في صيرورة التاريخ.

حققت البشرية خطوات هائلة لمعرفة تاريخها وذلك بفعل تضافر جهود العديد من العلوم وبروز تخصصات سواء في مجال البحوث العملية او النظرية.مكنت هذه المعرفة من اكتشاف قوانين تطور هذه المجتمعات البشرية وألقت اضواء كاشفة على الحاضر والمستقبل.وكان لاستنباط قوانين الديالكتيك في البداية كقوانين فلسفية تهم عالم الفكر اكبر الاثر لربما يعادل او حتى يفوق اثر اكتشاف النار بالنسبة للإنسان البدائي. شكل هذا الاكتشاف للديالكتيك وقوانينه ارضية خصبة لتطور العديد من العلوم سواء في جانبها النظري او التطبيقي خاصة منذ ان اصبح الديالكتيك ماديا وغادر عالم الفكرة او طابعه المثالي. في هذا الاطار نشأت مدرسة المادية التاريخية والتي حللت الظواهر الاجتماعية بربطها بقاعدتها المادية المحكومة بقانون التناقض اساس ديناميتها التي هي ترجمة تفاعل العوامل من التراكم الكمي والى القفزة النوعية.
هكذا تمت البرهنة على ان البشرية انتقلت عبر مراحل التاريخ من مجتمعات ذات خصائص محددة بطبيعة نمط الانتاج السائد؛ فانتقلت من مجتمع المشاعة البدائية حيث سادت الملكية الجماعية – المشاعة البدائية – الى مجتمع جديد ظهرت فيه الملكية الخاصة؛ وهكذا ظهر المجتمع العبودي وبعده المجتمع الاقطاعي، وعرفت العديد من المناطق بل قارات او اجزاء منها نوعا مختلفا من مجتمعات تداخلت فيها انماط انتاج مختلفة سمي بنمط الانتاج الاسيوي ثم ظهر المجتمع الرأسمالي القائم على نمط انتاج الرأسمالية.حظي هذا المجتمع بدراسات متعددة اهمها الاعمال الرائدة التي قام بها ماركس وانجلس والذين اكتشفا قوانين نمط انتاج الرأسمالية والتناقضات الاساسية وكيفية فعلها.كان لهذين المفكرين الفضل في تحديد طبيعة نمط الانتاج الرأسمالي وبينا انه ينبني على 3 قواعد وهي: 1- الملكية الخاصة. 2- السعي وراء الربح.3 – العمل الماجور من اجل البقاء على قيد الحياة.في موضوع صيرورة هذا المجتمع توصل القائدين البروليتاريين ماركس وانجلس الى حقيقة ان هذا المجتمع بدوره مجتمع خاضع للتطور ومحكوم عليه بالزوال وإخلاء المكان الى مجتمع ارقى حيث تنتقل الملكية الخاصة لوسائل الانتاج الى ملكية جماعية تصبح ملكية المنتجين المباشرين.
وكجميع الحقائق العلمية يكون للتجربة والممارسة العلمية كلمتها الاخيرة في الحكم على مصداقية تلك الحقيقة او تعويضها وتعديل الصياغة واكتشاف قوانين جديدة.وفي اطار التجربة التاريخية لعملية الانتقال من المجتمع الرأسمالي الى المجتمع الاشتراكي تحققت تجارب هامة بداية من ثورة البروليتاريا واقامة دولة كومونة باريس والتي لم تعمر إلا اربعة اشهر وفشلت لكنها كانت غنية بما لا يقاس بالدروس وبالاستنتاجات النظرية مكنت من المزيد من تدقيق المفاهيم واغناء الممارسة السياسية للبروليتاريا وتلتها الثورة البلشفية والصينية.
بدورهما تكللت هذين الثورتين بالفشل لكنهما حملتا من الدروس ما بات معه الانتقال الى الاشتراكية اكثر واقعية، وترسخت القناعة بان في هذا الانتقال سيكون صعبا وشاقا وفيه يكمن خلاص البشرية من الاخطار التي باتت تهدد الحياة على كوكب الارض بفعل همجية النظام الرأسمالي المتعطش الى الربح والاستغلال.
تبرز التجربة التاريخية ان هذا الانتقال من المجتمع الرأسمالي الى المجتمع الاشتراكي تحول نوعي يجري على قاعد مختلفة ومتناقضة تماما عن القاعدة التي تم بها لحد الساعة- ماعدا من المجتمع الشيوعي البدائي – اي الانتقال من مجتمع الى اخر على قاعدة الحفاظ على الملكية الخاصة.ان الانتقال الذي نحن بصدده هو من مجتمع الملكية الخاصة الى مجتمع الملكية الجماعية.اننا بصدد الانتقال من مجتمع طبقي الى مجتمع غير طبقي.ان هذا الانتقال اذا ما قارناه بتطور الاجناس حسب نظرية داروين، يشبه الى حد كبير ذلك الانتقال من عالم الحيوانات الى عالم الانسان.
التيتي الحبيب
14/10/2017