في تحولات المشهد الحزبي

جسدت المقاطعة العارمة للشعب المغربي في الانتخابات التشريعية ل7أكثوبر،نقطة تحول كبيرة في مسار الديمقراطية الشكلية ،ونزع المشروعية عن الأحزاب السياسية في تمثيل الشعب داخل المؤسسات المنتخبة ،مما سهل انهيارها الكامل مع انفجار الوضع في الريف والحراك الشعبي في كل مكان .
هذا الانهيار مس في العمق الأسس السياسية والتنظيمية والتعبوية ،بغض النظرعن مرجعياتها الإيديولوجية،كما ضرب في الصميم مبرر وجودها،بسبب عزلتها عن الجماهير وانفصالها النهائي عن همومها وشروط عيشها المضني.
ليس هذا الانهيار وليد اليوم ،بل تعود جذوره القريبة إلى فترة ما سمي ب”العهد الجديد” الذي روج لخطاب جديد تحت عناوين براقة مثل :”المفهوم الجديد للسلطة ” و”تقريب السلطة من المواطنين” و” عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان”و”تجربة الحقيقة والإنصاف”
وإذا كانت الانتخابات الجماعية والجهوية والتشريعية ،تعتبر معيارا “حقيقيا” للديمقراطية في منظور الحاكمين ،فقد عرفت انحباسا وتدهورا خطيرا ،بسبب العزوف المتزايد عن المشاركة في الانتخابات ،لكونها لا تجسد رهانا حقيقيا ينتج عنه تحسين الأوضاع المعاشية للجماهير الشعبية
وتجسيد الحرية والكرامة في حياتها اليومية.
جاء هذا الانهيار بعد تجارب مريرة كرستها هذه الأحزاب في علاقتها بالجماهير الشعبية ،لما قبل” الجناح اليساري” من الحركة الوطنية بمشروع وبرنامج “الانتقال الديمقراطي ” فيما لعب جناحها اليميني خلال فترة الستينيات والسبعينيات ،دورا سياسيا رجعيا في إضفاء المشروعية على نظام الحكم ،بل وساهم في صياغة القوانين الأكثر رجعية خلال القرن الماضي:لقد ساهم علال الفاسي في صياغة مدونة الأحوال الشخصية سنة 1957 التي كرست التمييز بين الرجل والمرأة وحكمت على أجيال من النساء والرجال بالإذلال والقمع ،كما أوصى للحسن الثاني بصحبة عبد الكريم الخطيب أحد أقطاب الرجعية ،بإضافة أمير المؤمنين وصياغته في الفصل 19من الدستور الممنوح لسنة 1962.
بعد تصويت”الجناح اليساري” على دستور 1996 الممنوح وتوقيعه على اتفاقية فاتح غشت من نفس السنة،انتدب لنفسه مهمات سياسية أخطر من سابقاتها والتي تجلت في :1- تركيز السلطة الاقتصادية والسياسية للعهد الجديد ،2- تشريع قوانين تكرس السلطة المطلقة للرأسمال (قانون الخوصصة ،مدونة الشغل،قوانين الاستثمار،اتفاقيات التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية الخضوع للإجراءات الاقتصادية والسياسية لأوروبا مع تفضيل الامبريالية الفرنسية كشريك بدون منازع ،الخضوع لاشتراطات وتعليمات الأبناك الدولية المالية والتجارية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة التجارية العالمية ) ،3- تشريع قوانين تحد من الحريات الفردية والجماعية (قانون الإرهاب،مدونة الأسرة ،قانون الصحافة ،قانون الأحزاب ومدونة الانتخابات).
وبخصوص الحركة الإسلامية ممثلة في حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح ،التي صعدت على أكتاف حركة 20 فبراير وسرقت شعاراتها وأهمها :”محاربة الفساد “و”تخليق الحياة العامة” و”تجسيد العدالة والكرامة” ،فقد كرست في إطار دستور 2011 الممنوح ترسانة من المشاريع والبرامج ،التي أجهزت على القدرة الشرائية للمواطنين ،وتكريس الهشاشة في الشغل وتفكيك القطاع وتعميم العقدة في الوظيفة العمومية وضرب صندوق المقاصة والإجهاز على الحقوق المكتسبة في التقاعد وتمرير قانون تكبيلي للإضراب،فضلا عن خضوعها لإملاء ات المؤسسات الدائنة مما سيساهم في تحرير العملة الوطنية وجعل بلادنا فريسة الشركات المتعددة الجنسية واتفاقيات التبادل الحر ،التي تفكك النسيج الاقتصادي والاجتماعي.
تنطبق هذه الوضعية على ما سماه سمير أمين في كتابه “ما بعد الرأسمالية المتهالكة”ب “الديمقراطية الخفيضة التوتر” أي إذا ما أنتج التاريخ العملي شروطا تصبح معها حركة الاعتراض الاجتماعي ممزقة وعاجزة وتصبح بالتالي الايدولوجية المسيطرة سائدة بدون بدائل ،عندئذ يمكن أن تفرغ الديمقراطية من أي مضمون مزعج للسوق أو خطير عليها ..يمكن أن يقترع المرء بحرية كما يشاء :أبيض ،أزرق،أخضر أو أحمر،في أي حال لا قيمة لكل ذلك فالمصير يتحدد خارج البرلمان ،أي في السوق ،ويجد خضوع الديمقراطية للسوق انعكاسه في اللغة السياسية للتبدل( أي تغيير الأشخاص لاستمرار الأمور يحل محل البدائل)
نستنتج من نظرية التوسع غير المتكافئ للرأسمالية العالمية ،أن هذا التوسع قد خلق في المراكز ظروفا مناسبة جعلت من الممكن تبلور نوع من “الإجماع الاجتماعي”يقوم على تنمية اقتصادية شاملة ،وتوزيع فوائدها على مختلف طبقات الأمة ،الأمر الذي يفترض أن الطرفين (البرجوازية والطبقة العاملة) يقبلان قواعد اللعبة أي قوانين الرأسمالية المؤسسة على هيمنة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ونظام العمل المأجور من جانب وقبول قواعد اللعبة السياسية ،أي ممارسة الديمقراطية الانتخابية من الجانب الآخر.
إن خضوع المغرب لتقسيم متخلف للعمل أي تصدير للمواد الأولية (الفوسفاط ومشتقاته) وبعض المنتجات الفلاحية (الحوامض والخضر)وبعض الصناعات الغذائية ،تجعل الاقتصاد المغربي هشا وضعيفا ،هنا تأخذ الفوارق الاجتماعية شكل انتفاخ كتل ضخمة من الجماهير المفقرة والمهمشة ،وبالتالي يمكن تفسير عدم قدرة التنمية الرأسمالية هنا على مواجهة أدنى مطالب الأغلبية العظمى من الشعب.
فليس اعتباطا أ ن، تلتقي موجة الغضب الشعبي ضد السياسات المتبعة في جميع مناطق المغرب وخاصة المناطق الأكثر تضررا والهامشية (الريف ،الشرق والجنوب)مع موجة مقاطعة الانتخابات في السنوات الأخيرة ،وهذا يعني أن السياسة التي يجري تطبيقها أصبحت فقط تعبر عن “وعود” بالتنمية الاقتصادية والديمقراطية أي تحولت إلى اديولوجية لإنكار الواقع الحقيقي وهو الذي يجسده الاقتصاد من خلال ديكتاتورية السوق التي تفرض البؤس الاجتماعي والإقصاء و التهميش وبعبارة أخرى تحول الناس إلى عبيد سخرة لخدمة الرأسمال وتوسعه اللامحدود.
حسن الصعيب