المناسبة شرط: عاشت ثورة اكتوبر المجيدة

في مثل هذا الشهر من سنة 1917 نجحت في روسيا ثورة البلاشفة في اقامة سلطة العمال المتحالفين مع الفلاحين الفقراء والجنود على القضاء على دولة البرجوازية الرجعية والإقطاعيين ونظامها القيصري.هي اذا مائة سنة على هذا الحدث التاريخي والذي لازال صداه يتردد عبر عقود الزمن لما دشنته من عهد جديد ولما كشفت عنه من فجر ساطع امام الشعوب.
نحن في النهج الديمقراطي كباقي جميع شيوعيي العالم، نحيي هذه الذكرى بما يليق بها من اشادة واستعداد لاستنتاج الدروس من النجاح ومن الفشل ايضا.نحيي الذكرى ونعتبرها محطة من اجل مسيرة الطبقة العاملة في كل مكان من اجل اقامة نظام اقتصادي اجتماعي سياسي وثقافي بديل يحرر البشرية جمعاء من الاستغلال الطبقي وينقذ كوكبنا من الدمار والفناء المحتوم اذا ما استمرت الرأسمالية في عملها التخريبي والنقيض للإنسان والطبيعة.نحيي هذه الذكرى عبر استلهام اهم معانيها بالنسبة لشعبنا في تاريخه وفي حاضره وفي مستقبله.
ونحن نعيش زخم حراك جماهير شعبنا بالريف لابد وان نتذكر ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي التحررية من الاستعمار الاسباني، ونجاحاته العسكرية والسياسية الباهرة وإقامته لأول منطقة محررة في شمال افريقيا.لقد كان لزلزال الثورة البلشفية في روسيا وانهزام النظام الرأسمالي امام اول سلطة العمال الظافرة صدى تردد في جبال الريف وكان حافزا قويا للمقاتلين من اجل الحرية ومناهضة الاستعمار. انهم استلهموا روح العصر والتي طلعت بشائرها من الشرق الروسي فكانوا ابداعا وليس فقط رجع الصدى، فأبدعوا في حرب العصابات حتى الهموا باقي حركات التحرير الاخرى كما الهمتهم ثورة اكتوبر العظيمة. كان لهذه الثورة التحررية بالريف التأثير الحاسم على باقي مناطق المغرب فسرى مطلب الاستقلال في وعي الشعب بمختلف طبقاته وفي مختلف جهاته من مدن وبوادي.هكذا سنقول وباعتزاز ان شعبنا فهم واستوعب الرسالة التاريخية لثورة اكتوبر ولم يتخلف على ركب نضال باقي الشعوب ضد الاستعمار ومن اجل الحرية والعيش الكريم والمساواة.
وضعت ثورة اكتوبر العديد من الحقائق النظرية والسياسية والتي صاغها معلما البروليتاريا الكبار ماركس وانجلس؛ موضع التطوير والتدقيق وقد قاد هذه المهمة العظيمة قادة ومعلمين جدد على رأسهم لينين.كان لهذه الثورة الدور العظيم في التعريف بالفكر الاشتراكي وتلقفته الطبقات العاملة عبر العالم والعديد من المثقفين الثوريين.  هكذا حصل ايضا بالمغرب استقبال حافل لهذا الفكر وتم التفاعل معه من طرف القوى المناضلة التي شكلت العمود الفقري للحركة النضالية التحررية ببلادنا وضمنها تنظيمات الحركة الوطنية. لكن الدرس لم يستوعب جيدا بحيث بقي الحزب الشيوعي المغربي حبيس نظرة ضيقة لدوره الاممي ولم يفهم بان هذا الدور الاممي يجب ان يستدمج مهمة التحرير الوطني، وهي مهمة باتت ملقاة على كاهل الطبقة العاملة وليس على كاهل البرجوازية لأنها كطبقة ومنذ انتصار الرأسمالية ودخولها مرحلة الامبريالية اصبحت عاجزة على القيام بذلك الدور الريادي والثوري الذي سبق لها وان قامت به ضد الاقطاع والمجتمعات ما قبل الرأسمالية. لقد اصبحت الطبقة العاملة هي القوة الموكول لها هذه المهمة وذلك احد دروس ثورة اكتوبر المجيدة والتي استوعبها الشيوعيون في بلاد متعددة مثل الصين وفيتنام وكوبا…
ونتيجة هذا الاخلال بالدور الطليعي للطبقة العاملة المغربية الحديثة النشأة ونتيجة هيمنة البرجوازية على الحركة الوطنية انتهت معركة التحرير بالسقوط في فخ السياسة الجديدة للامبريالية وهي سياسة الاستقلال الشكلي او مرحلة الاستعمار الغير مباشر. وجدير بالذكر ان سياسة الاستعمار الجديد او منح الاستقلال المشروط لوكلاء مرتبطي المصالح بالمراكز الامبريالية كان بهدف كبح تجدر النضال التحرري ومنعه من الانتقال الى ربط النضال التحرري بالنضال من اجل سلطة العمال وحلفائهم في المستعمرات؛ وكان هذا الاجراء مصاحبا بإجراء آخر اتخذته الدولة الامبريالية ولا يقل اهمية عنه لكن تعلق بسياستها في بلدانها بنفسها وهو نهج سياسية دولة الرفاه وتقديم تنازلات معتبرة للطبقة العاملة من اجل اجهاض نضالاتها، ومن اجل تسريع عملية الاستقطاب للأحزاب العمالية وتحويلها الى احزاب اشتراكية اجتماعية مندمجة في الدولة الرأسمالية تلطف من تناقضاتها بدل القضاء عليها.
فعلى قاعدة نقد هذه التطورات ومن اجل الاستلهام الناضج لدروس الثورة البلشفية انطلقت معركة سياسية وإيديولوجية ضد النزعة التحريفية التي نخرت المنظومة الاشتراكية وبدأت تهدد كل المنجزات التي حققتها ثورة اكتوبر او فتحت الطريق لها. هذه هي المعركة التي بدأت احداثها بالمغرب وهي ما توج بميلاد الحركة الماركسية اللينينية المغربية معلنة القطيعة مع التحريفية كنظام قائم في الاتحاد السوفيتي ومع ممثليه بالمغرب، ولذلك طرحت مهمة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة واستكمال مهام التحرر الوطني وإقامة الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية على طريق الاشتراكية.
جميع التطورات الحاصلة اليوم وخاصة بعد الهبة الثورية التي عرفتها شعوبنا منذ 2011 وفي المغرب مع حركة 20 فبراير تؤكد راهنية تلك الخلاصات بل ملحاحيتها من اجل تجنيب شعبنا كل المئاسي التي عرفتها الشعوب التي عاشت الموجة الاولى من السيرورة الثورية وتوجت بإسقاط راس الانظمة ولم تصل الى عمق التغيير الثوري الاجتماعي. لكي يحصل ذلك ويفتح شعبنا طريقه نحو التغيير على المناضلين المخلصين لمصالح الطبقة العاملة وحلفائها الاستراتيجيين ان يعملوا بتفان من اجل انجاز المهمة المركزية المستعجلة وهي بناء هذا الحزب المستقل للطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين الفقراء والمعدمين وكادحي الاحياء الشعبية بالمدن والبوادي.
ان مهمة بناء هذا الحزب يجب ان تستحضر دروس ثورة اكتوبر سواء من حيث الطبيعة الطبقية لهذا الحزب او من حيث تصوره لعلاقة الطبقة العاملة وحزبها بالدولة وبباقي جماهير الشعب او من حيث طبيعة الديمقراطية الاجتماعية والسياسية او من حيث التعامل مع قضايا الهوية والخصوصيات الاجتماعية او الجهوية؛ ثم كذلك من حيث التصور لطبيعة المجتمع البديل في مختلف مراحله بما فيها الاشتراكية ومضامينها.
من دروس هذه الثورة المجيدة كذلك تلك العلاقات النضالية القوية التي لفت كل الاشتراكيين الديمقراطيين الروس وسعيهم بل تسابقهم للانتظام في الحلقات والأحزاب حتى اصبحوا قوة منظورة، لها تواجد داخل العمال وباقي الفئات الاجتماعية.لقد تم نبذ الفوضوية والروح البرجوازية الصغيرة الرافضة للالتزام التنظيمي؛ تؤدي الواجبات قبل المطالبة بالحقوق. إننا في حاجة لإطلاق دينامية صحية للعمل المشترك والرفاقي والجماعي بين كل التيارات والأفراد المعنيين بمستقبل الطبقة العاملة وبمشروعها المجتمعي. سيكون من نافل القول ان العمل عكس هذا الاتجاه انما هو المزيد من التشرذم والحلقية والابتعاد عن الدرس النفيس والذي يقول لولا توفر ذلك الحزب البلشفي المنصهر وسط العمال والشعب والموحد بإرادة فولاذية لما نجحت تلك الثورة التي نخلد ذكراها العظيمة.