على هامش خطاب 13 أكتوبر الذي اعترف بأزمة النموذج التنموي المعمول به لحد الآن ،غير أنه لم يشر إلى طبيعة هذا النموذج ،ولا لأسسه الطبقية والسياسية ،وتعميقا للنقاش حول هذه المسألة ،نثير الانتباه من خلال هذه الدراسة إلى أزمة الغذاء المرتبطة بتدبير الأرض والماء ،باعتبار أن هذا التدبير هو قبل كل شيء سلطة مفوضة من طرف الجهات العليا وأداة لاستمرار هيمنتها.

الزراعة التجارية
وانعكاساتها على الأمن الغذائي في المغرب

تـقـــديـــــم:
في السنوات الأخيرة انخرط المغرب في سياسة الزراعة التجارية من خلال تنفيد مشروع “المخطط الأخضر “. يأتي هذا التوجه انسجاما مع منطق تسليع الخدمات والموارد الطبيعية الذي أقرته المنظمة العالمية للتجارة، منذ مصادقة المغرب على بنودها سنة 2001 ،وانسجاما أيضا مع روح اتفاقيات التبادل الحر المبرمة مع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية، التي بموجبها أصبحت الشركات الاحتكارية الكبرى تستثمر في الزراعة،التي تدر عليها أرباحا وريوعا طائلة وتهدد الأمن الغذائي في المغرب.
قبل التطرق إلى مضمون هذا المشروع ،لابد من الإشارة إلى السياق الدولي الذي يكرس الموجة الجديدة من مرحلة النيوليبرالية التي تخضع لها أنظمة الزراعة الغذائية في العالم.
1- تحولات أنظمة الزراعة الغذائية في العالم:
تعرف أنظمة الزراعة الغذائية في العالم تحولات خطيرة،على إثر خضوعها للعولمة الرأسمالية، إذ أصبحت أكثر فأكثر مندمجة وممولة وممركزة وخاضعة لاشتراطات الفعّالية الإنتاجية في الأمد القصير من قبل الشركات الكبرى المنتجة للزراعة من أجل التجارة.
هكذا، نشهد انبثاق نظام جديد للتغذية مطبوع بالصعود القوي للشركات المتعددة الجنسية، وهي لاتتجاوز أصابع اليد،تستحوذ على أسواق البدور والأسمدة والصناعة الغذائية .

الشركات نسبة السيطرة على أسواق البذور والأسمدة والصناعة الغذائية
MONSAUTE DU PONT 67%
SYNGUTA 82%
BASF CARGIL 89%

وتعتبر كارجيل من الشركات الرائدة في الصناعة الغذائية، فهي المسؤولة عن بيع 57% من مبيعات 30مادة مفصلة للعالم وتمثل37% من الوصفات التي تنتجها مائة شركة صناعية للأسمدة الغذائية والمشروبات و85% من سوق القمح والصوجا والذرة مراقبة من قبل ستة فاعلين و60% من سوق السكر من خلال أربع شركات و80% من سوق السكر والكاكاو من خلال ثلاث شركات كبرى.
هناك مجموعة أخرى من الشركات الاحتكارية الكبرى تراقب ربع الاحتياطي العالمي من البذور والأسمدة والصيد البحري، هذه الشركات تزرع دائما أراضي جديدة في بلدان الجنوب، حيث تفرض نماذجها في الصناعة كما في الاستهلاك الشعبي، بالنسبة للشعوب المقصية اجتماعيا ومهدمة بيئيا. كما تفتقد الساكنة إمكانية السيطرة على نظامهم الغذائي (الوصفات البيوتكنولوجي للزراعة التجارية).
من بين نتائج ذلك تهديد الأمن الغذائي والتنوع البيئي، فالشركات تفضل منح امتيازات للصناعة الزراعية والتجارية كحل نهائي لمشكل المجاعة من خلال ذريعة “الفعالية الإنتاجية”.
فأزيد من مليار نسمة يوجدون في وضعية ما تحت التغذية وملايين البشر يعانون من مختلف إشكال التغذية السيئة.
لا شك أن إتباع هذا النموذج يؤدي إلى تدمير الغطاء الغابوي والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية والاستعمال الهمجي للمواد المملوكة وتسارع حركة تعرية الأراضي وارتفاع في أثمنة البذور وتنامي الكوارث الصحية المرتبطة بنظام التغذية.
كما تؤدي أيضا، إلى الضغوط التنافسية القوية على صغار المنتجين والتبعية المتزايدة للواردات الغذائية وتفكيك الاحتياطات بالنسبة للبرامج العمومية الخاصة بدعم الزراعة، والقضاء على النظام الغذائي المحلي المستقل وإخضاعه للديون وللضغط المتزايد للأسواق واشتراطات المنظمات المالية الممولة.
2-تحولات القطاع الزراعي بالمغرب:
عرف هذا القطاع تحولا جذريا منذ العقود الثلاثة الأخيرة، تميزت المرحلة الأولى من الستينات إلى السبعينات، بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب والخضر والفواكه بفضل الدور الذي لعبه صغار المنتجين والمتوسطين في دعم السوق الداخلية وعدم خضوع الجزء الأكبر من الإنتاج الزراعي للتمرير الرأسمالي الموجه إلى تلبية السوق الخارجية، ثم سينتقل إلى مرحلة التكيف الهيكلي في الثمانينات من خلال تفكيك الدولة للنسيج الاقتصادي لصغار المنتجين والمتوسطين، ودفعهم إلى بيع أراضيهم والهجرة إلى المدن، فجاءت الموجة الأولى من النيولرالية خلال فترة التسعينات التي ارتكزت على خوصصة الشركات الوطنية، ووضع تشريعات جديدة لتلاءم هذه المرحلة والتي كان عنوانها العريض هو الاستيلاء على أجود الأراضي المملوكة للدولة من قبل الخواص وإخضاع الإنتاج الزراعي إلى اشتراطات الشركات الاحتكارية، خاصة التوجه إلى الصناعة الزراعية. وقد أدى ذلك إلى تفكيك الدعم الحكومي وتقليص تدخلها لصالح تشجيع صغار المنتجين والمتوسطين.
إما المرحلة الحالية، فقد انتقلنا من مستوى التنوع في الإنتاج الزراعي إلى مستوى سوق مندمجة وضيقة، مسيطر عليها بقبضة من حديد من قبل الشركات المتعددة الجنسيات التي أصبحت تتحكم في الشركات الوطنية المنتجة للأسمدة محليا، واختزال الأنظمة العامة لتنوع الخضروات، إلى دور بسيط لعمل المناولة.
هذا الدور المتعاظم للزراعة التجارية، لم ينطلق فقط من خلال اتفاقيات التبادل الحر والاستثمار الاقتصادي فقط، بل أيضا من خلال المنظمة العالمية للتجارة، التي عملت على تقديم امتيازات كبيرة للشركات المتعددة الجنسية والتشريع الدولي حول براءة الاختراع وحقوق الملكية الفكرية، إضافة إلى إجازة التحرير الكلي للبضائع والخدمات العمومية ورفع الحواجز الجمركية عن المنتجات الأجنبية.
وإذا كانت البرجوازية الوكيلة قد راكمت ثروات هائلة من خلال الاستثمار في الصناعة الزراعية (لحم البقر، الدجاج، السمك وفواكه البحر، زيت المائدة، والتغذية التي تصلح لإنتاج مواد متغيرة من اجل الاستهلاك الإنساني والحيواني)، فان مسار هذا الاستثمار بدا يعرف بعض التحول، بسبب تفويت بعض هذه الصناعات إلى شركات فرنسية وأمريكية واسيوية، وبعض المستثمرين المغاربة (تفويت 75,84% من راسمال “لوسيور كريستال” إلى المجموعة الفرنسية “سوفيبير وتيول”، تقويت شركة “بيمو” إلى شركة كرافت فوذز الامريكية، تفويت حصة 27,25% من راسمال كوسومار لفائدة المجموعة الاسوية فيمار، تفويت شركة الحليب إلى شركة دانون).
كما أن المؤسسة الملكية التي تستحوذ على حصة 65% من هذه الصناعات، عرفت هي الأخرى مسارا وتحولا جديدا نحو الاستثمار في قطاع التعدين، خاصة الاستثمار في مناجم الذهب بافريقيا، وقطاع المال والتامين والتجارة في الأسهم والسندات.
-3المخطط الأخضر في خدمة الاستعمار الجديد:
أصبحت الزراعة التجارية من خلال المخطط الأخضر الهدف الأول في إستراتيجية النظام.
إن تحرير التبادل والسياسات الغذائية، التي أعلنها مشروع المخطط الأخضر، تتميز بتقديم امتيازات كبرى لإدماج نظام زراعي، غذائي الأكثر تمركزا بين يدي فاعلين خواص. ذلك أن هذا التحرير سيساهم في ازدياد السلطات الواسعة للشركات الكبرى، إذ لا تحدد فقط طبيعة نماذج الاستهلاك، بل تفرض بثقلها على تكوين الاثمنة، مما يجعلها في كثير من الأحيان لتجاوز سلطة النظام السياسي في التحرير والتشريع، فشركة كارجيل المنتج الأول للأسمدة في العالم تمثل أزيد من 60 دولة والتي توظف ما يقرب من مليوني شخص والتي حققت في عز الأزمة الغذائية سنة 2008 معاملات تقدر ب120 مليار دولار وربح يقدر ب3,6 مليار دولار بارتفاع 55% مقارنة مع السنة الفارطة.
أنها تتحكم في قرارات والسياسات العمومية أكثر من ذلك تخلق المعايير والقواعد التي تتحكم في الأنظمة الغذائية وفي التجارة العالمية والاستثمارات.
تعمل كارجيل في المغرب في تجارة وتوزيع الحبوب والبذور، التي تستخرج منها الزيوت والزيوت البروتينية والنباتية وتقوم بتوزيعها في المغرب على أصحاب المطاحن ووحدات الضخ المجمعة. كما توفر كذلك الدعم المالي ومنتجات إدارة المخاطر والخدمات التقنية وتتحمل وحدة “التجارة العالمية” المسؤولية الأساسية عن العمل في العمل. وتعتبر كارجيل المنتج الوحيد عن عملية صناعات الأغذية السريعة والأغذية الجاهزة ومنتج البيض المستخدم في ماكدونالد. تقوم أيضا بإدارة المخاطر المالية، وقد انفصلت عن الأولى في المدة الأخيرة. وافتتحت الشركة مؤخرا خزانا للحبوب والبذور الزيتية في المغرب بالدار البيضاء، يقع هذا المستودع، الذي يساوي 15مليون دولار ويخزن 6700طن قرب ميناء الدارالبيضاء، لتزويد العملاء المغاربة بالدقيق المطحون والأعلاف المركبة وذلك منذ سنة2011. ومؤخرا حازت أربع شركات بتراخيص من المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني المغربي لتستورد 94الف طن من القمح اللين من الاتحاد الأوروبي ومن أمريكا في إطار اتفاقيات التبادل الحر، مع منحها جمارك منخفضة تتراوح بين 319,5 و333,1 درهما (من38,10 إلى 37,90 دولارا للطن) شركة ميلكس: استيراد 30الف طن، شركة كارجيل:25 ألف طن، شركة جراميك:24 ألف طن، شركة عبدة سيريال: 15الف طن.

4- الوضعية الراهنة للعقار الفلاحي والفرز الطبقي الجديد
يمتلك المغرب 1431600 مزرعة يمكن تقسيمها على الشكل التالي:
-الضيعات الصغرى الأقل من 05 هكتار وهي تشكل 24 % من المساحة الزراعية و 70% من الفلاحين الصغار
-الضيعات المتوسطة مابين 05 و 50 هكتار وهي تمثل 60 % من المساحة الزراعية وتمثل 29 % من الفلاحين المتوسطين
-الضيعات الكبرى أكثر من 50 هكتار و هي تمثل 16 % من المساحة الزراعية و تمثل 01 % من مجموع الملاكين الزراعيين الكبار.
يستهدف المخطط الأخضر من خلال هذه الخريطة للعقار الفلاحي، الاستحواذ على الضيعات الصغرى تحت مبررات عدم وجود أمن عقاري و غياب الملكية الفردية للاراضي و ضعف استعمال التقنيات الفلاحية والمكننة (الحرث 47 % والحصاد 31 % ) وضعف استعمال الأسمدة الكيماوية (51 %) والبذور المحسنة (16 %) والمبيدات الحشرية (33 % بالاضافة إلى هيمنة زراعة الحبوب ، كزراعات معاشية لأغلب الفلاحين وفي هذا السياق يقترح مشروع المخطط الأخضر : خلق صندوق لتعويض الفلاحين الذين سينخرطون في المخطط الفلاحي الجهوي والذي سيعملون على تحويل زراعة الحبوب إلى اشجارمثمرة من خلال اعطائهم منحة إلى حدود وصول أشجارهم إلى الانتاج .
وسيواكب هذه العملية ، صياغة تشريعات جديدة تتعلق بتحويل الضيعات الصغرى إلى تجمعات ، وبتحسين العوامل الاساسية المتعلقة بسياسة الماء و العقار و التنظيم المهني و بعبارة واحدة إعادة تكوين الاطار القانوني و المؤسساتي لنزع الملكية من أصحابها و تفويتها إلى الشركات الخاصة المغربية والشركات الاجنبية التي يسيل لعابها من أجل الاستثمار في مجال زراعة الزيتون و اللوز
ومن بين النتائج السلبية التي ستطرأ على هذا التحول هو تحويل هؤلاء الفلاحين الصغار إلى عمال زراعيين في أحسن الاحوال ،او إلى مهاجرين بدون شغل و مأوى في أسوأ الاحوال.
-5ماهي البدائل المقترحة:
إزاء مخاطر تطبيق الزراعة التجارية، التي ستؤدي إلى التقليص من التنوع الطبيعي وتلوث السطح وما تحت السطح ونضوب المياه وتفكيك النسيج الاجتماعي والثقافي للعالم القروي المطروح في الأمد القريب والمتوسط، النضال من اجل الاعتراف بأولوية حقوق الإنسان على قوانين التجارة وتوطين الإنتاج الزراعي في خدمة الفلاحين الصغار والمتوسطين، ومن تسويق هذه المنتوجات الزراعية وضبط الاتفاقيات بهدف استقرار الأسعار الدولية، وكذلك تجسيد قوانين تحمي السوق الوطنية ورفض الاستثمارات الخاصة التي تتلاءم والاتفاقيات الدولية حول حقوق الإنسان ولا مع المعايير الدولية بخصوص حماية العمل والبيئة، وضع حد للممارسات الاستعبادية في الشراء والبيع والماركوتينغ، وإلغاء الامتيازات الخاصة المنوحة للشركات خاصة عدم التزامها بأداء الضرائب، وضع مساطر تضمن التوزيع العادل للأرباح ضمن سلسلة القيم وانعكاس الأثمنة الحقيقية في الإنتاج، وضع معايير للتوازنات الوطنية تمنع التهرب الضريبي وإعادة تجسيد احتياطات وأنظمة للتوزيع عمومية، الولوج إلى الحق في المعرفة والى شروط الأمن الصحي الكافي وتثمين تكوين التنظيمات الجماعية للشراء والبيع، خلق تنمية زراعية دائمة وأكثر إنتاجية لأغلب المنتجين الزراعيين مع التأطير العمومي للكفاءة التقنية والعلمية الضرورية.
وأخيرا خلق حركة عامة تمفصل نقابة العمال الزراعيين وجمعيات الاستهلاك ومراكز البحث العلمية الوطنية.

حسن تاصعيب