة. أضف إلى هذا الأحكام الجائرة في حق معتقلي الحراك الشعبي والتضييق على الجمعيات والأحزاب الجادة كالجمعية المغربية لحقوق الإنسان والنهج الديمقراطي. إن الدولة المغربية ليست لديها الإرادة السياسية لحل ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
– بالنظر للسياق الوطني والدولي في مجال حقوق الإنسان، كيف تنظرون لآفاق النضال من أجل المطالبة بالحقيقة والإنصاف، وأي دور للفاعل المدني والسياسي؟

بخصوص هذه النقطة فإنه يجب انخراط جميع الفاعلين لإعطاء انطلاقة جديدة لهذا الملف بتفعيل توصيات ندوة مراكش حول الانتهاكات الجسيمة ومن أجل:

– العمل على التأسيس وإنشاء الآلية الوطنية المستقلة للحقيقة،
– إطلاق دراسة تحليلية لنتائج الكشف عن الحقيقة حول المختفين قسرا ومجهولي المصير.
– تحسيس الفاعلين الحقوقيين والسياسيين على الصعيدين الوطني والدولي بضرورة إعطاء نفس جديد لصيرورة الحقيقة والإنصاف في المغرب.
– النضال من أجل تغيير موازين القوى لصالح الصف الديمقراطي التقدمي كون ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مرتبط بمدى تحقيق الديمقراطية الحقيقية ببلدنا،
– الإسراع بعقد المناظرة الوطنية الثانية حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان
– استنفاذ شروط المصادقة على بقية مقتضيات الاتفاقية الدولية حول الاختفاء القسري.
– الكشف عن الحقيقة الكاملة لجميع حالات الاختفاء القسري بالمغرب وكل الحيثيات السياسية والأمنية التي أدت إلى هذه الجرائم وتوضيح جميع ملابساتها وإطلاق سراح الأحياء منهم.
– ملائمة التشريع الجنائي الوطني مع مقتضيات الآليات الدولية المجَرِّمة للاختفاء.
– الحفاظ الايجابي على ذاكرة الاختفاء القسري من خلال التحفظ على مراكز الاعتقال والمدافن الفردية والجماعية
– العمل على جبر الضرر الفردي والجماعي بالشكل الذي يمكن الضحايا وذوي الحقوق من العيش بكرامة وإعادة الاعتبار إليهم.
– تمكين الضحايا وذوي الحقوق وكافة المهتمين من الإطلاع على الأرشيف.

  • عبد الحق الوسولي منسق لجنة التنسيق لعائلات المختطفين مجهولي المصير وضحايا الاختفاء القسري بالمغرب