محمد يوسفي

النموذج الاقتصادي المغربي في حالة إفلاس
– كفى من السياسات الليبرالية –

قدم السيد ادريس جطو امام البرلمان يوم 4 يوليوز2017 الاخير تقريرا (1) حول الوضعية الاقتصادية للمغرب وهو التقرير الذي ابرز من خلاله ان الاقتصاد المغربي يعيش فعلا سكتة قلبية و انطلاقا من قناعتنا ان الازمة الاقتصادية في بلدنا ازمة بنيوية وان النموذج الدي تبناه المخزن منذ اقصاء حكومة عبد الله ابراهيم لم يكن يهدف الى خلق الثروة لجميع ابناء وبنات هذا الوطن ولا الى خلق فرص عمل فإننا
سنحاول في هذا المقال تحليل مكامن الخلل والوقوف على الاثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه السياسات وفي الاخير تحديد المسؤوليات .
معطيات المجلس الاعلى للحسابات :.I
ان مجموع المؤشرات الاقتصادية التي ادلى بها المجلس الاعلى للحسابات تبين ان الاقتصاد المغربي يمر بمرحلة افلاس
– ارتفاع عجز الحساب الجاري لميزان الإدارات بنسبة %100
سنة 2016.
-ارتفاع عجز الميزان التجاري بلغ %19.3 مما زاد في وضعية اختلال بين التصدير والاستيراد.
-عجز الخزينة العامة ب40.56 مليار درهم اي ما يعادل %4.1 من الناتج الداخلي الخام مقابل %3.5 كما كان مطروح في المشروع المالي لسنة 2016.
-المديونية ارتفعت من 629 مليار درهم في 2015 الى 657 مليار درهم في سنة 2016 اي ما يعادل %81.3 من الناتج الداخلي الخام.
– مؤسسات عمومية في وضعية شبه إفلاس نتيجة عدم تأدية الحكومة لمستحقاتها مما ادى الى إرتفاع مديونيتها الى %321 عام 2014 وهكذا فالمؤسسات العمومية ذات البعد الاستراتيجي تعيش استنزاف مالي واداري.

– التراجع الحاد في الميزانيات الاجتماعية:
فبعد ضرب صندوق المقاصة والإجراءات “المؤقتة” في نظام التقاعد يبين المجلس ان جميع القطاعات الاجتماعية تعيش ازمة حقيقية:
1- المستوى الصحي:
المراكز الاستشفائية لا تتوفر على تخصصات عديدة خصوصا الانف والحنجرة اما المراكز الاستشفائية المحلية فتغيب فيها خدمات الانعاش وطب الاطفال ولا نجد الا ممرض واحد لكل 60 سرير اما عدد الاطباء فتلك فاجعة كبرى. وقد وصل موعد الجراحة الى سبعة اشهر! انها تنزل عن المعدل الافريقي ولا تبشر الا بإفلاس السياسة الاستشفائية.
2- المستوى التعليمي:
يعترف المجلس بان القطاع يعرف ازمة حقيقية على مستوى الاطر والبرامج والبنايات بل اكثر من ذلك ازمة بنيوية.
هدر مدرسي يصل الى 300000 تلميذ وتلميذة منذ 2010 وذلك نتيجة عوامل متعددة من بينها: المدرسة لم تعد وسيلة للترقي الاجتماعي ثم ضعف وهزالة دعم المطاعم المدرسية: 1.40 درهم لكل تلميذ(ة)! بالإضافة الى التراجع عن منظومة تيسير التي عرفت تلاعبات خطيرة لإعانة التلاميذ المعوزين وانتشار الهشاشة بين موظفيه وغياب اي مضمون تفتحي للمقررات…
بالإضافة الى هذا التقرير سنحاول سرد بعض نماذج من المشروع “التنموي المغربي” والتي تعيش نفس الوضعية.
المخططات القطاعية والاوراش الكبرى .II
منذ بداية ما سمي بالعهد الجديد ارتكزت محاور الاقتصاد المغربي على
– المخططات القطاعية
– الاوراش الكبرى للبنية التحتية
– الإتفاقيات الدولية للتبادل الحر
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية(2)
ان هذه المشاريع هي امتداد للخط الليبرالي الذي دأبت عليه الدولة المخزنية مند بداية الثمانينات والتي شكلت البدايات الاولى للتماهي مع سياسات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.
أ- المخططات القطاعية: إنعاش من أجل الصناعة 2015 – المغرب الرقمي – رؤية 2020 للسياحة – رؤية 2015 للصناعة التقليدية – المخطط الأخضر- استراتيجية التنمية والتبادل التجاري – الرؤية الاستراتيجية لقطاع التعليم… اكثر من 40 مخطط قطاعي في أفق زمني ومبني على دراسات غير علمية من مكاتب دراسات خارجية في اطار علاقات زبونية تهدف الى التركيز على البهرجة الإعلامية أكثر من المردودية. مشاريع تتعارض فيما بينها في بعض الأحيان ولم تخضع لأي نوع من الرقابة والتقييم ولم تنتج لحد الساعة أية قيمة مضافة بل بالعكس كان لها وقع سلبي على الاقتصاد الوطني.
– قطاع السياحة: قطاع كان يرجى منه بلوغ 20 مليون سائح في متم 2020، لم يحقق طيلة الخمس سنوات الاخيرة سوى 10 مليون سائح، بما فيها المهاجرين المغاربة بالخارج. -المغرب الاخضر: لقد شكل القطاع الفلاحي حجر الزاوية في الاقتصاد المغربي الا ان هذا القطاع الذى لازال يخضع للتقلبات الجوية لم يساهم في خلق مناصب شغل بل بالعكس فقد ما بين 1999 و 2014 أكثر من 200000 مناصب شغل.(3) – مخطط انبعاث الصناعي: فبالإضافة الى كونه مخططا لا يهدف الى خلق بنية صناعية بالبلد بل بالعكس يشكل خطرا على الاقتصاد المغربي انطلاقا من طبيعة الصناعات المنجزة (المواد الصناعية كلها مستوردة والمعامل المتواجدة على ارض الوطن ماهي الا فرعية) بالإضافة لاستفادته من إعفاءات ضريبية ومالية منقطعة النظير في منطقة مينا.
ب- الأوراش الكبرى: ونقصد بها المشاريع العملاقة: ميناء طنجة المتوسط – القطار الفائق السرعة البيضاء طنجة – قنيطرة اطلنتيك – مشروع ورزازات للطاقات المتجددة… يجب تسجيل ان هذه المشاريع لم تر النور الا بفضل صناديق عمومية ومديونية جائرة وكل هذه المخططات خارج المساطر الديمقراطية. من جهة أخرى كل هذه المشاريع لا تلبي الحاجيات الاساسية لشريحة واسعة من المواطنين وبالتالي فآثارها على الانتاجية، التشغيل، المداخيل، التوزيع الترابي ضعيف ان لم نقل منعدم ويكفي الرجوع لشهادة المندوبية السامية للتخطيط لفهم انه “خلال العشر سنوات الاخيرة فان المغرب زاد من نسبة الاستثمارات ولكن لم يحصد لا نسبة مئوية من التنمية ولا من إحداث مناصب شغل”. (4) ج- اتفاقيات التبادل الحر: منذ اتفاقيات ايكس ليبان والتي كانت تهدف الى جعل المغرب بلدا “مستعمرا / مستقلا” والدولة تفتح ابواب الوطن أمام الشركات الاجنبية ابتداء من اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1994 الى الانضمام الى منظمة التجارة العالمية والقبول بجميع بنودها سنة 1995. فالمغرب وقع لحد الساعة على 56 اتفاقية تبادل حر(6) مع الولايات المتحدة الامريكية-أوروبا-تركيا-الدول العربية… وتهدف كل هذه الاتفاقات الى تخلي الدولة عن مسؤولياتها الضبطية لصالح الشركات ثم رفع كل انواع الحواجز الجمركية والادارية امام الرأسمال العالمي، ورغم الانتقادات المحتشمة للمجلس الاقتصادي الاجتماعي والبيئي لهذه الاتفاقيات وآثارها المدمرة(5) إلا أن الدولة المخزنية مصرة على المضي في هذا النهج لاعتبارات سياسية بالدرجة الاولى مرتبطة بقضية الصحراء.
د- المبادرة الوطنية للتنمية البشرية: ان ترتيب المغرب في سلم التنمية البشرية 123 من بين 188 دولة كاف لفهم طبيعة المبادرة. بعض النتائج المرتقبة: .III
في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية التي لن تزداد الا استفحالا وفى ظل علاقات التبعية للاقتصاد الأوروبي الذى يعيش ازمة خانقة منذ 2008 فإننا سنعيش:
– إغلاقات متتالية للمقاولات المتوسطة والصغرى نتيجة عدم قدرتها على منافسة الشركات الاجنبية.
– انتشار كبير للبطالة بالنسبة للفئات النشيطة سواء حاملي السواعد او حاملي الشواهد. – ظهور علاقات هشاشة للعاملين بالقطاع العام تدفع هؤلاء الى بطالة مقنعة مما سيدفع غالبيتهم الى القيام بأعمال أخرى مقابل دخل تكميلي. – تنامي القطاع الغير المهيكل وانتشاره وتفشيه في جميع القطاعات. – تنامي التفاوت الطبقي بشكل صارخ.
كل هذه النتائج ستؤدي بالدولة الى الإمتثال لأوامر صندوق النقد الدولي والتي تستهدف بالدرجة الاولى المواطن الكادح والعامل البسيط والأجير عبر الزيادات في الضرائب، عبر تحرير الدرهم، عبر الزيادة في الميزانيات السيادية (الداخلية بالخصوص) على حساب القطاعات الاجتماعية.

خلاصة : إننا امام أزمة عميقة ظاهرها إقتصادي لكن عمقها سياسي تتحمل مسؤوليته السلطة السياسية في المغرب وهذه السلطة لا تخضع لأي مساءلة وأي نقد وأي تقويم. إننا امام انهيار النموذج التنموي للدولة المخزنية والذي سيدفع إلى مزيد من التخلي عن السيادة الوطنية.
الهوامش:
(1) :www cour des comptes . ma
(2) Najib Akasbi ,Economie politique et politiques sociales .Volume XIV avril 2017
(3) HCP ,etude sur le rendement du capital physique au Maroc ,Rabat, janvier 2016,tableau2,p14
(4) Najib Akasbi ,op cit
(5) CESE,2014 ,p28
محمد يوسفي