افتتاحية:

مغرب الحركات الاحتجاجية ومهامنا


تعرف العديد من مناطق العالم وضمنها المغرب انفجار حركات احتجاجية على شكل غليان او انتفاضة او وقفة أو حركة محدودة، لكنها وبفعل توفر عناصر معينة جوهرية تتحول الى حركات اجتماعية. وهذه الحركات الاجتماعية هي اليوم أحد تعبيرات الصراع الطبقي. كل تلك الحركات الاجتماعية تشترك في نفس الملامح او الصفات لكنها تتخذ مظاهر وأشكالا مختلفة حسب الخصوصيات المحلية هنا او هناك.
ولتعريف الحركات الاجتماعية نقترح الاهتمام بالعناصر الوظيفية التي تجعل من أية حركة احتجاجية، حركة اجتماعية وفي هذا الصدد يمكننا سرد ثلاثة عناصر وهي:
1- صياغة الملف المطلبي وترتيب المطالب الذي سيتم توجيهه للجهات المسؤولة أو المعنية.
2- توفير تصور عملي لكيفية خوض النضال أخذا بعين الاعتبار الاستعدادات الحقيقية للجماهير الحاضرة والمكونة للحركة الاحتجاجية، ويمكن أن تكون من أشكال العمل السياسي التالية: خلق جمعيات ذات أهداف خاصة، عقد لقاءات خاصة أو لقاءات عامة، تنظيم مواكب مهيبة، اعتصامات، مسيرات، مظاهرات، حملات مناشدة، إصدار بيانات في الاعلام العام، مطويات أو كراسات سياسية.
3- العنصر الأخير فهو الذي يتعلق بعناصر تحصين الحركة وتمتينها وخلق آليات اللحمة لضمان استمرارها مثل الاعتزاز بالانتماء للحركة، تقوية الوحدة، تحقيق الحضور الكثيف والوازن، تقوية التزام قادة الحركة تجاه بعضهم البعض وتجاه الحركة/ والتزام كل أعضاء الحركة تجاه القادة؛ وهو ما يقوم به اليوم الساهرون على تنظيم الحركات الاجتماعية لما يقومون بتأدية القسم او ارتداء السترات الصفراء أو غيره من تعبيرات الالتزام والتآزر وعدم التفريط في الحركة الاجتماعية.
أظهرت الحراكات الشعبية بالمغرب سواء حراك الريف او حراك جرادة أو زاكورة أو حركة مقاطعة المواد الاستهلاكية أو حركة اولتراس الرجاء… انها قادرة على تحقيق أهم متطلبات العناصر الوظيفية الثلاثة التي ذكرناها اعلاه.
لكن الامر الاهم هنا هو ما هي النتيجة القصوى التي يمكن لهذه الحركات تحقيقها؟ في تجربتنا الملموسة بالمغرب نجد أن هذه الحركات الاجتماعية بعد ان حققت نوعا من الزخم ومن التجربة الميدانية في التنظيم الذاتي وحشد القوى الشعبية وتوحيد الرأي حول الملفات المطلبية؛ فإنها تعرضت إلى قمع رهيب استهدف النشطاء والقادة الميدانيين وزج بهم في السجن وأظهرت الدولة وجهها الحقيقي في تطبيق الحل القمعي ازاء اي محاولة لاستعادة المبادرة من طرف مكونات الحراك الشعبي. نجحت هذه المقاربة في قمع حراك الريف وجرادة. هذه الحقيقة تضعنا امام العطب الكبير الذي تشكو منه هذه الحركات الاجتماعية وهو عطب يمس نقطة قوتها التي تتحول في النهاية وأمام الامتحان الى نقطة ضعف. نقطة القوة هذه هي الرغبة الكبيرة في الاستقلال عن اي تنظيم سياسي او إطار يقود ويهيكل الحراكات. إن الخلفية لهذه الرغبة تكمن في درس استخلصته الجماهير عبر تجربتها المريرة لما تلاعبت الاحزاب والتنظيمات السياسية او المدنية بأصواتها واستعملت الجماهير كمطية في اغراض حزبية ضيقة لا علاقة للجماهير بها. ولعب المخزن دورا كبيرا في تمييع الحياة السياسية والحزبية واستهدف النيل من مصداقيتها حتى نفرت الجماهير من السياسية والأحزاب. في تقديرنا نعتبر أن الجماهير الشعبية المناضلة والمنخرطة في الحراكات الشعبية وبعد هزائم تجاربها الملموسة، ستكون مستعدة لإعادة التقييم والتقدير واستيعاب مكامن خطأ تجربتها وتصحيح ذلك.
إن أحد أهم المداخل لإجراء التقييم واستيعاب الدرس هو اهتمام القوى المناضلة بهذه الحراكات الشعبية والانخراط فيها من الداخل ومعايشة كل هذه التجربة بفشلاتها ونجاحاتها.إن ذلك هو ما سيساعدنا على توصيل تقييمنا للمعنيين بالأمر، لأنهم سيعتبروننا أيضا معنيين بالفشل ومسؤولين عنه مثلهم وسيسمعون الرأي والانتقاد والنقد الذاتي. ولا بد ايضا من فتح النقاش والتواصل مع النشطاء والمعتقلين لأنهم هم الأكثر استعداد للتقييم، ولهم رغبة أكيدة في فهم نقاط ضعف ادائهم ونقاط قوتهم. ومن خلال كل هذا على القوى المنظمة ان تقنع الجماهير بأن للتنظيم المناضل دور أساسي وله مسؤولية كبرى في تحصين الحراكات وتقويتها وله أيضا دور في اقتراح أفق لهذه الحراكات التي تقع في البلاد، لكي تتوجه إلى أهم القضايا والى الامساك بالحلقة المركزية في الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتي متى تم التوجه لها وتفكيكها تسهل مهمة النضال وتحقيق المكتسبات في مختلف المجالات التي تعرف حراكات احتجاجية أو حراكات شعبية.
فإذا كانت الحراكات الاجتماعية توفر أسس الجبهات الافقية للنضال المشترك لمختلف الطبقات والفئات الاجتماعية المتضررة، فإن القوى السياسية وخاصة تلك التي تمثل مصالح الطبقة العاملة وعموم الكادحون فإنها تجلب معها حشدا طبقيا مهما جدا محملا بمشروع مجتمعي يجيب على تناقضات اليوم ومستوعب لدروس الامس ومحمل بآمال ومشروع الغد.هكذا تصبح الحراكات الشعبية مدعمة بفكر ورصيد ومشروع.
تجربة سنة 2018 ومن خلال قراءتها الموضوعية والجريئة تجعلنا نعترف بأننا مقصرين الى حد كبير ولم نكن في مستوى متطلبات هذه الحراكات الشعبية ولا في مستوى الاستعدادات الهائلة للنضال. حتى تحصين الحراكات كنا متخلفين فيه الى حد كبير مما شجع الدولة على المضي في مقاربتها القمعية والبوليسية والتنكيل بالمناضلين لأنها تعتقد انها استفردت بهم وهي قادرة على قتل روح المقاومة فيهم.علينا اذا النهوض الى مهامنا وواجباتنا بجرأة وعزم وعلى رأسها مهمة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة والذي سيعطى الدفعة القوية والاستراتيجية للصراع الطبقي ببلادنا. هذا هو ما استخلصناه في النهج الديمقراطي ونقوم به ونحن مقتنعون بالذهاب به إلى منتهاه إي تحقيق الخطوات الحاسمة في عملية البناء السياسي والفكري والتنظيمي لحزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين، وبارتباط وثيق بالعمل النضالي في كافة الواجهات للصراع الطبقي.

صدور العدد 291 من جريدة النهج الديمقراطي