عبد الله الحريف
أدوات الصراع الطبقي(الحزب،الجبهة والنقابة) والحركات الشعبية المتعددة: تناقض وتكامل

يخترق اليسار اليوم تصوران نقيضان أساسيان:
-تصور أدى إلى التراجع عن مفهوم الصراع الطبقي وعن الدور الأساسي للطبقة العاملة في التغيير في ظل سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي، وذلك لفائدة الحركات الاجتماعية المتعددة( حركات النساء، حركة الشعوب الأصلية أو الأقليات الإثنية وغيرها من الحركات التي تدافع عن مطالب فئوية أو عن مطالب مجموعات معينة) أو تواجه التهميش الذي تعاني منه مناطق كثيرة ومتزايدة. هذا التصور الذي يعتبر أن تطور المجتمعات يخضع للصدف الناتجة عن الصراعات التي تخوضها هذه الحركات المتعددة والمشتتة وليس لقوانين موضوعية( الانتقال من نمط إنتاج معين إلى نمط إنتاج أرقى) أكيد أنها لا تسير في خط مستقيم بل تشق طريقها من خلال العديد من الصدف. إن هذا التصور يقبل بالرأسمالية كأفق وخيار وحيدين. هذا التصور نظر له كل من إرنيسطو لاكلو وشنطال موف ويشكل المرجعية الفكرية لبعض القوى اليسارية في أمريكا اللاتينية وأيضا حركة بوديموس.
إن هذا التصور يتجاهل دور الرأسمالية في مرحلتها الحالية في بروز هذه الحركات وتهيكلها من خلال إضعاف الدور الاجتماعي للدول لفائدة تضخم دورها القمعي، خاصة في دول المحيط الرأسمالي. كما يتجاهل مسئولية الرأسمالية في تهميش مناطق متعددة وشاسعة من خلال تمركز النشاط الاقتصادي والثروة في بضع متروبولات ومدن كبيرة بالأساس، وخاصة في دول المركز الرأسمالي.
الشيء الذي يجعل الناس، لحماية أنفسهم من همجية الرأسمالية، ينطوون على هوية خاصة، إما مرتبطة بالبنية الفوقية( الدين، الهوية الإثنية…) أو بفئة معينة أو منطقة مهمشة، وذلك على حساب هويتهم كمواطني ومواطنات دولة معينة.
-تصور يتشبث بالصراع الطبقي ودور الطبقة العاملة المركزي وضرورة النضال من أجل القضاء على الرأسمالية باعتبارها المسئولة عن الكوارث التي تعاني منها البشرية. ولذلك فهو قد يذهب، في الحالات القصوى، إلى اعتبار أن أدوات النضال الوحيدة هي الأدوات الطبقية( الحزب، الجبهة والنقابة). أما في أغلب الحالات، فإن هذا التصور يبخس دور الحركات الاجتماعية المتعددة والمشتتة الذي يحصر المتبنين له علاقتهم بها في التضامن معها من خارجها وليس الانخراط فيها، وذلك لأنهم لا يعون أنها، في العمق، تعبيرات موضوعية وغير عابرة عن مقاومة العولمة الرأسمالية أو، وهذا هو الأخطر، هناك من يعتبرها، لكون الرأسمالية تستعملها لإضعاف الدول وتفتيتها، حركات رجعية بل حتى أنها من صنع الامبريالية في إطار نظرية المؤامرة. إن هذا التصور يجعل اليسار عاجزا على فهم بعض الظواهر كتراجع العمل النقابي والانتماء الحزبي. ففي ظل انتشار الهشاشة وسط الطبقة العاملة والشغيلة وصعوبة العمل النقابي وخطورته بسبب العولمة الرأسمالية وتطبيق السياسات النيولبرالية، لا غرابة أن يبحث العامل والأجير بشكل عام على فضاء آخر يظن أنه سيوفر له الحماية والتضامن الذي هو في الحاجة إليه. أما الانتماء الحزبي، فإنه يعني الاقتناع بمشروع ذو بعد وطني إن لم يكن إقليمي أو عالمي. ولذلك نرى أعضاء وعضوات هذه الحركات بسبب انغلاقهم على هوية أو فئة أو منطقة معينة، في العديد من الأحيان، يتحفظون عن الانتماء الحزبي أن لم يكن يحاربونه أو يطرحون بناء قوى سياسية على أساس هوياتي.
إن ما سبق لا يعني بتاتا أن أدوات النضال الطبقي( الحزب والجبهة والنقابة) أصبحت متجاوزة.ولعل السيرورات الثورية في العالم العربي تبين، في نجاحاتها ومآزقها، ضعف أدوات الصراع الطبقي وضعف تمفصلها العضوي مع الحركات الاحتجاجية الشعبية. فهذه الأخيرة وليس الطبقة العاملة هي من كان المبادر لإطلاق السيرورات الثورية. لكن الحاسم كان هو تدخل الطبقة العاملة، إما بواسطة المركزية النقابية في حالة تونس، أو تجاوزا للنقابات كما وقع في مصر. وسهل ضعف أو غياب الأداة السياسية للطبقة العاملة وعموم الكادحين هجوم القوى المضادة للثورة وعرقلتها لإنجاز مهام الثورة.
ما العمل إذن، بالنسبة لليسار الماركسي المتشبث بالصراع الطبقي والدور المركزي للطبقة العاملة والكادحين في التغيير، لجعل هذه الحركات تصب في الصراع الطبقي عوض عرقلته؟
لقد بلورت منظمة “إلى الأمام” رؤية للمناطق التي حافظت على هويتها الخاصة( الريف، سوس، زيان-زمور) حيث اعتبرت أن الصراع الطبقي في هذه المناطق يتمظهر في شكل صراع من أجل الهوية وطرحت حلا لهذه المناطق قد يضمن ازدهارها. وطور النهج الديمقراطي هذا التصور من خلال طرح بناء المغرب كدولة فيدرالية ديمقراطية.
كما تنبه النهج الديمقراطي، منذ نشأته، إلى الأهمية القصوى لهذه الحركات من خلال اعتباره سيرورة بناء التنظيمات الذاتية المستقلة للجماهير الشعبية، وخاصة الكادحة، كإحدى السيرورات التي يشتغل عليها وفي ترابط وتمفصل وثيق مع سيرورتي بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين وبناء جبهة الطبقات الشعبية. إن هذا التمفصل يتم بواسطة:
-الانخراط القوي والفاعل لليساريين واليساريات في هذه الحركات الشعبية التي ترفع مطالب عادلة و مشروعة. هذا الانخراط الذي لا يجب أن يهدف إلى التحكم في هذه الحركات، بل مساعدتها على بناء أجهزتها الخاصة والمستقلة وتحصينها ضد تدخل المخزن والقوى الموالية له وأيضا القوى التي تهدف إلى استعمالها مطية لتحقيق مصالح حزبية ضيقة. هذا الانخراط الذي يجب أن يركز على سيادة الكادحين وسطها.
-على قاعدة هذا الانخراط وانطلاقا من الممارسة الملموسة داخل هذه الحركات ومن كون مطالبها ستصطدم بمصالح المخزن والكتلة الطبقية السائدة والإمبريالية، السعي إلى تطوير الوعي داخلها بأن مطالبها لن تتحقق بالانغلاق على نفسها بل بالانفتاح على النضال العام ضد القوى المسئولة ليس فقط على اضطهادها الهوياتي أو الفئوي، بل أيضا على الاستغلال البشع لأغلبية أعضائها باعتبارهم عمال وكادحين. كما من الأهمية بمكان طرح بديل واقعي للوضع القائم يسمح ليس فقط بتحقيق مطالب هوياتية أو فئوية أو تهم هذه المنطقة أوتلك، بل كمشروع ذي بعد وطني وحتى إقليمي. هذا المشروع الذي سيكون حصيلة حوار وطني عمومي بين كل القوى الحية في البلاد.
-ولمعالجة تحفظ أو امتناع العديد من أعضاء هذه الحركات الشعبية عن الانتماء الحزبي، لا مفر، بالنسبة لليسار، من إبداع أشكال مرنة للعلاقة مع مناضلات ومناضلي هذه الحركات.
عبد الله الحريف، في 15/08/2017