قراءة في وثيقة مطالب الحراك الشعبي بإقليم الحسيمة
محمد موساوي

سؤال لا بد منه
يتساءل المرء: كيف لحراك شعبي سلمي أتى بوثيقة مطالب علنية واضحة أن يستتبع كل هذه التطورات النوعية التي طرأت و لا تزال تتناسل في الوضعية السياسية بالمغرب ؟
للإجابة وجب ما يلي: استحضار السياق، قراءة وثيقة المطالب للإطلاع على مضمونها و فهم مغازيها ، و استنباط الشروط الضرورية لتحقيقها.
في السياق
بحلول 28 غشت تكون مرت عشرة أشهر على مصرع المواطن محسن فكري سحقا في حاويةشاحنة لنقلالأزبال بمدينة الحسيمة. وقد نتج عن هذه الفاجعة الأليمة زلزال احتجاجي ـ كان مركزه الحسيمة ـانتظم مند أسبوعه الأول في حراك شعبي سلمي عارم، فرض نفسه كفاعل اجتماعي جماهيري نموذجي أفلح مند البدء في صياغة وثيقة مطالب متميزة. و قد أبان وهو يتنامى ويتسع عن عزيمة قوية في الثبات و عن استعداد عال للتضحية والإبداع النضالي بمختلف الأشكال.وفي غضون بضعة أيام صار الحراك الشعبي بالريف قضية كل الحرائر و الأحرار في البلاد كما حظي بتضامن مغاربة المهجر.
عندما أيقن النظام المخزني أن الحراك الشعبي بالريف عصي عن الترويض – رغم كل محاولات التطويع والاستدراج المختلفة وبعد فشل كل الوساطات الخالصة والخبيثة ـ وأنه آخذ في الإنتشار إما تضامنا واجبا أو قدوة ملهمةعبرالبلاد وبالخارج على السواء، شرع في مقاربة قمعية صريحةتـصاعدية بهدف إخماد النيران وقتل النموذج. كان من نتائجهذه الحملة/الحركة المخزنية اعتقال المئات ومحاكمة العشرات، كما تسببت في استشهاد مواطنين اثنين من الحسيمة، هما الشاب عماد العتابي والكهل عبد الحفيظ الحداد. وفي نفس الوقتأدخلت النظام في ورطة سياسية نعتها الكثيرون بأخطر أزمة يعاني من تبعاتها في عهده الجديد، إذ أصبح النظام في مواجهة جبهة عريضة تضم المعتقلين وعائلاتهم والمناصرين لهم في الداخل والخارج.
في مضمون و مغزى وثيقة المطالب
بناء على الوثيقةالتي تم نشرها وتداولها على نطاق واسع ( انظر النص المرفق في الإطار)، من السهلتسجل ما يلي:
ـ تشكل الوثيقة باكورة النقاش العمومي الجماعي حول المشاكل المترتبة عن “الواقع المزري الذي يعيشه الريف عامة في مختلف القطاعات (الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية،..)”؛
ـ تضم الوثيقة مجموعة من المطالب يفوق عددها الستين، موزعة بحسب طبيعتها كالتالي: حقوقية ( 2)،قانونية (2) اجتماعية (19) ، اقتصادية (33)، وإدارية (5) . وقد تمت بلورتها بطريقة تشاركية انطلاقا من قائمة أصلية من 21 مطلبا؛
ـ تمثل الوثيقة مبادرة طموحة متميزة حيث تناولت كافة القضايا ذات الأهمية لأي برنامج حقيقي للتنمية يستجيب لحاجيات المواطنين الملحة؛ ولهذا فإنهاتشكل بديلا شعبيا عن تقاعس الدولة في تحمل المسؤولية للإيفاءبالالتزامات الحقوقية التي صادقت عليها؛
ـ نصت الوثيقة على مطالب عمومية مشتركة(حقوقية،قانونية، اجتماعية، اقتصادية و إدارية ) كما استهدفت في تدقيقها كل فئات الشعب :عمال، فلاحين صغار، معطلين، طلبة وطالبات، تجار صغار، مقاولين صغار؛ مع إيلاء انتباه خاص لمقاربة النوع (أطفال، شباب، فتيات ونساء)؛ وقد تم إرفاق كل منها بتعليلات و شروحات مستفيضة،كلما اقتضى الحال، للبرهنة على عدالتها و تسهيلا للفهم و الإقناع؛
ـ أبرزت الوثيقة مطالب استعجالية تبين واضعيها، وهي: (1)الغاء ظهير 1.58.381 الذي يعتبر اقليم الحسيمة منطقةعسكرية وتعويضه بظهير يعلن اقليم الحسيمة منطقة منكوبة (2) إسقاط كل المتابعات القضائية في حق بسطاء مزارعي القنب الهندي بإقليم الحسيمة والمناطق الأخرى، (3) بناء جامعة متكاملة التخصصات، وما يستلزمها من مرافق، (4) إتمام أشغال المستشفى الإقليمي محمد الخامس وتوفير طاقم طبي في جميع التخصصات، مع وضع حد للفوضى والتسيب الذي يعيشه المستشفى، (5)
بناء مستشفى خاص بالسرطان في القريب العاجل بشتى مستلزماته وطاقمه الطبي (6) إصلاح قطاع الصيد البحري برمته[ 5 إجراءات للتفعيل ـ أ نظر الوثيقة] (7) جعل سهل النكور منطقة فلاحية لا منطقة إسمنتية تتسابق إليها لوبيات العقار، (8)تشجيع الفلاحين البسطاء وتقديم يد المساعدة لهم(9)تخفيض تسعيرة الماء والكهرباء، (10) مراقبة أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية وتخفيضها بما يتلاءم مع القدرة الشرائية للمواطنين، ووضع حد للوبيات المحتكرة لتوزيع تلك المواد الغذائية وبخاصة في مجال سوق الخضر والفواكه.
– تشكل الوثيقة، حسب واضعيها ( وهي حقا كذلك)أرضية صلبةلحراك أصيل سلمي حضاري ومستقل”بقيادة النشطاء الأحرار الممارسين لقناعاتهم بكل حرية ومسؤولية بعيدا عن وصاية أي تصور لحزب أو حركة أو تنظيم سياسي أو جمعوي”.

خلاصة 1 : الحق في التنمية
يتجلى مما سبق أن واضعي الوثيقة قرروا العزم الجماعي على ممارسة حقهم في التنمية كما هو متعارف عليه كونيا. إذ يعرف إعلان الحق في التنمية الذي أقرته الأمم المتحدة عام (1986م) عملية التنمية بأنها “عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان وكل الأفراد، والتي يمكن عن طريقها إعمال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية” . كما أكد الإعلان على اعتبار التنمية حقاً من حقوق الإنسان وجعل الهدف من التنمية هو تمكين الإنسان من الحصول على حقوقه. والهدف من وراء الحق في التنمية القضاء على الفقر والعمل على تدعيم كرامة الإنسان وإعمال حقوقه، فضلاً عن إدارة المجتمع والدولة بصورة جيدة وتوفير فرص متساوية أمام كل الأفراد، بهدف تحقيق كل حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والمدنية. ويشمل حق الإنسان في التنمية المحلية حرية المواطنين في تقرير المصير والتصرف الكامل في الثروات والموارد الطبيعية .
بناء عليه، إن كل محاولات تبرئة الدولة من مسؤولية إحقاق الحق في التنمية باطلة و بئيسة، سواء تحت ذريعة تقادم نموذج دولة الرفاهية التي انتهت صلاحيتها( و قد أفتاها أحد منظري وجوب التحكم )، أو بدعوى عدم واقعية المطالب المطروحة، رغم عدالتها، نظرا للإمكانيات المالية الكبيرة الواجب توفرها للاستجابة لحاجيات مماثلة في مناطق عدة أخرى (هذا ما تبنته كل الأحزاب الحكومية و جزء كبير من جمعيات الوساطة).
في الشروط الضرورية لتحقيق المطالب
إن ما أزعج أو أفزع ( حسب الحالات) كل السلطات بمختلف أنواعها ومستوياتها هو إقرانالحراك الشعبي بالريف القول بالشروع في الفعل بناء على منظور جماعي للتغيير المجتمعي الحر الشامل أيضا للبعد السياسي المستقل، وبرنامج ملموس قابل للتحقيق رأت فيه الطبقات الشعبية عهدا ملزما لا عاش من خانه . لذا لم يتأخر كل المستفيدينمن الوضع الحالي على تمزيق قفازاتهم الناعمة و الكشف عن قبضاتهم القمعية و تجديد آيات الخنوع لولي ذلهم بإمطار المطالبين بحقوق مشروعة بكل النعوت المشيطنة و التخوينية وحتى تبرير الدعوة لتطبيق القانون بكل صرامة لاسترجاع هيبة الدولة.
لذا بات من الضروري الإقرار بأن الشروع في الاستجابة لمطالب الحراك الاجتماعي بالريفيبدأبالاعتراف الرسمي من طرف الدولة بعدالة المطالب وبممثلي الحراك كطرف شريك كامل الصفة في تفعيل وثيقة المطالب. وهذا يستتبع طبعاالإفراج الفوري بدون قيد أو شرط عن معتقلي الحراك .
خلاصة 2: الآفاق
إذا لم يتم هذا سريعا فليس مستبعدا أن يتطور الحراك إلى مرحلة الفعل المباشر حيث يتولى المواطنون إعمال حقهم في التدبير الذاتي لشؤونهم من أجل القضاء على الاستبداد والقهر والظلم والفساد و إحقاق مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة الكاملة، حيث لا مخزن ولا رعية.