حسن الصعيب

في تحولات الطبقة العاملة وأدوار المثقفين الثوريين

“لقد جردت البرجوازية كل مهنة مشرفة ومحترمة،
في ذلك الوقت، من هالتها المقدسة وحولت الطبيب
والمحامي ورجل الدين والشاعر ورجل العلم إلى
عمال مأجورين لها”
البيان الشيوعي

 

تقديم
مع النمو الهائل لقوى الإنتاج وتنويع سيطرة مالكي الرأسمال على قوة العمل في المحيط كما في المركز، حدثت تحولات عميقة في تركيبة الطبقة العاملة وتنوع اقسامها، وأساليب نضالها، انعكست بالمثل على الأدوار التي اضطلع ويضطلع بها المثقفون الحاملون لمشروعها والمنخرطون في أشكال ملموسة للصراع الطبقي حسب الظرفيات السياسية والاقتصادية التي تحدد طرائق تفكيرهم واشتغالهم.
إن إدراك هذه العلاقة الجدلية تستلزم بالضرورة رسم الخريطة الطبوغرافية للطبقة العاملة خلال قرن ونصف وتحديد درجة اشتباكها مع مثقفين انتدبوا أنفسهم لخدمة مشروعها التاريخي وتلظوا بنار القلق الفكري لصياغة أجوبة ملموسة عن الرهانات السياسية والطموحات العميقة للطبقة العاملة في شرطها التاريخي.
الطبقة العاملة بين الأمس واليوم
عرف النصف الأول من القرن التاسع عشر نموا هائلا لقوى الإنتاج تجسد بالخصوص في تعميم الصناعة الكبيرة على مجموع بلدان أوربا وأمريكا والذي تعزز بتطور التجارة العالمية والملاحة البحرية ووسائل المواصلات كخطوط السكك الحديدية، فبرزت الطبقة العاملة كقوة صاعدة على المسرح الاجتماعي والسياسي في مواجهة برجوازية حديثة هي نفسها “نتاج طريق طويل من التطور، ومن سلسلة من الثورات في أشكال الإنتاج والتبادل”.
لقد أثنى ماركس وانجلز على الطبقة العاملة مزايا وخصائص لا تتوفر ولا تخص الطبقات الاجتماعية الأخرى, “فالبروليتاريا وحدها، من كل الطبقات التي تقف وجها لوجه مع البرجوازية اليوم، هي الطبقة الثورية فعلا، تتحلل الطبقات الأخرى وتختفي في النهاية أمام الصناعة الحديثة وطبقة العمال (البروليتاريا) هي حصيلتها. “ومع تطور الصناعة لا تزداد طبقة البروليتاريا في العدد فحسب بل تتركز في مجموعات اكبر، وتنمو قوتها، وتبدأ بالشعور بتلك القوة أكثر وتصبح المصالح المختلفة وظروف الحياة في صفوف البروليتاريا أكثر فأكثر تساويا”.
“وبالإجمال تعزز الصدامات بين الطبقات في المجتمع القديم نمو طبقة العمال بعدة طرق، وتجد الرأسمالية نفسها متورطة في معركة متواصلة، في البداية مع الارستقراطية تم فيما بعد مع تلك الشرائح البورجوازية نفسها، التي أصبحت مصالحها ضد تطور الصناعة ومع الرأسمالية في البلاد الأجنبية… وتجد نفسها في كل المعارك مجبرة على أن تعود إلى البروليتاريا لتطلب مساعدتها ولتجرها بذلك إلى الميدان السياسي، ولهذا السبب تزود البرجوازية البروليتاريا بعناصرها الذاتية من الثقافة العامة والثقافة السياسية وبعبارة أخرى تزود البروليتاريا بأسلحة لمحاربة البرجوازية”.
بتركيز شديد، يمكن اختصار مميزات وخصائص الطبقة العاملة خلال القرن التاسع عشر في: 1) هي الطبقة الثورية حتى النهاية لأنها تصنع الثروة في المجتمع بفضل فائض القيمة الذي تنزعه منها البرجوازية عبر استغلال قوة عملها.
2) تتكون من عدد كبير من السكان بما فيها الشرائح الصغيرة والمتوسطة من البرجوازية التي تتحول تدريجيا بسبب المنافسة مع رؤوس الأموال الكبيرة، إلى جزء من الطبقة العاملة، كما تشكل في مجموعات كبيرة حيث يتجمع العمال في مكان واحد، وتتوحد أساليب حياتها ووحدتها الاجتماعية من خلال وحدة سيرورة الإنتاج.
3) في إطار استقواء البرجوازية بالطبقة العاملة ضد الارستقراطية وبقايا البرجوازية التي ترفض التصنيع، تدفع البرجوازية الطبقة العاملة إلى التثقيف وامتلاك الأسلحة الإيديولوجية والسياسية لخوض الصراع الفكري والسياسي.
ارتبطت هذه الخصائص بالطور الأول من الرأسمالية حيث الإنتاج الصناعي والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الفردية والعائلية، هي المحدد الأساسي في التشكيلة الاجتماعية للقرن التاسع عشر، أما الطور الثاني والثالث من تطور النظام الرأسمالي أي في عهد الامبريالية والنيولبرالية، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى المرحلة الراهنة، فقد تبدلت أشكال الملكية الرأسمالية من الفردية إلى الجماعية انطلاقا من الملكية القائمة على شركات المساهمة التي تمثل درجة عالية من تركيز الرأسمال إلى سيطرة الاحتكارات المحلية والدولية واندماجها مع الدولة.
تعتمد هذه الرأسمالية الجديدة على استخدام نظام البنوك الاوفشور التي تتمتع داخل السوق المصرفية الوطنية بحرية كاملة في معاملاتها دون رقابة من السلطات النقدية الوطنية ويتم تدويل الرأسمال في مجالين: أ) الاستثمار الأجنبي المباشر أي حركة رأسمال للتصدير.
ب) حركة رأسمال للتمويل والإقراض.
لقد تحولت إلى رأسمالية احتكارية وخرجت تسعى وراء المستعمرات وأصبحت تعيش على الدخل المتزايد لديها ليس فقط من واقع الإنتاج بل من ريع الأوراق المالية والقروض العامة والخاصة.
أما الآليات العامة التي من خلالها يتم إدماج واستيعاب بلدان المحيط في النظام الرأسمالي المعاصر فهي:- الاستخدام الواسع لوسائل الإعلام والتسويق المعاصر لخلق نماذج جديدة للاستهلاك في مقدمتها السلع المعمرة.
– الاستثمار المباشر في قطاع إنتاج السلع الأولية للتصدير أو في قطاع السياحة أو في قطاع الصناعة التحويلية لأغراض التصدير أو لتلبية بعض الطلب الداخلي.
– الاستخدام الواسع للقروض والمساعدات لتحديث الهياكل الأساسية ومواجهة العجز في ميزان المدفوعات.
– استخدام المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير كأداة لتوجيه السياسيات الاقتصادية والمالية المحلية.
توجيه العلم والتكنولوجيا لتأكيد المركز المتفوق للشركات المتعدية الجنسيات وإحكام السيطرة على أسواق دول المحيط وتحديد توجهاتها في التنمية.
– الاستفادة والسيطرة على المعلومات ومصادرها لتأكيد سيطرة الشركات متعدية الجنسيات وفرض الخضوع لتوجهات السوق الرأسمالية العالمية.
– الاستخدام الواسع للمساعدات التدريبية والتعاون في مجال البحوث لتطوير وسائل الإدارة والتخطيط والمحاسبة وتطوير وتشغيل نظم المعلومات وتطويع نظم الأمن الوطني.
– استخدام الحاجة للتسليح ومبيعات السلاح والتدريب العسكري والمساعدات والمعدات العسكرية.
كما تسعى هذه الرأسمالية إلى فتح قنوات تعمل لإعادة توزيع الموارد المالية بين المحيط والمركز وتتمثل أساسا في حصيلة الأسهم وأرباحها، والسندات وفوائدها، والديون وأقساطها، كما تتمثل في دفع أسعار السلع المستوردة طبقا لاسعا التمويل فيما بين المشروع الأم وفروعه الخارجية وكذلك دفع أسعار مقابل استخدام التراخيص وبراءات الاختراع.
وباختصار شديد تعمل الرأسمالية في القرن التاسع عشر من خلال أسلوب للإنتاج حيث تتداخل المهام داخل المصنع بين أرباب العمل ومنظمين ومديرين ومهندسين ومخترعين وتكون حرية المنافسة بين الرأسماليين في كل فروع الإنتاج الصناعي. بينما الرأسمالية اليوم تعمل بأسلوب للإنتاج حيث انفصال مالكي وسائل الإنتاج عن هؤلاء المنظمين والقيام بهذه المهام عن طريق أطر تتقاضى أجورا مرتفعة جدا. وفي ظروف الاحتكار تحل السيطرة الاحتكارية محل المنافسة ومن ثمة يشمل ربح الاحتكارات علاوة على الربح المتوسط في السوق ربحا إضافيا تحصل عليه الاحتكارات بفضل سيطرتها، كما تقوم المشاريع المتخطية للجنسيات بتسخير انسب لظروف العمل من حيث الربحية عن طريق الاستفادة من تباين ما لدى كل بلد من قوة عمل وموارد اقتصادي ونظم قانونية وهي التي تصنع الأسعار التي تريدها لمنتجاتها وتجري التجديدات تحت ضغط تعظيم الأرباح وتستطيع أن تخفض إلى الحد الأقصى مدفوعاتها من الضرائب عن طريق التحكم في أسعار الصفقات فيما بين الفروع، كما تستطيع أن ترحل الأرباح من بلدان تتميز بأسعار ضريبية مرتفعة نسبيا إلى بلدان أسعارها الضريبية اقل.
كما تقوم هذه الرأسمالية الجديدة على توحيد السوق العالمية في السلع والمال والتكنولوجيا دون توحيد الظروف الاجتماعية للإنتاج أي إقصاء قوة العمل.
انعكست هذه التحولات الجديدة على أوضاع الطبقة العاملة من خلال إحلال المهنيين والعمال العلميين محل العمال اليدويين، وبحل الإنسان الآلي محل عدد من العمال أصحاب الياقات الزرقاء والبيضاء، فالمصانع الحديثة تتطلب كقاعدة عامة عمالا اقل مهارة واقل خبرة، فالمهارة العالية والخبرة الطويلة أصبحتا متضمنتين في الآلات الاوتومية وفي نظم الإنتاج المبرمجة.
إن الاوتوماتية الحديثة بإدماجها المراحل الإنتاجية للسلعة في سلسلة متصلة خاضعة للتحكم الآلي الذاتي تقلل من الحاجة إلى تجمع العمال في مكان واحد بل تغير من صورة قوة العمل التقليدية حيث كان العامل موصولا بدرجة أو بأخرى بالعمل. كما تستغني التكنولوجيا الحديثة عن العمالة الكثيفة التي تتطلبها الصناعة الآلية الكبيرة التي تعد مصدرا أساسيا للبطالة التي أصبحت هيكلية. فعدد العمال الصناعيين يتجه نحو الانخفاض، بينما تتزايد نسبة العمال الذين يمارسون العمل الذهني. وإذا كان الجهد البدني قد خف، ففي المقابل اشتدت معدلات العمل ورقابته واشتدت عزلة العاملين عن بعضهم البعض، وأصبح بوسع أرباب العمل تشديد الرقابة على العاملين وعلى سلوكهم. وإذا كان الروبوت لا يلغي العامل فانه من نواحي عديدة يحوله إلى روبوت بشري. وبفضل التطور التكنولوجي انخفضت ساعات العمل نتيجة أسباب عديدة وفي مقدمتها زيادة إنتاجية العمل، ففي عهد ماركس كان عمال باريس يعملون حوالي 4000 ساعة في السنة، أما اليوم ف 1800 ساعة سنويا.
ومن بين التطورات الحديثة على مستوى القوى المنتجة هو اتساع قطاع الخدمات على حساب القطاعات التقليدية وأصبح أكثر أهمية في عملية إعادة الإنتاج. وان الخدمات تلعب الآن دورا لم تكن تلعبه من قبل، فقطاعات خدماتية مثل صناعة المعلومات والمعرفة والتعليم والعلم والثقافة والخدمات العامة تتجاوز الآن معدلات نمو قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعة، وتتجه الخدمات لتحل محل المنتجات بوصفها القطاع القائد للثروة والشغل، وتصبح التجارة في المعلومات اكبر من التجارة في المنتجات والخامات.
فان مفهوم السلعة قد تغير إذ أصبح عمل الإنسان العقلي وليس العضلي هو السلعة الأساسية،
فازدياد نصيب القطاعات غير الإنتاجية مثل التجارة والمصاريف والتأمين والخدمات واستغلال العاملين مستقبلا في صناعة المعلومات والاتصالات ، يعني إلغاء مفهوم المصنع الذي كان يقوم على قاعدة الوحدات الثلاث : المكان والزمان والنشاط . إن الاقتصاد الرأسمالي يواجه الآن مسألة التحول بالكامل إلى نطاق الأتوماتية المرنة (حيز المكان ضيق ، إنتاج معدات و آلات موجهة لأصحاب الدخول العليا غير مقيدة بالزمان ) بالإضافة إلى الدور المتزايد للإدارة والكفاءة التنظيمية في تعظيم معدلات الربح .
وكخلاصة فإن الطبقة العاملة لا تختفي كما يشير الفكر الاقتصادي الساذج ، وإنما يتغير تركيبها وتتعقد بنيتها وتتطور طبيعة عملها وتتحول عقليتها وتتوسع صفوفها لكن تزيد الفوارق داخلها ويزيد من عدم تجانس فيما بينها.
ماركس مفكر العالم
خلال المسار التاريخي لتطور الفكر البشري تعتبر الإسهامات الفكرية والسياسية لماركس ثورة جديدة في العلوم الإنسانية ، وبالعودة إلى مسيرته الفكرية والسياسية والنضالية ، نعثر على مفكر بحجم العالم ، إذ استطاع من خلال تمثله النقدي للفلسفة السياسية الكلاسيكية و نظريات العقد الاجتماعي والاقتصاد الليبرالي والأدب الاشتراكي الطوباوي، ومن خلال مواكبته الدقيقة لمجريات الصراع الطبقي في أوروبا وأمريكا ، استطاع تأسيس نظرية جديدة حول المجتمع الحديث بإبراز التناقض ألتناحري بين الرأسمال والعمل كمحرك للصراع الطبقي و أن أسلوب الإنتاج هو الذي يحدد طبيعة المجتمع وطبيعة الدولة والأدوار المختلفة التي تضطلع بها الطبقات الاجتماعية في هرم تراتبية لنظام الرأسمالي و قانون القيمة الذي يسير بالتوازي مع صراع الطبقات والدور التاريخي المنوط بالطبقة العاملة لتحرير نفسها وكل المجتمع من عبودية الرأسمال وكل أشكال الاستغلال والاستلاب الذي يولدها .
ويعتبر كتابه “الرأسمال ” مأثرته التاريخية لكل العصور باعتباره السلاح المضاء في يد الطبقة العاملة ، لا يمكن الاستغناء عنه رغم التحولات الاقتصادية والسياسية التي استجدت خلال القرنين الماضيين و غيرت كثيرا من تركيبة الطبقات الاجتماعية و في مقدمتها الطبقة العاملة .
لم يتوقف عقل ماركس عند مستوى بناء النظرية كما فعل الفلاسفة والمفكرون الذين ألفوا مصنفات في الفلسفة والسياسة بل تجاوز ذلك إلى مستوى ربط الفكر بالممارسة وتأسيس ما يسمى “بفلسفة البراكسيس” لذلك لم يتردد يوما في ربط مصير حياته الشخصية و السياسية بمصير الطبقة العاملة وحركتها السياسية ، فساهم في خلق تنظيماتها الاجتماعية والسياسية ، بمعية رفيقه إنجلز في إطار “عصبة الشيوعيين” سنة 1847، تم في إطار تأسيس “الأممية الأولى ” سنة 1864″، ورغم التناقضات التي اخترقت هذه التنظيمات التي أفضت في النهاية إلى حلها ، ورغم فشل ثورات 1948 التي عمت أوروبا، كان في كل مرة إلى جانب عدد قليل من رفاقه الخلص وفي مقدمتهم إنجلز، ينهض مثل الفينق من الرماد، ليقيم مسار الحركة العمالية ومسار تطور الرأسمالية في ترابط جدلي ،ولاشك أن تقييمه لفشل ثورة 1948 في فرنسا و فشل ثورة ” كمونة باريس” سنة 1871 ونقده لبرنامج غوته في نفس التاريخ، كلها تعبر عن كفاءة نقدية هائلة ما تزال تسعف الأجيال الجديدة من الماركسيين لاستخلاص الدروس والعبر. ولعل تأسيس الأميمة الثانية 1889 على أسس إيديولوجية وسياسية أكثر صلابة . بالارتكاز على مبادئ الشيوعية تم انحلالها فيما بعد بسبب ارتدادها عن الأفكار الشيوعية تم تأسيس الأممية الثالثة في العشرينيات من القرن الماضي، يعتبر كل ذلك بمثابة الخلاصة النقدية الأساسية التي أرسى أسسها الفكرية والسياسية ماركس.
لينين وفك شفرة المثقف
في المنجز الفكري والسياسي لماركس، لم يكن يعير لأدوار المثقفين اعتبارا كبيرا، كما أنه لم يستطع الاهتمام بهم إلا بشكل ثانوي في العمل الثوري. فخيبته مع باكونين ولاسال عند تأسيس ” عصبة الشيوعيين ” وفيما بعد “الأممية الأولى ” لم يضع هذه المسألة في جدول عمل تفكيره النظري والسياسي، لقد دافع عن أطروحة ” أن الطبقة العملة هي وحدها قادرة على تحرير نفسها و معها كل المجتمع ” مغلبا الطابع ألتناحري بين طبقة الرأسماليين وطبقة العمال كعامل استقطاب للمثقفين إلى ساحة الطبقة العاملة وتحولهم تدريجيا نتيجة مزاحمة رؤوس الأموال الكبيرة إلى صفوف الطبقة العاملة.كما أنه تردد كثيرا في الانضمام إلى “الأممية الأولى” بسبب القانون الأساسي الذي صاغه، والذي ينص في جوهره على حصر الانضمام إلى الأممية فقط في أعضاء الطبقة العاملة .
انطلاقا من هذه التجربة المريرة مع المثقفين وحده لينين سيفك شفرة المثقف الشيوعي المرتبط بأهداف و طموحات الحركة العمالية. ويعتبر في هذا الصدد كتاب ” ما العمل” الذي كتبه لينين سنة 1902، والذي سيصبح فيما بعد الجواب العملي عن إشكالية تنظيم الطبقة العاملة وبناء حزبها الثوري، واعتبر المثقفين المنسلخين عن طبقتهم البرجوازية والمنتحرين طبقيا من أجل الانتصار الشامل للمثل العليا للطبقة العاملة، هم القادرون على نقل الوعي إلى الطبقة العاملة انطلاقا من جهاز الحزب الذي يعتبر بمثابة “مثقف جمعي”. فهو الذي يبلور التصورات ويشتغل على البرامج والتكتيك والإستراتيجية ويصوغ ذلك في عدة أشكال للتواصل مع الجماهير العمالية، وأكد لينين انه من اجل تحقيق أهداف الحركة العمالية لا يمكن لحركة صلبة أن تستغني عن تنظيم دائم ومستمر لمثقفين ثوريين (الانتلجنسيا الثورية) يكون عددهم محدودا ولم يكن ذلك يعني أن هؤلاء سوف “يفكرون بدل الجميع” أو أن مركزة الوظائف السرية للتنظيم كانت تعني “مركزة جميع وظائف الحركة” وهكذا تصبح الجريدة السياسة المركزية “المحرض والداعية والمنظم الجماعي” وأداة ضرورية للارتباط و”لتبادل الخبرات والتجارب وللتوثيق ووسيلة دعم وتمويل” كما على هؤلاء المثقفين ألا يستسلموا للتيارات العفوية ويصبح ديليا للجماهير، ضحية الاقتصادوية التي من شانها أن تقلص من مجالات تدخلاته السياسية ومختزلا هذه المجالات في مجرد “اتريديونية”… “فعلى الاشتراكيين الديمقراطيين أن يتوجهوا إلى كل الطبقات… وان يوجهوا مناضليهم في كل الاتجاهات لكي يوفروا للبروليتاريا المعرفة السياسية”.
غرامشي وإستراتيجية الهيمنة
في سنة 1924 عندما بدأت ترتسم الملامح الأولى “للتحجر” المتنامي لكل المسائل التنظيمية في عهد ستالين ذكر جورج لوكاش بالتحذير التالي: ” لا يمكننا الفصل الميكانيكي بين السياسي والتنظيمي” ويحدد ذلك موضحا أن “ليس للحزب مهمة فرض نموذج سلوك مجرد على الجماهير، بل على العكس من ذلك تماما، عليه أن يتعلم باستمرار من نشاط الجماهير وطرق نضالها” فهو يعني أن التنظيم ينبغي أن يندرج كأداة في مجموع المعارف والأعمال المستقلة الناجمة عن ما استنبطته الجماهير… “وان لم يفعل ذلك فسوف يفكك بحكم تطور الأشياء التي لم يفهمها ولهذا لم يستطع التحكم فيها”.
سيحاول غرامشي لاحقا صياغة مفهوم المثقف انطلاقا أولا من المفارقة القائمة على التلاقي بين مثقفين نابعين من جذور اجتماعية مختلفة وبين طبقة عمالية تولي عادة الأهمية الكبرى لتكوين إطاراتها ومناضليها تكوينا فكريا.ثانيا انطلاقا من التحجر والتكلس الذي أصاب الحزب في عهد ستالين وأخيرا انطلاقا من ازدواجية التشكيلة الاجتماعية الايطالية حيث الشمال يتوفر على بنيات رأسمالية حديثة وجنوب أشبه ببنيات رأسمالية طرفية.
يحدد غرامشي وظيفة المثقف في المجتمع بصفة مزدوجة: أفقيا وعموديا.
فالتعريف العمودي يعتبر أن كل طبقة لها مجموعة مثقفيها وتتمثل مهمتها المتميزة في تنظيم هذه الطبق بما هي طبقة، وذلك بإنتاج ثقافتها وإعادة إنتاجها وبالتعليم وبنشر إيديولوجيتها في أشكالها المختلفة. وهؤلاء يسميهم غرامشي بالمثقفين العضويين.
أما على مستوى التعريف الأفقي فالمثقفون هم فئة خاصة تحتل منزلة وسطى بين الطبقات وفئة متبلورة “أي صنفا يرى نفسه استمرارا متواصلا في التاريخ، وبالتالي مستقلا عن صراع الجماعات ولا يرى نفسه تعبيرا عن سيرورة جدلية تصوغ بمقتضاها كل مجموعة سائدة فئة مثقفيها الخاصين”.
وأخيرا تساهم الدولة العصرية في جعل المثقفين فئة اجتماعية ذات خصائص متميزة بان تخفض من وظائفهم المتصلة بالتكوين وبالتعليم وذلك عبر الموظفين والفنيين من جميع الأصناف ومن جميع المستويات وهو ما يسميه غرامشي ب”المثقف- الجمهور”.
أما المثقف العضوي المرتبط بالطبقة العاملة، فان ملامحه تتجلى في ما يسميه غرامشي “المثقف الجماعي” مجسدة في الحزب. لكن التنظيم لا يفرز المثقف بمجرد وجوده، فايلاء الأولوية المطلقة لإنتاج ثقافة سياسية عمالية من قبل المنظمة لا ينتج سوى مثقف بيروقراطي. فالمثقف ليس إذن موظف حزب قد شغف بالسياسية –فالحزب بالمقابل لا يعامله إلا على هذا الأساس- “فيبدو من الضروري أن يترك البحث المتاثي عن حقائق جديدة وأفضل وعن صياغة تلك الحقائق صياغة أكثر تماسكا ووضوحا، أن يترك لمبادرة كل عالم حتى وإن جرت، باستمرار مناقشة المبادئ ذاتها التي تبدو أنها هي الأكثر أساسية”.
وبخصوص الربط بين النظرية والتطبيق يسوق غرامشي مثال فشل حركتي النهضة والإصلاح بايطاليا لكونهما بقيتا حركتين نخبويتين: “تمثلت قوة الأديان وخاصة قوة الكنيسة المسيحية وما زالت في كونها تعي وعيا قويا ضرورة توحيد كل الجماهير المتدينة، وتتمثل هذه القوة في نضالها من اجل عدم انفصال الفئات المتقدمة ثقافيا عن الفئات الدنيا. ويكمن فشل النهضة النسبي والإصلاح اتجاه الكنيسة في العجز عن معرفة كيفية إرساء هذه العلاقة العضوية”.
ينتبه جيدا غرامشي إلى ما يجري في قاع المجتمع، فايطاليا النصف مصنعة خلال سنوات 1920-1930 تفرز أشكالا ثقافية وإيديولوجيا مختلفة، فمن جهة تبرز قوة الكنيسة الدينية، ومن جهة أخرى تبرز قوة المؤسسات الليبرالية والفاشية. وانطلاقا من هذه المعطيات سيبلور إستراتيجية الهيمنة.
فالهيمنة هي ركيزة الطبقة السائدة، ذلك أن سيطرتها الاقتصادية لا تستقيم إلا من خلال تشكلها كسلطة سياسية التي تؤمن سيرها أجهزة الدولة. غير أن هذه السلطة لا يمكنها أن تمارس إلا من خلال القبول الطوعي بها من طرف الجماهير. غرامشي يصف هذا القبول الطوعي ب”المجتمع المدني” كالكنيسة والنقابات والمدارس التي ليست اقل دورا من “الدولة”، ذلك أن المؤسسات السياسية والمجتمع المدني يشكلان حقلين متكاملين.
هنا يحلل غرامشي دور المثقفين الكبار للبرالية ” crose ” وللفاشية ” Gentil” وظيفتهم هي تكريس “الهيمنة”. والطبقة العاملة في نظر غرامشي لا يمكنها بلوغ السلطة إن لم تدمج في صفوفها هذه الشريحة الاجتماعية المثقفة الحازمة لخدمة مهمة “الهيمنة” إن لم تؤسس “الكتلة التاريخية” التي تلحم المجتمع السياسي مع المجتمع المدني.
لقد وسع غرامشي من تنظير ماركس لعلاقة المثقف بالطبقة العاملة، حيث رسخ في الأذهان عدم الفصل بين السياسة والمجتمع، بين الاقتصادي والدولة، منتصرا للوحدة الجدلية بينهما وضد الأطروحة الليبرالية للفصل الحديث بين الاقتصاد والسياسة وضد كل “اقتصادوية” كما وسع نظرية البنية الطبقية المطابقة للشكل الحديث للمجتمع.
على سبيل الختم
بلغت إستراتيجية الهيمنة حدودها التاريخية مع انهيار الاتحاد السوفياتي سابقا بسبب عدم التتوير المستمر لعلاقة الحزب بالدولة والمثقف بالقاعدة العريضة في المجتمع الاشتراكي من جهة، وبسبب هجوم النيوليبرالية التي أحدثت نظاما إنتاجيا يرتكز على الثورة المعلوماتية وعلى تقسيم اجتماعي جديد بين المبدعين والمنفذين، بين “المتخصصين” و”التقنيين” بين الخبراء العمليون ومثقفي المقاولة الذين يحتكرون العمل القيادي من جهة أخرى.
أما على مستوى تركيبة الطبقة العاملة فان مجموعات المستخدمين في قطاع الخدمات أصبحت أكثر ارتفاعا من القطاعات المنتجة.
الإشكالية المطروحة اليوم هي كيف نبني “الوحدة في إطار التنوع” التي تجمع شرائح شعبية متنوعة تظم أساسا العمال والمستخدمين والمهن الثقافية، ويتم التفكير في هذه العناصر مجتمعة في إطار علاقتهم الطبقية والسياسية عموديا وأفقيا من خلال إستراتيجية للهيمنة الثقافية موصولة بإستراتيجية للتواصل السياسي بين مختلف هذه الشرائح والطبقات الاجتماعية وهذا يفترض وجود حزب أو جبهة قويين ومتمفصلين مع مجتمع مدني قوي ومزدهر.