من وحي الأحداث

 التيتي الحبيب


  ENFUMAGE

دخلت هذه الكلمة قاموس الخطاب السياسي والنقاش الذي يخوضه المواطنات والمواطنون الفرنسيون المشاركون في انتفاضة السترات الصفراء.

استعملوا هذه الكلمة في الرد على خطابات الوزير الأول ورئيس الدولة كلما توجهوا بالكلام الى الرأي العام الفرنسي. إنها باتت حكم قيمة على مجمل السياسات التي تقدم عليها الدولة للتعامل مع مطالب الحركة الاجتماعية الجديدة. فهي تعني ان المسؤولين يريدون تلهية المحتجين عن القضايا العميقة ولذلك ينفثون الدخان.

في المدة الاخيرة ومع توالي تطور الاحداث اصبح يكفي ان يصف المحتجون  اي خطاب بكونه ينفث الدخان لكي يبطل تأثيره وتتصاعد المطالب لتدخل الحركة الاجتماعية الى مرحلة جديدة. هكذا وعندما يصدر حكم الحركة الاجتماعية على خطاب الدولة بأنه نفث للدخان، يظهر ويتضح ان ممثليها سواء في شخص الوزير الأول أو حتى الرئيس لم يعد بمستطاعهم اقناع الجماهير. هذا يعني ان الازمة السياسية تكبر وهي تتدحرج نحو مآلات ومخرجات جديدة.

بالمغرب وهذا يهمنا كثيرا ان نسال هل لجأت الدولة الى سياسة نفث الدخان؟ بكل تأكيد لم تفعل إلا نفث الدخان. وها كم بعض عيناته:

+ اقتراح لجنة صياغة دستور 2011 وما ترتب عنها من مسودة وما تلاها من استفتاء وإقرار لوثيقة دستورية هي اليوم مجرد قوقعة فارغة.

+ حوار اجتماعي توج بإتفاق 26 ابريل مع النقابات التي قبلت الالتزام بالسلم الاجتماعي وهي مستمرة في احترامه رغم اخلال الدولة بالتزاماتها اللفظية.

+ الاقرار بفشل النموذج التنموي وخطاب ربط المسؤولية بالمحاسبة

+ اعفاء الوزراء والمسؤولين الكبار كلما ظهرت او تفاقمت ازمة سياسية او فضيحة اجتماعية.

والأمثلة كثيرة وعديدة لكن السؤال الذي لا يمكن التغافل عن طرحه هو:

لماذا هناك بفرنسا يتم رفض نفث الدخان فورا من طرف الجمهور والقوى السياسية المعارضة، بينما هنا تجد سياسة نفث الدخان من يقبلها او من يسوغها اتتحول الى ممارسة عادية ودائمة الى حد انها اصبحت اسلوب حكم وتسيير الدولة؟

الجواب عن هذا السؤال يطرح على الجميع. إن دور الدولة بما فيه أحزابها المخزنية والممخزنة هو نفث الدخان بينما واجب المواطنين والمواطنات المتضررين من هذه السياسة المزيفة هو أن ينتبهوا لها، ثم يرفضوها ليواجهوها بحزم وشراسة. كما انه من واجب القوى المناضلة ان تتصدر مواجهة هذه السياسة وتعطي المثال في الحزم واليقظة وان تقبل ببدل التضحية اللازمة لفضح هذه السياسة وإرشاد الشعب حتى يتعرف عليها جيدا. حينها بكل تاكيد سنصل الى تسفيه كل خطاب مخادع بمجرد نعته بنفث الدخان كما اصبح يتعامل به الرأي العام الفرنسي ذي التقاليد العريقة في خوض الصراع الطبقي.