افتتاحية:

بوادر نهوض الطبقة العاملة يلهم القوى الاشتراكية المكافحة


انتهت مأساة وآثار سقوط جدار برلين والتي اعتبرها منظرو وفلاسفة البرجوازية نهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية واندحار التجربة الاشتراكية. فوكوياما يراجع موقفه وأحكامه ويدخل عليها التعديلات بما يناسب تطور الأوضاع على الأرض. لم تنتصر الرأسمالية كما طبل إلى ذلك الكثير بل دخلت في أقوى أزماتها منذ 2008 وهي اليوم تتعفن بما يشير إلى صدق وسدادة الأحكام التي توصل لها الفكر الاشتراكي العلمي المناضل الذي أسس له ماركس وانجلس وطوره لينين والعديد من القادة الماركسيين. إن الرأسمالية إلى زوال وهذه الحقيقة اليوم تتأكد بما يعني أن واجب القضاء والإطاحة بها أصبح شرطا ضروريا من أجل إنقاذ البشرية من الدمار وهو الاحتمال الثاني من بين الاحتمالين الاثنين: يا فناء الرأسمالية، يا فناء البشرية. أن يطاح بالرأسمالية معناه بناء نظام اقتصادي واجتماعي جديد أكثر عدلا وحرية وحفاظا على الإنسان والحياة في كوكب الأرض.
إذا وضعنا هذه الفرضية على المحك؛ فهل هناك من مؤشرات تدل على أن الوجهة هي التخلص من الرأسمالية أم بالعكس هي وجهة تغول الرأسمالية وانتصارها التام؟ ما توفر من معطيات موضوعية يسعفنا في القول بأن الوجهة هي انحصار النظام الرأسمالي وتطور بوادر البديل التاريخي. وهذه هي أهم الحجج أو المعطيات الموضوعية كما استطعنا حصرها في:
1- وصلت قوى الإنتاج في ظل الرأسمالية مستوى لم يعد لها إمكانية تخطيه أو تحقيق المزيد من التطور النوعي ما لم تتخلص من العراقيل والكوابح القانونية والحقوقية وعادات وتقاليد المجتمع في الحياة المادية والروحية وفي طرق التوزيع للثروة والتبذير الغير منتج والطفيلية. إن علاقات الإنتاج باتت اليوم عرقلة أمام تطور قوى الإنتاج.
2- تفاقم التناقضات البينية في المنظومة الامبريالية واتجاهها إلى فرض قطبية متعددة وهذا ما يعيد فعليا إلى الواجهة، النزاع على اقتسام العالم بما يذكي الحروب والصناعات الحربية.
3- بعد مرحلة حروب الاستقلال ومعارك التحرر من القبضة الامبريالية المباشرة، وهي مرحلة انتهت في الغالب إلى قيام دول خضعت إلى الاستعمار الغير مباشر، ومحكومة من طرف أنظمة عميلة للشركات الامبريالية المتعددة الاستيطان والحاملة للمشروع الاستعماري القديم. انتهت تلك المرحلة وانقشع معها غبار الأوهام التي سلطت على الشعوب بمناسبة الاستقلالات المغشوشة. بعد كل ذلك بدأت مرحلة جديدة اتسمت برفض التبعية والاستبداد والنهب، وانفجرت حركة نضالية جديدة اتخذت طابع الحركات الاجتماعية.
4- دشنت هذه الحراكات الاجتماعية سيرورة من الانتفاضات القوية أزاحت في خضمها رؤوس أنظمة واهتزت قاعدتها الطبقية، دون أن تسقط أو يتم اجتثاثها. مما أجبر الجبهة الرجعية بدعم من الامبريالية على إعادة ترميم صفوفها وتنظيم أدوات دفاعها. إن اللحظة اليوم هي بداية الهجوم المضاد من طرف قوى التغيير والدفاع المنظم من طرف الأنظمة الرجعية والدول الامبريالية. إنها لحظة تختبر فيها الشعوب قوتها وتتلمس طريق التغيير وتشحذ أسلحته. لذا نعتبر أن المهم في هذه اللحظة هو انتشار الموجة الثورية عبر العديد من البلدان وفي جميع القارات.
5- مكنت هذه الحراكات الشعبية من تفجير مراحل من السيرورة الثورية واختبرت عبرها الجماهير والشعوب العديد من المشاريع السياسية والفكرية من شاكلة الشعبوية اليسارية أو اليمينية أو الإسلام السياسي؛ واتضح من خلال هذه التجربة أن تلك المشاريع ليست إلا نوعا من التجديد في نفس الهيمنة الطبقية، إنها مشاريع استبدادية مخادعة وجزء من الثورة المضادة. لقد تمكنت هذه الشعوب من الوقوف عبر تجربتها على الحقيقة الرجعية لتلك المشاريع السياسية وفي وقت وجيز.
6- على قاعدة هذه الخبرة العملية للشعوب وحكمها بالإفلاس على المشاريع التي كانت تقدم نظريا كبدائل؛ عاد الوهج من جديد للفكر الماركسي، وعادت الحاجة الماسة لدروس التجربة الشيوعية في الثورة و دروس بناء الاشتراكية عبر اعتماد المكتسبات والإيجابيات ونقذ السلبيات وفهم أسبابها. لقد خلقت هذه التطورات والمستجدات شروطا عظيمة من أجل تطوير الفكر الماركسي والتقدم في توضيح المشروع الاشتراكي باعتباره البديل الوحيد لحتمية دمار البشرية من طرف الرأسمالية إن هي استفردت بالعالم وأخضعته لمشيئتها المتوحشة.
7- في ظل هذا النهوض الشعبي، وهذا الإقبال على الفكر الاشتراكي العلمي أخذت الأنوية الشيوعية أو طلائع النضال الملتحمة بمصالح الطبقة العاملة تعمل جديا من أجل بناء الأحزاب المستقلة للطبقة العاملة. هذه ميزة نرصدها في العديد من البلدان التي عاشت أو تعيش فصول السيرورات الثورية، سواء ببلدان المغرب الكبير أو في إفريقيا أو أمريكا الجنوبية وحتى في دور أوروبا حيث يتم القطع مع الأحزاب الشيوعية التحريفية أو أحزاب الاشتراكية الديمقراطية التي اندمجت مع النظام الرأسمالي السائد.
كل هذه المعطيات والتطورات تسمح لنا بالقول بدون أن نجانب الحقيقة والصواب، بأن الرأسمالية في مرحلة احتضار على الصعيد العالمي وبوادر البديل تلوح في الأفق، إنها تتبلور هنا أو هناك حسب المعطيات الملموسة لكل شعب وبلد. طبعا يعلم الماركسيون بأن هذا الوضع العالمي يفرض أيضا بناء جبهة عالمية واسعة لمناهضة الامبريالية والرجعية ومساندة نضالات الشعوب، وفي قلب هذه الجبهة العالمية الواسعة لا بد للشيوعيين من بناء أداتهم الأممية من أجل توحيد نضالات الطبقة العاملة ضد الامبريالية؛ وهذا شرط موضوعي لا بد منه من أجل إنجاح الثورة الاشتراكية على صعيد البلد الذي نضجت شروطها فيه، وتوسيع هذه الشروط لتندلع الثورة في باقي الجهات من أجل القضاء النهائي على الرأسمالية وتخليص البشرية من شرورها.


صدور العدد الجديد 292 من جريدة النهج الديمقراطي