في الأسباب العميقة لسيرورة الفقر في المغرب
حسن الصعيب

أسدل النظام المخزني الستار عن آخر فصول مسرحيته الانتخابية، بتنصيب جماعات ومجالس محلية وجهوية، ومجلس مستشارين، تتشكل من نخب عصرية واعيان، ستكون أولى مهامها المركزية وأجندتها السياسية هي تطبيق البرنامج الاقتصادي والاجتماعي، المحدد سلفا من قبل المانحين والدائنين الدوليين، أي تكريس السياسات الاقتصادية والاجتماعية المملاة من طرف السلطات المالية الثلاثة: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، والسهر على تنفيذ الشطر الثاني من بنود اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يؤكد التلازم الجدلي بين “ديمقراطية الواجهة” و”اقتصاد السوق” بل ويدعم نظام الحكم الاستبدادي والفاسد المقرون بعملية “قمع اقتصادي” موازي.
إن ترجمة هذه السياسات على ارض الواقع سيؤدي في السنوات القادمة إلى المزيد من تركيز السلطة والثروة في أيدي أقلية اجتماعية، فيما سيتعمق مسلسل التفقير والتشريد بالنسبة للأغلبية الساحقة من الشعب، المنزوعة منه وسائل العيش الضرورية والفاقدة لشروط حياة كريمة.
في هذه المقالة سنحاول تحديد المضمون الاجتماعي للفقر في الخطاب الماركسي، لنعرج إلى إبراز تهافت “خطاب الرأسمالية” حول “القضاء على الفقر” أو “التخفيف من آثاره الاجتماعية” ثم نخلص إلى الحديث عن الأسباب العميقة لسيرورة الفقر في المغرب وسبل تجاوزه من منظور تحرري.
1-المضمون الاجتماعي للفقر في الخطاب الماركسي
صاغ ماركس تصوره للفقر، بشكل أكثر وضوحا في الفصل الثالث والعشرين من الكتاب الأول لراس المال، حيث عرض “قانون السكان” الذي ينظم العلاقات بين الإنتاج والسكان في إطار نمط الإنتاج الرأسمالي.
“إن الفاقة هي دار العجزة لجيش العمال الفعلي، والوزن الميت في الجيش الصناعي الاحتياطي، وإنتاج فائض السكان النسبي ينطوي ضمنا على انتاج الفاقة، وضرورتها تنبع من ضرورته، وتشكل الفاقة يدا بيد فائض السكان، شرطا لوجود الإنتاج الرأسمالي، ولنمو الثروة، وهي تدخل في باب المصاريف غير المثمرة للإنتاج الرأسمالي، لكن الرأس المال يعرف كيف يتدبر إزاحة القسم الأكبر من هذه النفقات عن كامله، وإلقاء العبء على الطبقة العاملة والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى”.
كما حلل ماركس الأشكال المختلفة لهذا الفائض النسبي من السكان الذي يتركب من عدة شرائح:
– فائض السكان العائم المتكون من عمال المدن الذين يشغلون في فترات الازدهار ويقذفون خارج الدورة الإنتاجية أثناء فترات الأزمات.
– فاض السكان المستتر المسمى هكذا لأنه يمكن أن يتحول في أية لحظة إلى فائض سكان عائم، تتكون هذه الفئة من كل أولئك الذين انتزعت ملكيتهم اقتصاديا في الريف وأصبحوا مستعدين للتحول، بين عشية وضحاها إلى بروليتاريين، وهم ملاكون صغار مفلسون ومزارعون صغار بدون ارض وعمال زراعيون لا يشتغلون إلا بصفة ظرفية ومؤهلون في كل لحظة لتغذية النزوع الريفي.
– فائض السكان الراكد المتكون من “العديد الفائض عن الصناعة الكبرى” أي الذين فقدوا كل أمل بالحصول على عمل ثابت ووجب عليهم الاكتفاء بمشاغل غير منتظمة مشكلين بذلك جيشا احتياطيا لا ينضب من قوة عمل جاهزة، وآخر شكل لهذا الفائض هو الإفقار” الرسمي بالمعنى الدقيق والضيق للكلمة وهو يشمل، خاصة الجموع التي تتمكن من البروز كقوة عمل: المعاقون المرضى، الأطفال، الأرامل، العمال بدون تأهيل أي ذلك الجزء من “الطبقة العاملة الذي أصبح لا يعيش إلا من “الصدقات العمومية بسبب فقده لشروط وجوده أي بيع قوة العمل”.
إن الجيش الصناعي الاحتياطي، أي السكان الفائضين يثقل جيش العمل قيد الخدمة خلال فترات الركود وفترات الانتعاش الوسطى، أما خلال فترات فائض الإنتاج واشتداد حمأته، فانه يلجم طموحات هذا الأخير، وعلى هذا فان فائض السكان النسبي هو الأرضية التي يتحرك عليها قانون الطلب على العمل وعرضه.
ولإعطاء صورة جلية عن المضمون الاجتماعي للفقر، يعتبر ماركس انه “كلما تعاظمت الثروة الاجتماعية وراس المال الناشط، وتعاظم نطاقه وطاقته على النمو، وتعاظم بالتالي المقدار المطلق للبروليتاريا والقدرة الإنتاجية لعملها، تعاظم جيش الصناعة الاحتياطي. إن الأسباب نفسها التي تنمي القدرة التوسعية لراس المال، إنما توسع قوة العمل المتاحة رهن التصرف، وبالتالي فان الحجم النسبي للجيش الصناعي الاحتياطي يزداد بازدياد الطاقة الكامنة للثروة ولكن كلما كان هذا الجيش الاحتياطي اكبر بالمقارنة مع جيش العمال الفعلي، تعاظم فائض السكان الدائم الذي يتناسب بؤسه تناسبا عكسيا مع عذابات عمل جيش العمال الفعلي، وأخيرا كلما اتسعت الفئات المعدمة من الطبقة العاملة، واتسع الجيش الصناعي الاحتياطي، تعاظمت الفاقة الرسمية وهذا هو القانون العام المطلق للتراكم الرأسمالي، وهو يتعدل، شأن كل القوانين الأخرى بفعل ظروف عديدة….”
2 نقد خطاب الرأسمالية :
انتعش في السنوات الأخيرة ، خطاب اقتصادي يمجد مزايا الرأسمالية مباشرة بعد المرحلة التي تلت تعميم النموذج النيوليبرالي منذ بداية الثمانينات، وتعززت قبضته في المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث الاجتماعي في مختلف بقاع العالم، خصوصا مع انهيار الاتحاد السوفياتي وانهيار جدار برلين مع نهاية الثمانينات وبروز المنظمة العالمية للتجارة في أواسط التسعينيات.
ويتم تقديم الواقع الاجتماعي والاقتصادي عبر مجموعة واحدة من العلاقات الاقتصادية الزائفة تخدم غاية واحدة هي لإضفاء طابع الديمومة والأفضلية لنظام إنتاجي مؤسس على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وعلاقات الاستغلال والهيمنة من اجل التراكم الرأسمالي لتحقيق الربح كهدف نهائي على حساب تدمير الإنسان والبيئة و الثقافة .
ولم تسلم منظمة الأمم المتحدة في ظل سيطرة النيوليبرالية من تأثير هذا الخطاب ، إذ باتت تتبنى وبدون وجل تعاليم السياسة النيوليبرالية، مجسدة خطابا أخلاقيا للغاية يرتكز على أطروحة “التنمية المستدامة”و “تخفيف الفقر “، بحيث جعلت من أهدافها الأولى للألفية الجديدة هي تقليص الفقر بالنسبة لسكان العالم إلى النصف مع حلول سنة 2015 .
ليس الانخفاض العالمي في مستويات المعيشة كنتيجة ندرة الموارد الإنتاجية كما كان الحال في الفترات التاريخية السابقة.فالواقع أن عولمة الفقر حدثت في فترة تقدم تكنولوجي وعلمي سريع. في حين أسهم هذا التقدم في زيادة الطاقة الكامنة للنظام الاقتصادي على إنتاج السلع والخدمات الضرورية فإن اتساع مستويات الإنتاجية لم يترجم في الواقع إلى انخفاض مقابل في مستويات الفقر العالمي .
وحسب منظمة العمل الدولية يعاني من البطالة أزيد من مليار من البشر أي ما يقرب من ثلث القوى العالمية ، كما أسهم ارتفاع مستويات البطالة الوطنية في كل من بلدان المركز وبلدان المحيط إلى انكماش في الأجور الحقيقية .
وتعمل البطالة العالمية، كأداة “تضبط” تكاليف العمل على المستوى العالمي وتساهم الإمدادات الوفيرة من اليد العاملة الرخيصة إلى انكماش في الأجور. ويؤدي انخفاض الأجور وتكاليف الإنتاج إلى هبوط القوة الشرائية وهي سمة استغلال “العمل الرخيص” وحيث يتحرك “راس المال المنقول ” نحو احتياطيات” العمل الثابت ” يتحرك رأس المال “بحرية ” من سوق عمل إلى أخر فإن العمل يمنع من عبور الحدود الدولية، فسوق العمل الوطنية دائرة مغلقة بحدود شديدة الحراسة.
ويقوم النظام على الإبقاء على “احتياطيات العمل ” داخل حدود كل دولة.
إن “الجيوش الاحتياطية ” للعمل في مختلف البلدان و “فائض السكان العالمي ” هو الذي يحكم الهجرة الدولية لرأس المال الإنتاجي في نفس الفرع الصناعي من بلد إلى أخر.
فالرأس المال الدولي (الشراء المباشر أو غير المباشر لقوة العمل) يتحرك من سوق عمل وطنية إلى سوق أخرى.
ومن وجهة نظر الرأس المال تتكامل”احتياطيات العمل الوطنية ” في مجمع احتياطي دولي واحد يدفع فيه العمال من مختلف البلدان إلى منافسة صريحة مع بعضهم بعضا.
وتصبح”البطالة العالمية” رافعة لتراكم رأس المال العالمي “تضبط” تكلفة العمل في كل من الاقتصادات الوطنية ، وينظم الفقر الواسع التكلفة الدولية للعمل.كما أن الأجور محكومة على مستوى كل اقتصاد وطني بالعلاقة بين المدينة والقرية، فإن الفقر في البادية ووجود كتلة واسعة من العاطلين وعمال الزراعة الموسميين والمعدمين يتجهان إلى تشجيع انخفاض الأجور في اقتصاد الصناعة الحضري .
3 – سيرورة الفقر في المغرب:
دأب النظام المخزني منذ الاستقلال الشكلي وعبر خبراءه الاقتصاديين والسياسيين على فرض نموذج اقتصادي ليبرالي تبعي ، يعتمد على الاستدانة من الخارج واجتذاب الاستثمارات الخارجية وزيادة الصادرات للحصول على العملات الصعبة الضرورية لشراء السلع الأجنبية. هكذا ربط مصيره بسياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولية من خلال ما يسمى ببرامج ” التقويم الهيكلي” تم أصبح عضوا في منطقة التجارة العالمية منذ احتضان تأسيسها سنة 1995 بمراكش والمصادقة على بنودها سنة 2001،إن الإشراف الثلاثي على هيكلة الاقتصاد الوطني يؤدي إلى مزيد من التقشف في ميزانية الدولة ، حيث تخفض نفقات الدولة في القطاعات الاجتماعية كالتعليم والصحة والسكن إلى مستويات أدنى إضافة إلى تخفيض سعر العملة وتحرير التجارة وخوصصة القطاعات الاستراتيجية الحيوية، كما أن العمل بموجب اتفاقيات التبادل الحر، حيث تفتح المناطق الحرة التي تسمح بالشركات الاحتكارية الكبرى بالتحكم في العملة وأسعار الصرف وأسعار الفائدة والرسوم الجمركية، وتدفق رؤوس الأموال وضبط السياسات المالية والضريبية وتلك المتعلقة بالموازنة والقطاع العام، في المجال الاقتصادي، أما على المستوى الاجتماعي ابتداء من الحد للأجور إلى المساعدات العائلية ، مرورا بالحرية النقابية وبنظام التقاعد والرعاية الصحية والتعليم .
فالرأسمالية تعرف كيف تقود مشاريع على المدى الطويل لتفكيك أنظمة الشغل المبنية على التضامن والوحدة.
تهدف سياسة القروض على تشجيع الاستمرار في استيراد كميات كبيرة من السلع الاستهلاكية بما فيها الأغذية الأساسية من البلدان الغنية (يستورد المغرب القمح من أوكرانيا والولايات المتحدة، في الوقت الذي كان فيه مكتفيا بذاته خلال العقود الثلاثة السابقة)، فالأموال التي توظف لدعم الزراعة التجارية من خلال ” المخطط الأخضر” لا يقصد بها الاستثمار في مشاريع زراعية كما يروج لذلك، بل تنفق القروض بحرية على الواردات السلعية بما فيها المواد الاستهلاكية المعمرة والسلع الترفيهية، لقد دفع المغرب أربعة أضعاف ما هو متوجب عليه وبالمقابل فإن ديونه الخارجية لم تنخفض بل على العكس فإنها كانت في سنة 2013 ضعفي ما كانت عليه خلال 1982 إذ بلغت سنة 2013 أكثر من 28 مليون دولار مقابل 13.600 مليون دولار سنة 1982. وأصبح معدل صرف القرض تقدر ب 600 مليون كل سنة، والتي شملت إصلاح القطاع المالي والسكن والماء و الطاقة والإدارة العمومية والمشاريع المتعلقة بالماء والتطهير في العالم القروي، التعليم، الطرق، التنمية البشرية.
لقد أدت سياسة التقويم الهيكلي هاته إلى أثار سلبية تمثلت في تجميد الأجور ووضع سقف للتوظيفات العمومية مما ساعد على تنامي عطالة ذوي الشهادات العليا وارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية وانهيار القدرة الشرائية بعد الإجهاز عما تبقى من صندوق المقاصة ، والدور سيأتي فيما بعد على نظام التقاعد وأنظمة الشغل بتفكيكها من خلال الإجهاز على الحق في الإضراب.
ارتفعت معدلات البطالة من% 10 عام 1983 إلى% 20.6 عام 1991، وانتقلت إلى% 22 سنة 1995 ثم انخفضت على التوالي% 18.1 عام 1996، %16.9 عام 1997 لترتفع مرة أخرى إلى% 22 سنة 1999، وبعد ذلك بدأت البيانات التي تنشرها المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى تراجع معدل البطالة إلى 11.3% سنة 2002 واستمراره في التراجع بعد ذلك إلى أن بلغ نحو 9.2% سنة 2013 مما يطرح علامات استفهام حول مصداقية هذه الأرقام. ولعل التلاعب في أرقام الفقر يحرف الوعي بالدور التخريبي الذي تلعبه أزمة الديون، وأثرها المدمر على معيشة الملايين وستتبع المؤسسات الدولية بما فيها منظمة الأمم المتحدة هذه الخطة داعمة المسار الاقتصادي السائد ومخلصة لفلسفة البنك الدولي التي تحدد مؤشر الفقر النقدي بأقل من دولار في اليوم ، والذي يزيد عليه قليلا ليس بفقير، مما يعطي الانطباع بأن الفقراء في العالم لا تزيد نسبهم بسبب كثافة برامج التنمية الاجتماعية والتحسن المسجل في الخدمات الاجتماعية.حسب ادعاء خبراء البنك الدولي وأنظمة الحكم الاستبدادية في الجنوب.
إن استمرار ترجمة وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لم تؤدي فقط إلى زيادة مستويات الفقر الحضري والقروي( 5 ملايين فقير حسب إحصاء المندوبية السامية للتخطيط، مع أخد بتحفظ، لأن العدد الحقيقي قد يكون مضاعفا، إضافة إلى 10 مليون أمي وغياب التغطية الصحية بالنسبة للملايين وغلاء الأدوية بسبب التحكم في أسعاره من قبل شركات الأدوية الاحتكارية العالمية ونسب الوفيات بالنسبة للأطفال خاصة الرضع بسبب تلوث المياه المختلطة بالواد الحار وبروز ظاهرة أطفال الشوارع ثم أطفال الهذر المدرسي) بل تضمن تخفيضا لقدرة الناس (بما فيهم الأسر المتوسطة) على دفع مقابل الخدمات الصحية والتعليمية المرتبطة بمشروع استعادة التكاليف وتجميد عدد خريجي الكليات والمدارس العليا وزيادة عدد التلاميذ لكل مدرس.فتقييد ميزانية التعليم وتخفيض ساعات الاتصال التي يقضيها الأطفال في المدارس خاصة في المناطق النائية، فالمدرس الآن يقوم بعمل اثنين فيما يسرح المتخرجون الجدد. والتضييق على التغطية الاجتماعية وزيادة النسبة المئوية للسكان الذين لا يحصلون على الخدمة الصحية وهي نسبة كبيرة أصلا. كل ذلك يؤدي إلى انهيار عام للرعاية الصحية والوقائية ونقص المعدات والإمدادات الطبية وسوء ظروف العمل في المستشفيات وانخفاض أجور الممرضين والممرضات واقتضاء رسوم تسجيل التي تعني خوصصة جزئية لخدمات اجتماعية فيما تبقى من مؤسسات عمومية.
وبخصوص الحصيلة المالية للخوصصة فيما بين 1993 و 2007 فقد حصلت خزينة الدولة على 83 مليار درهم عن بيع 73 وحدة وقد أفضت هذه العمليات إلى تناقص نسبة مساهمة المقاولات العمومية في الناتج الداخلي الخام الذي انتقل من 18 % سنة 1980 إلى10 % سنة 2002 ثم إلى 5.7 % في سنة 2006، والمعلوم أن الخوصصة في سياسات المنظمات الدولية ترتبط بإعادة التفاوض بشأن الدين الخارجي ويتولى الرأسمال الأجنبي والمشاريع المشتركة على أكثر المنشآت شبه عمومية وفي الغالب مقابل الدين الخارجي،وتوجه حصيلة هذه المبيعات التي تودع في خزينة الدولة، نحو نادي لندن وباريس وبكسب الرأسمال الدولي السيطرة على أهم مؤسسات الدولة وبتكلفة منخفضة جدا.
وتشمل الإصلاحات الزراعية القائمة منذ سنة 2008 من خلال ” المخطط الأخضر ” على تشجيع تركز الأراضي الفلاحية خاصة أراضي الجموع في يد الملاكين العقاريين الكبار ومصادرة أو رهن أراضي صغار الفلاحين عبر قروض السلفات الصغرى في أفق تكوين طبقة من العمال الزراعيين الموسميين أو المعدمين. كما تستخدم خوصصة الأرض هذه لخدمة الدين لأن حصيلة مبيعات الأراضي العامة (كشركتي صوجيطا وصوديا)وبمشورة من البنك الدولي تستخدم في توليد إيرادات للدولة توجهها الخزانة الوطنية للدائنين الدوليين.
أما تحرير التجارة واستحداث مناطق التبادل الحر بموجب اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة واتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، حيث الابناك الحرة معفاة من جميع رسوم التسجيل والتنبر المتعلقة بعقود التأسيس والزيادة في رأس المال وكذا عملية اقتناء العقارات اللازمة لإقامة مقراتها ووكالاتها. تستفيد أيضا الابناك من الضريبة على القيمة المضافة فيما يخص مشترياتها من المغرب مباشرة أو بواسطة مؤسسات الائتمان الإجباري من معدات وأثاث وسلع التجهيز الجديدة اللازمة لاستغلالها وكذا لوازم المكاتب الضرورية لمزاولة نشاطها وتعفى من هذه الضريبة الفوائد والعملات المرتبطة بعمليات القرض وبأية خدمات أخرى تنجزها هذه الابناك الحرة إضافة إلى استفادتها من استرداد مبلغ الضريبة على القيمة المضافة المؤداة عما اشترته من المغرب من معدات وأثاث التجهيز واللوازم المكتبية .
وبخصوص المناطق الحرة الخاصة بالتصدير كميناء طنجة المتوسط به مناطق حرة لوجستيكية تبلغ مساحتها 130هكتارومنطقتان صناعيتان حرتان تقع على بعد 25 كلم هما ملوسة 1 على مساحة 600 هكتار وملوسة 2 مخصصتان لاحتضان الصناعات الخفيفة الموجهة للتصدير وجميع هذه المناطق توفر للرأسمال الأجنبي خدمات وتسهيلات من مستوى عال، كما أنها معززة بنظام ضريبي جذاب كإعفاء البضائع الداخلية إلى مناطق التصدير الحر أو الخارجة منها، وكذا البضائع المحصل عليها أو الماكثة بها من جميع الرسوم والضرائب والضرائب الإضافية المفروضة على الاستيراد أو حركتها أو استهلاكها أو إنتاجها أو تصديرها .
إن تحرير التجارة يؤدي عادة إلى تفاقم ازمة ميزان المدفوعات فالواردات تحل محل الإنتاج المحلي ( في دائرة واسعة من السلع) وتمنح قروض جديدة سريعة الدفع لتمكين البلد من مواصلة استيراد السلع من السوق العالمي ، الشيء الذي يؤدي إلى كساد الصناعة الوطنية المحلية وتسريح العمال وفي أحسن الأحوال العمل بنظام المناوبة حيث يشتغل العمال لبعض الساعات في اليوم أو لبعض الأيام في الأسبوع أو الشهر.
كما يؤدي تشجيع الصادرات إلى فائض الإنتاج وتقليص عائدات التصدير ومن السخريات أن تشجيع الصادرات يؤدي في النهاية إلى انخفاض أسعار السلع وهبوط عائدات التصدير التي تسدد منها الديون الخارجية.
4 المنظور التحرري لتجاوز معضلة الفقر
بلور النظام برنامج التنمية البشرية في إطار إستراتيجية التعاون مع البنك الدولي الذي دعم 13 عملية بغلاف مالي بلغ 1.4 مليار دولار، تحت عنوان عريض هو ” تقليص الفقروالتهميش ” خلال سنوات (2005-2009) .
لقد خصصت للتنمية البشرية في المغرب منذ انطلاقها وحتى الآن 27 مليار درهم 10 مليارات صرفت ما بين 2006 و2010 في حين تم رصد 17 مليار درهم مابين 2011 و 2015.
لقد آلت هذه التجربة إلى الفشل الدريع، لأنها كانت مجرد ” آلية مرنة” لإدارة الفقر حيث يتم في نفس الوقت تفكيك مالية الدولة العامة وهذا البرنامج مقترن باستعادة التكلفة وخوصصة الخدمات التعليمية والصحية، إذ تشكل طريقة أكثر كفاءة لتنفيذ البرامج الاجتماعية، فالدولة تنسحب وكثير من البرامج الداخلة في اختصاصات الوزارات تديرها جمعيات المجتمع المدني التي تدبر بأقل تكلفة ومن خلال تهدئة الاضطراب الاجتماعي ونزع فتيل تعميق الصراع الطبقي، فائض الساكنة التي تعاني من ضروب العيش الحاطة بالكرامة، أو التي تئن تحت طائل التهميش والخصاص في كل شيء.
إن إدارة “الفقر” على مستوى الاقتصاد الجزئي أو من خلال ما يتم تداوله كاقتصاد اجتماعي وتضامني وهي بدعة جديدة خلقتها الرأسمالية لتحريف الوعي الطبقي. حيث يناهز رقم معاملات هذا القطاع 6 ملايير و500 مليون درهم ما يمثل 1% من الناتج الداخلي الإجمالي، وأوكلت ” لمكتب التسويق والتصدير” الذي أصبح يحمل اسم “مغرب التسويق” مهمة تأطير التعاونيات وتوفير الوسائل اللوجستيكية والنقدية والتسويقية لفائدتها وخلق عقود شراكة مع التعاونيات التي يناهز عددها 811 تعاونية. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل جهد التعاونيات إلى مقاولات صغرى ذات دخل قار ومنصف، إن وضع هذا الإنتاج الصغير والمشاريع الحرفية( الصناعة التقليدية) تحت وصاية وزارة الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني ليس سوى محاولات ترقيعية بهدف احتواء تنامي الاحتجاجات الشعبية والحيلولة دون هبات اجتماعية خصوصا في المناطق المهمشة.
إن تقييم هذه التجربة ووضعها في سياق دينامية الرأسمالية التبعية والمتمفصلة مع دينامية الرأسمالية على المستوى العالمي واستيعاب الأزمات الدورية التي تمر منها هي القمينة بوضع خريطة الطريق لبديل اجتماعي واقتصادي مناهض للرأسمالية ومتجاوز لها في ذات الوقت.
كما أن بلورة هذا البديل يفترض من القوى التقدمية واليسارية أن تأخذ بالحسبان مآل الانتفاضات الشعبية التي عرفها المغرب منذ سنة 1958 (انتفاضة الريف) مرورا بانتفاضات جوان 1981 بالدار البيضاء و84 بمراكش والشمال و1990 بفاس ثم انتفاضة صفرو 2007 وأخيرا وليس آخرا الهبة الشعبية الكبيرة لحركة 20 فبراير 2011، التي جاءت نتيجة تطبيق السياسات اللاشعبية.
فبدون تقييم هذه الانتفاضات الشعبية بشكل معمق والخروج بخلاصات سياسية متقدمة، من اجل استشراف المستقبل لن يكون بمقدور اليسار النهوض واحتلال المكانة السياسية التي تليق بتاريخه النضالي وتضحياته الجسام في سبيل مغرب حر ديمقراطي.
وإذا كان الهدف الاستراتيجي يتمثل في القطع مع نموذج التنمية القائمة على أسس رأسمالية وفك الارتباط بالمنظمات المالية والنقدية الدولية التي تزج بالشعوب في سجون البؤس الاجتماعي والثقافي والحروب الأهلية والفقر المتعدد الإشكال والأبعاد، فإن البديل المطروح على المستوى القريب والمتوسط ، يتطلب تعبئة شعبية من أجل إيقاف مسلسل الخوصصة وتحسين جودة ومجانية الخدمات العمومية، إجراء افتحاص الديون العمومية (الداخلية والخارجية) للمغرب مع النضال ضد إلغاء الديون غير الشرعية، والتراجع عن السياسات النيوليبرالية المملاة من قبل السلطات المالية الدولية، رفض ” المخطط الأخضر” والدعوة إلى إصلاح زراعي يستجيب للحاجيات الأساسية للشعب بدل توجيهها نحو التصدير، فرض ضريبة على الثروات الكبرى والنضال من أجل إصلاح جبائي وضريبي يؤدي إلى رفع الأجور وتوظيف ذوي الشهادات العليا، النضال من أجل السيادة الغذائية وتحقيق الأمن الغذائي، النضال من أجل الولوج إلى الخدمات العمومية وعلى الخصوص على مستوى الرعاية الصحية والتربية والتعليم ومحاربة الأمية، بالإضافة إلى رفع التهميش عن المناطق التي تعاني أكثر من غياب البنيات التحتية ولا تتوفر على موارد مادية من أجل العيش الكريم .