قراءة في كتاب : “كليبان والساحرة” لمؤلفته الإيطالية سيلفا فرد ريس

ترجم هذا الكتاب من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الفرنسية سنة 2014، ارتأينا تقديم بضعة أفكار حوله لسببين وجيهين: لأنه أضاف شيئا جديدا للتحليل الماركسي بخصوص الجدور التاريخية لاضطهاد المرأة ،كما ساهم في إزاحة اللثام، عن إحدى الإشكاليات المتعلقة بمفهوم إعادة الإنتاج الاجتماعي والبيولوجي لقوة العمل ،التي كانت محط جدال تاريخي طويل في الأوساط الماركسية، وبشكل أخص داخل الحركات النسائية الاشتراكية.
تنطلق الباحثة الماركسية من دحض مسلمة “أن تاريخ البشرية هو تاريخ الصراع الطبقي” المعبر عنه في عموميته في “البيان الشيوعي” لكارل ماركس وانجلز، ولكن أيضا وبشكل سابق عنه،هو تاريخ الصراع بين المرأة والرجل .
كما أنه ليس كافيا القول، بأن الرأسمالية تستغل فقط قوة العمل، لما تكون في المعمل أو في مجالات “العمل” الموازية (خدماتية، إدارية ومهنية)،
بل أيضا العمل غير المؤدى عنه، وغير المعترف به، والمضمون من طرف النساء، عن طريق الأعمال المنزلية وإعادة الإنتاج مضيفة أن
“العمل المنزلي ومجموع الأعمال المعقدة التي من خلالها يتم إعادة انتاج الحياة، تشكل في الواقع عملا أساسيا في التنظيم الرأسمالي للإنتاج .هذا لا ينتج فقط تحضير وجبات الأكل وتنظيف الثياب وتربية الأطفال،ولكن هذا يعيد بشكل أساسي انتاج قوة العمل بالضبط يعتبر هذا العمل أكثر إنتاجية ومر دودية في قلب الرأسمالية، إذ يستحيل وجود شكل من الإنتاج بدون هذا العمل.
لقد حاولت تحليل العمل المنزلي، نظريا وتاريخيا، من وجهة نظرها “لم يعر ماركس اهتمامه، عندما تناول بالتحليل العوامل التي كانت وراء التراكم الرأسمالي البدائي للتاريخ الخاص باصطياد الساحرات، جرت حرب شرسة ضدهن، اعتقلن، عذبن ثم أحرقن في الساحات العمومية. ماركس لم يعالج نهائيا دور التشريعات ضد منع الحمل ومراقبة إعادة الإنتاج “البيولوجية” ولا التشريعات التي ظهرت نموذج جديد للعائلة، شكل جديد للعلاقات الاجتماعية الجنسية. هذه القواعد وضعت جسد النساء تحت مقصلة الدولة، فالذي تولد عن تطور الرأسمالية فرض سياسة أصبحت قائمة حول جسد النساء والإنجاب كخصائص نوعية للرأسمالية، حولت جسد النساء الى آلات لإنتاج العمال. هذا ما يفسر القوانين التي وضعت من اجل الحكم على النساء بالإعدام في حالة قيامتها بالإجهاض .تظهر الدولة كدولة في حرب ضد النساء، لتحطيم قوتها واختزالها في وضعية أجيرات مستعبدات غير مؤدى أجورهن.
حاولت أيضا من خلال هذا الكتاب إبراز أن ا لعمل المنزلي ليس إرثا ماضيا، حيث يتعلق الأمر بالقرون السابقة عن ولادة الرأسمالية، بل هو عمل نوعي تم صهره بالرأسمالية في إطار علاقات اجتماعية، أي في إطار شكل جديد من النشاط. لقد وضعت الأصبع على القرن السابع عشر، حيث تم إقصاء النساء من جميع الأعمال التي كانت خارج البيت. في الشرق الأوسط تم إلغاء”ليكو يلد” التي تعني منظمات شبيهة بالمنظمات النقابية الحديثة، وبشكل سريع أصبحن لا يمتهن سوى المهن المرتبطة بالعمل البيتي: ممرضات-مربيات-أعمال الطهي والنظافة- مبيضات-،هكذا بدأت ترتسم أمام أعيننا التشكيلة الأكثر ملموسة، تحت أشكال تاريخية جد دقيقة طيلة قرون التراكم الرأسمالي البدائي أي قرون السابع عشر والثامن عشر والتسع عشر،لشكل جديد للمرأة العملة التي لوحظت أكثر فأكثر متخفية.
بالفعل هذا الشكل من بروز المرأة العاملة، هو جزء مرتبط بسلسلة التركيب التي أنتجت قوة العمل.
ماركس استحضر حقل إعادة الإنتاج لكنه حصره في حدود الإنتاج الاجتماعي ألبضائعي”، فإعادة قوة العمل تتطلب من أجل إنتاجها نفس الشروط التي تنتج أية سلعة، حيث تقاس بقيمة نقدية والتي تمثل كمية من العمل الاجتماعي المحقق فيها”. إن إعادة قوة العمل تقوم على أساس الأجر الذي يخول للعامل من شراء الغداء والملبس واستهلاك بضائع أخرى وهكذا يعيد نفسه ،حيث لا يوجد أثر لعمل آخر في المنتوج من خلال التشخيص المقدم من طرف ماركس .
في نفس السياق تفسر الباحثة هذا الإهمال لأسباب نظرية وتاريخية، بالقول:”يمكن إرجاع ذلك الى صعوبات التصنيف لشكل العمل الهارب من القياس الكمي لمدة العمل ولتثمينه نقدا لم تشجع ماركس لبلورة هذه المسألة. وبالعودة الى لحظات كتابة ماركس لكتاب “الرأسمال، أي في فترة ازدهار الإنتاج الصناعي ، الذي ضمن ولوج أفواجا كبيرة من النساء للعمل وخاصة النساء الشابات. في هذه الفترة كان عمل إعادة الإنتاج جد ضيق، ففي سنة 1870 اختزل هذا العمل الى الحد الأدنى بسبب الجهد “اللامحدود ليوم العمل” وبتكثيف الاستغلال الى حده الأقصى لخفض تكلفة انتاج اليد العاملة (انظر:فصل يوم العمل في كتاب “الرأسمال” وانظر أيضا الى كتاب أنجلز حول وضعية الطبقة العملة في انجلترا) يتحدث أنجلز في هذا الكتاب على أن معدل العمر لدى العاملات هو20 سنة .
إذن منذ ظهور الرأسمالية، برز عمل إعادة الإنتاج مساهما في التراكم الرأسمالي. ومنذ المرحلة المركنتيلية حتى نهاية القرن التاسع عشر أصبح العمل المنزلي يلعب دورا محركا في إعادة انتاج اليد العاملة المنظمة من قبل الرأسمال. وبذلك أصبح انتاج فائض القيمة يتم من خلال مجموع الأنشطة التي يقوم بها العامل المأجور، تعاد إنتاجها وتشكل جزءا مندمجا في هذه السلسلة من التركيب الاجتماعي: إنها لحظة سيرورة اجتماعية التي تحدد فائض القيمة، بالطبع لا يمكن إقامة علاقة مباشرة بين ما يجري في المطبخ والقيمة التي تنتجه من خلال نموذج بيع السيارة أو منتوج آخر، ولكن نحكم على السياق الاجتماعي لإنتاج القيمة. ويمكن القول أنه يوجد مصنع اجتماعي الذي هو أبعد بكثير من المصنع.
وانطلاقا من هذه القناعة قادت الحملة العالمية في كل من أوروبا وأمريكا اللاتينية، تحت شعار :”الحملة من أجل أجر للعمل المنزلي”، ذلك أن العنصر المحدد في هذه الحملة، تشرح سلفيا، ومتضمن في قوة توحيد النساء، انه يسمح في المقام الأول بإعادة انتاج الثروات وتوزيعها، ويمنح النساء سلطات تضع تبعيتهن للرجال في الميزان وبالتالي تغيير العلاقة بين النساء والرجال، ولكن أيضا أهمية هذه الحملة تنبع من سلطة التجميع عن طريق شعار محدد. هناك أقلية من النساء اللائي هن”رجال” في مختلف فضاءات الحياة العملية يراقبن الرأسمال وهن رأسماليات، بينما الأغلبية تجسد العمل البيتي الغير معترف به في الغالب تابعات للرجال سواء داخل البيت أو خارجه.
إن تدبير العمل المنزلي هو من اختصاص الدولة التي تعتبر المنظم الجماعي للرأسماليين، كما يجب أن نفهم أن أجر العمل البيتي، ليس أجرا بالنسبة للنساء في البيت، وليس أجرا للنساء. هذا المطلب يجب أن يكون أداة لمنع التمييز بخصوص العمل المنزلي. يمكن التفكير في عدة أشكال للاعتراف بالعمل المنزلي كتحديد أجر للمساعدة في اقتناء سكن أو توفير خدمات عمومية لتربية الأطفال ودراستهم للتحرر من الوقت والبحت عن عمل.

حسن الصيب