نظرية الحزب عند لينين

بمناسبة الذكرى المئوية للثورة البلشفية،ارتأينا المساهمة في إنعاش النقاش السياسي حول تجربة ثورة أكتوبر البلشفية ،كتجربة رائدة ،وفي ذات الوقت التساؤل عن عدم استمرارها ،بعد أن عمرت سبعة عقود ،على ضوء فرضية تعميق الصراع الطبقي من خلال مفهوم “الحزب ” كمنظم جماعي للبروليتاريا ،ثم الخصائص النوعية للرأسمالية والإمبريالية ،بصفتهما محددين في التأثير على مستقبل” الاشتراكية الفعلية”.
حدث في التاريخ
لقد تطورت الحركة الاشتراكية والثورية الروسية(1) في بداية القرن العشرين،بشكل سابق على تبلور الحلقات الماركسية الأولى عن طريق بليخانوف ومار توف ولينين ،التي بدلت مجهودا جبارا في عملية نقل وترجمة الماركسية إلى لغة الأم ،وإعادة تكييفها وتطويرها حتى تلائم المرحلة الأولى من تطور الإمبريالية وترويجها بين المثقفين والطلبة على الخصوص حاملي فكر الطبقة العاملة إلى الأوراش والموانئ والمصانع والضيعات والثكنات العسكرية .
إن هذا التلازم التاريخي شكل امتيازا ،سيعرف لينين كيف يطوره بشكل أصيل ومبدع ،ليتحول فيما بعد إلى حدث نوعي في التاريخ.
لقد خاضت تلك الحلقات الماركسية الأولى نضالات لا هوادة فيه ضد جميع القيم والتصورات التي تشكك في قدرة الماركسية على التجدر في مناخ اجتماعي وسياسي غير مؤهل ماديا وسياسيا لإنجاح ثورة بروليتارية ،لكنها في ذات الوقت كانت تعاني من غياب التنظيم الكامل لقيادتها ،خصوصا وأن النظام القيصري كان يملك جهازا بوليسيا شديد المراقبة والقمع والذي قام بتصفية العديد من المناضلين الثوريين الشعبويين ومن أمثالهم شقيق لينين الأكبر .
لقد انطلق تفكير لينين لمعالجة التناقض القائم بين مد ثوري لجماهير البروليتاريا ،غير أنه يتسم يصفى العفوية والاندفاع الغير مدرك لقوة العدو،ويفتقد لتنظيم محكم يقوده ، وبين نظام قيصري بوليسي شديد البأس لا يرحم أحدا إدا ما هدد كيانه.
في عمله الأول المهم :”من هم أصدقاء الشعب”الذي كتبه عام 1894 ،وكان عمره هو الرابعة والعشرون ،أعلن، أن “تنظيم حزب عمالي اشتراكي يشكل بالنسبة للحركة الثورية الروسية مهمة فورية”يعد خمس سنوات صور هذه المهمة ذاتها على “أنها مشكلة ملحة لحركتنا،نقطتها الحساسة”وفي عام 1904 ،في حين تشكل التكتل البلشفي ،أي الشكل الأول للتنظيم اللينيني ،أعلن أنه “ليس لدى البروليتاريا سلاح آخر في نضالها من أجل السلطة غير التنظيم.
من جهة أخرى ،وأثناء ثورة 1905 ،في الوقت الذي تحركت الجماهير عفويا ودون عون أي حزب ،كرر قوله :”إذا لم يكن ثمة تنظيم للجماهير ،فالبروليتاريا ليست شيئا،وإذا كانت منظمة ،فهي كل شيء”(2) لقد كان لينين شديد الوعي بضرورة وجود تنظيم يقود الجماهير ،حتى لا تهدر أو تسحق الطاقة الثورية التي تتمتع بها ،ليس هذا فحسب ،بل أيضا من أجل توقيف نزيف الاعتقالات التي كانت تتعرض لها الحلقات الماركسية ،التي كانت تشتغل بشكل مستقل ومعزول عن بعضها البعض ،الشيء الذي لا يساعد البتة على تقوية عود الحركة الاشتراكية والثورية الروسية من جهة وبعدم خلق التراكم الضروري حتى يصل إلى لحظته النوعية :الإعلان عن الثورة البروليتارية وإحراز النصر من جهة أخرى.
هكذا كان يصف لينين الوضع الذي كان يريد معالجته :”إن الملمح الأساسي لحركتنا ..إنما هو تشتتها ،طابعها الحرفي إذا صح التعبير :تعمل الحلقات المحلية تقريبا باستقلال عن الحلقات الأخرى التي كانت تعمل في الوقت ذاته في الحملات ذاتها ،لا يقوم أي تقليد أو استمرارية ،وتعكس المنشورات المحلية هذا التشتت بصورة كاملة .
وفي نقد روزا لوكسمبورغ للمركزية اللينينية ،كانت تعترف بأن “المشكلة التي كان على الاشتراكية الديمقراطية الروسية أن تسويها ،إنما كانت تتجاوز نموذج للتنظيم قائم على حلقات ومجموعات محلية ،ومتميز باستقلال كل من المجموعات وتشتتها”.
إن وجود حلقات تتصف باستقلال ذاتي يصل إلى حدود التدرير ،وبنزعة هواية حرفية تجعل من المجموعات الاشتراكية فريسة سهلة للشرطة ،هاتان العلتان اللتان لا يمكن مكافحتهما سوى مبادئ التنظيم الحزبي التي وضعها لينين وأوضحها تدريجيا.
في نص جديد :”خطوة إلى الأمام ،خطوتين إلى الوراء “الذي يعد اجتهادا مكملا لكتاب “ما العمل” اقترح لينين خمس مستويات للتنظيم حسب درجة التنظيم والوعي في الحزب :1- التنظيمات الثورية(الحرفيون)2- التنظيمات العمالية(الثورية) خارج الحزب 3- التنظيمات العمالية المرتبطة بالحزب 4- التنظيمات العمالية لا ترتبط بالحزب ولكنها خاضعة بالفعل لمراقبته وتوجيهه،5- عناصر غير منظمة للطبقة العاملة والتي تشارك في التظاهرات الكبرى التي تدعو لها أو توجهها ” الاشتراكية –الديمقراطية”.أما المبادئ التي تحدد خريطة أو طبوغرافية العلاقة بين الحزب والجماهير هي مطبقة من خلال قواعد التنظيم الداخلي التي أرساها لينين وهي على الشكل التالي :1- المضمون السياسي لنضال الاشتراكي –الديمقراطي والسرية اللازمة للفعل تفرضان على التنظيم وجود “محترفين ثوريين”.
2- يتبنى التنظيم مبادئ “المركزية الديمقراطية ” حيث الأقلية تخضع للأغلبية عند الحسم في القرارات الكبرى ،مع تنظيم النقاش الديمقراطي وإقرار حقوق الأقلية في الدفاع عن آرائها،مع سلوك انضباط حديدي ،لضمان الانسجام الداخلي للحزب وعدم تصدعه.
غير أنه في فترات المد الثوري أي في العشرية الأخيرة ،قبل اندلاع الثورة ،تخلى لينين عن مفهوم “إدخال الوعي ” من خارج الطبقة العاملة عن طريق “المثقفين الثوريين” وتبنى تصورا جديد ا في التنظيم ،يعتمد على “المبادرات الجماهيرية” وفي هذا السياق اقترح تحويل السوفياتات نواب الطبقة العاملة في “الدوما ” إلى المركز السياسي للثورة ،إلى حكومة مؤقتة ثورية.
دور التنظيم اللينيني في نجاح الثورة
لقد استطاع التنظيم اللينيني أن يقود النضال الثوري للبروليتاريا ويستولي على السلطة ثم يرسي دعائم أول دولة اشتراكية بروليتارية لأنه ارتكز بالدرجة الأولى على رصيد هائل ودروس غنية من المعارك البطولية التي خاضتها البروليتاريا الروسية الناشئة رغم قلة عددها وما تعرضت له من بطش قيصري.
كما استطاع بدرجة كبيرة من الوعي والجرأة الثوريين أن يغير عناصر كثيرة من الخطاطة الماركسية الكلاسيكية، التي تنطبق فقط على أوروبا ،التي كانت ترى بأن اندلاع ثورة اشتراكية لن يكتب لها الوجود إلا في البلدان التي حققت نموا هائلا على المستوى التقني وتقدما على مستوى الحريات الديمقراطية البرجوازية .وفي وضع مثل روسيا حيث التطور التقني لا زال ضعيفا والبنية الزراعية يغلب عليها طابع تقليدي ،تصور ماركس وانجلز احتمال قفزة تتخطى الرأسمالية بشرط إدخال المكننة إلى الزراعة مع ربطها بإمكانية اندلاع ثورة اشتراكية في أوروبا الغربية.
لقد عارض بقوة التيار الجارف نحو تقليد الخطاطة الماركسية الكلاسيكية الذي عبر عنه بوضوح قادة المناشفة أمثال :مارتوف واكسلرود الذين تصوروا البرجوازية الروسية الوريثة السياسية للقيصرية وحددوا مهمة تنظيم الاشتراكية-الديمقراطية-الروسية على شاكلة الاشتراكية –الديمقراطية الأوروبية.
في هذ السياق ناضل بكل ضراوة من أجل بناء منظمة مركزية للمحترفين الثوريين مع استبدال وتغيير مبادئها حسب كل مرحلة من تطور الصراع الطبقي (3) .وعلى استراتيجية ثورية تقوم على تحالف العمال والفلاحين من أجل هدف سياسي رئيس هو إلغاء الأوتوقراطية واستبدالها بنظام ديمقراطية برجوازية.وفي تعليقه على موقف تروتسكي الذي كان يرى أن الثورة يجب أن تكون منذ البداية ذات الطابع الاشتراكية ،اعتبر لينين أن “خطأه الأساسي هو أنه لا يريد رؤية الطابع البرجوازي للثورة وليس لديه تصور واضح للانتقال من هذه الثورة إلى الثورة الاشتراكية”(4)
إن النجاح الساحق الذي حققه التنظيم اللينيني والذي غير مجرى التاريخ كله ،لم يكن يعني خلوه من التناقضات وعدم الانسجام ،بل بسبب ذلك تحول في مخيلة الشيوعيين إلى نوع من “الأسطرة”،لذلك فأن فشل “النموذج الاشتراكي المطبق” في الاتحاد السوفياتي سابقا وأوروبا الشرقية ،والتي أظهرت بما فيه الكفاية الحدود الديمقراطية التي بلورها “التنظيم اللينيني”كما فندت الاختيارات الاقتصادية الاشتراكية ،التي أعادت من جديد الرأسمالية إلى هذه البلدان ،في دينامية سياسية تقهقرية،تعود بنا إلى درجة الصفر من الانحطاط الاجتماعي.
في الحدود الديمقراطية للتنظيم اللينيني
رغم التحذيرات الإيديولوجية،التي عبر عنها لينين في السنوات الأخيرة من عمره ،عندما انتقد تعامل الأحزاب الشيوعية ‘مع كتاب “ما العمل” كإستراتيجية في التنظيم البروليتاري العالمي ،بدون رؤيته “كبوليميك موجه ضد أخطاء الاقتصادوية وحول هذه النقطة يجب التدقيق “
أو عندما انتفت شوط القمع وأصبحت الطبقة العاملة أكثر وعيا بوجودها من خلال تحولها إلى طبقة ثورية بفضل مشاركتها في الثورة وقيادتها،وبدأ يدعو إلى أن تأخذ المبادرة لحماية الثورة والتغلغل في أجهزة السلطة الناشئة ، فإن كل هذ ه التحذيرات ستتبخر لعدة أسباب كثيرة ، لكن أهمها هو خضوع الحزب اللينيني للاستقطاب الطبقي في ظروف تاريخية خاصة ،فعند مواجهة التكالب الإمبريالي إزاء الثورة الناشئة ،وتعتر المحاولات الأولى لترجمة الخيارات الاقتصادية الجديدة ،واندلاع الحرب الأهلية وانتشار المجاعة ، فرض على الحزب البلشفي ،خطة سياسية جديدة ، لوقف النزيف ،أي العمل على تطبيق برنامج “السياسة الجديدة” الذي يعني في الجوهر تبني إصلاحات اقتصادية برجوازية ،من خلال عقد تحالف مع البرجوازية الليبرالية ،في هذا السياق سيعرف الحزب تحولا جذريا ،على مستوى قاعدته الاجتماعية ،ذلك أن الحاجة الملحة للأطر :من تقنيين ومهندسين ومسيرين ،ذوي خبرات وكفاءات كبيرة ،فرضتهم بقوة مسالة بناء الاقتصاد السوفياتي ،على أسس متينة ،هذا التحول في بنية الحزب سيرافقه تقهقر في الديمقراطية الداخلية ،خصوصا بعد وفاة لينين، وسيطرة ستالين على مقاليد الحكم بيد من حديد ،وارتكابه انتهاكات جسيمة في حق أجود الأطر الحزبية بالإضافة إلى قمع “الكولاك” وتعميم التقليد التنظيمي المتبنى من طرف ستالين على مجوع الأحزاب الشيوعية في العالم.
تنظيم الإنتاج الاشتراكي
انطلق التخطيط الخماسي الأول في تنظيم الإنتاج الاشتراكي ،على قاعدة تجاوز التأخر التاريخي في الإنتاج الصناعي ،الذي خلفته القيصرية ،ثم بناء أسس نمط الإنتاج الاشتراكي بعد توفير شروطها الأساسية ،غير أن هذه المهمة اعترضها منذ البداية عائقين :الأول مرتبط بغياب نموذج للإنتاج جديد متلائم مع الهدف السياسي المحدد في المخطط الخماسي والثاني مرتبط بإستراتيجية الإمبريالية التي كان هدفها الأساسي هو منع الثورة الناشئة من إنجاز مهام التحرر الاقتصادي والاجتماعي .
إن عدم التمييز بين علاقات الإنتاج الرأسمالية وعلاقات الإنتاج الاشتراكية الجديدة ،ولو أن هذا النمط يعتبر نمطا انتقاليا ،مما يجعله يأخذ طابع اقتصاد مزدوج مع قيادة سياسية مركزية شيوعية ،وتحت ضغط الأحداث المتسارعة ،تم تبني فهما أحاديا لجمعنة الإنتاج ،من خلال تبني الخصائص النوعية الرأسمالية لنمط توجيه العمل كإجراءات في صميم كل إنتاج صناعي ،هكذا أصبح استنساخ أنظمة الشغل الطايلورية ،بمثابة الوصفة السحرية لإقلاع اقتصادي قوي ومحاولة جريئة للحاق بالتطور الصناعي الغربي ،ففي ظل ازدهار الاتحاد السوفياتي ،كان فارق التأخر مقارنة بأمريكا هو 15 سنة .
لقد رأت القيادة البلشفية في عملية استنبات نمط الإنتاج الاشتراكية نوع من الفصل بين ضرورة الرقابة العمالية وحرية الرأسمال وجعل التعارض بين نمط الإنتاج والتوزيع وليس هو القائم بين العمل والرأسمال ،من خلال هذا التصور لنمط الإنتاج الاشتراكي ،تنمى الجانب السيئ في علاقات الإنتاج أي تنمية مشروع “رأسمالية الدولة” ولو أن هذه القيادة طرحت في عهد لينين الحزب البلشفي كضمانة للتوجه نحو الاشتراكية ،فإن الطريق إلى جهنم مبلطة بالورود” حسب تعبير لينين.
إن نسيان أهمية النقد الذي يفكك الطابع ألصنمي للعلاقات الرأسمالية دون أخذه بعين الاعتبار في صيرورة البناء الاشتراكي كان له أوخم العواقب على أول تجربة اشتراكية في العالم .
انطلاقا من هذه الأوضاع تحول الحزب إلى جهاز بيروقراطي ووظف الدولة لخدمة فئة اجتماعية جديدة التي ستتحول مع طول السنين إلى برجوازية جديدة ،التي تآمرت مع الغرب الرأسمالي ،لتعيد إلى الواجهة سيطرة الرأسمالية المالية على كل مفاصل الاقتصاد العالمي.
حسن الصعيب