من وحي الأحداث

 التيتي الحبيب


حوار الشعوب كحركة الصفائح التكتونية

الصفائح التكتونية هي القشرة الخارجية للأرض ومنها ما يحمل القارات أو جزء منها. هذه الصفائح باعتبارها إحدى مكونات القشرة الأرضية فإنها توجد في حركة دائمة، وهذا ما يفسر ما يراقبه العلماء من تقارب أو تباعد أو حتى اصطدام القارات أو الجزر.
على هذه الشاكلة أيضا نرصد تفاعل الشعوب فيما بينها. لقد عاشت هذه الشعوب منذ زمن بعيد، التفاعل والتأثر والتأثير بفضل ما حصل من أشكال وطرق التواصل بين هذه الشعوب. لقد ساهم في هذا التواصل الحاجة للتبادل التجاري والمالي وبشكل عام تنمية تبادل المصالح؛ فنشأت حركة السفر والرحلات وانتقلت الأفكار بين الشعوب والأمم. بلغ حجم هذه المبادلات مستوى متقدما إلى حد ظهرت معه النظريات والعلوم الخاصة بهذا المجال.
مع سيادة وهيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي، أصبح من حتميات التطور أن ظهرت نزعة العولمة. بموجب هذه النزعة أصبح العالم تقريبا في قبضة كمشة من الشركات العابرة للقارات؛ هي من تخطط، وهي من تحدد نمط العيش ومستوى توزيع الثروة هنا أو هناك. ومع هذه العولمة تقوت وسائل التواصل بين القارات فأصبح العالم شبه قرية، الجميع يعرف ما يقع في ربوع القرية ويتفاعل مع الأحداث.
إننا اليوم في المغرب نتابع عن كثب، ما يقع في قلب باريس، وفي كل نقاط الحركة الاجتماعية التي فجرها أصحاب “السترات الصفراء” وهي الحركة الاحتجاجية التي لها من السمات الكثير مما عرفناه بدورنا في المغرب أو تونس أو مصر أو أوكرانيا أو جنوب إفريقيا. نتابع ما يجري ونعقد المقارنات بين ما يقوم به المحتجون وأشكال حركتهم، ومواقف القوى السياسية والنقابية يمينية كانت أو يسارية، كما نتابع ما تقوم به الحكومة الفرنسية وأجهزة الدولة. من خلال هذه المتابعة تتعرف الشعوب على بعضها البعض تقارن بين تجاربها وما يقوم به الآخر، تعرف كيف استطاع الانتصار أو كيف حصل له الانكسار. في الماضي كانت الدول هي وحدها من يستطيع أن يتبادل التجارب والتقارير فيما بين أجهزتها، فتعمم الدروس وتحقق التراكم في سياسة التغلب على حركات الشعوب؛ بينما كانت الشعوب لا تحصل على دروس وخبرات بعضها البعض إلا بعد فترة طويلة نسبيا، وبعد أن تنجز الدراسات والكتابات من طرف المفكرين والمنظرين. أما اليوم، فقد أصبحت الاحتجاجات تنقل على المباشر وبشكل متواتر وعبر منابر مختلفة. كل هذا الزخم الإعلامي أصبح يتيح المتابعة والتحليل وتكوين الفكرة بشكل سريع، وهذا ما يسمح باندلاع حركات احتجاجية مساندة أو داعمة في بلد واحد أو عدة بلدان؛ إنها حركات عميقة تكون مرة خفية ومرات ظاهرة تماما كحركات الصفائح التكتونية.
نتمنى للحركة الاجتماعية الجارية بفرنسا النجاح وتحقيق المطالب المستعجلة، وهذا سيشجع الشعب الفرنسي على مواصلة النضال والصراع حتى هزم الرأسمال وبناء المجتمع الاشتراكي باعتباره الحل الأنجع والتاريخي لمختلف أزمات وويلات الرأسمالية المتعفنة. إن هذا الانتصار سيكون له لا محالة، بالغ الأثر على شعوب منطقتنا بحكم روابط الجوار والتاريخ المشترك.

العدد 289 من جريدة النهج الديمقراطي،