في تقدير الموقف من سوريا

الشيوعيون كانت لهم دائما سياستهم المستقلة تجاه كل الاحداث والتطورات الاجتماعية في بلدانهم وعبر العالم.وهذه السياسة هي ترجمة لموقفهم الثابت والراسخ وهو مصلحة البروليتاريا لبلدهم او عبر العالم.يقدرون تلك المصلحة ويترجمونها مواقفا سياسية لا يحيدون عنها ابدا والا فقدوا صفة شيوعيين واصبحوا جوقة من الاحزاب الانتهازية.
انطلاقا من هذا المبدأ ولنقل البوصلة نراقب تطور الاحداث في العديد من المناطق الساخنة بفعل السيرورات الثورية التي تهب عليها ومنها سوريا على وجه الحصر.في الموقف من الحالة السورية تشتت التقديرات وتنافرت مواقف اليسار.ترى ما هو الموقف الحازم للشيوعيين من هذه الحالة ومن تطوراتها الراهنة.
1- هل نقف مع الاعمال العسكرية التي تقوم بها المجموعات المسلحة من جيش حر ومجموعات مختلفة وقد اختلطت مواقعها وما تسميه مناطق محررة مع المجموعات الارهابية المنظمة والمسلحة من طرف الامبريالية والرجعية العربية بمبرر انها تحارب نظام البعث وأنها هي الامتداد الطبيعي للانتفاضة الاولى للشعب السوري في 2011 ؟
2- هل نقف مع الجيش السوري وبالتالي الحلف الذي تشكل من روسيا وايران وحزب الله بدعوى الصمود في وجه المشروع الامبريالي الرجعي والهادف الى ضرب نظام الممانعة في المنطقة؟
انقسمت فعلا اراء وتقديرات اليسار على هذين الموقفين.وبات كل فريق يتهم الاخر بالعمالة وبالخيانة وتعمقت علاقات العداء والتباعد.
كلا الموقفين يعتبران في حكم الخطأ ومجانبان لمصلحة الشعب السوري الذي كان ضحية الحرب وكان المستهدف من التطورات اللاحقة.تدخلت القوى الاسلامية الارهابية المجرمة من اجل الزج بالشعب السوري في عصر الظلمات والانتقام من تاريخه العريق تاريخ التساكن والتسامح بين الاديان والاعراق والشعوب وكلما توغلت هذه القوى وترسخت اقدامها في سوريا كلما اصبحت تهديدا مباشرا للشعب السوري وباقي الشعوب الاخرى وتم اجهاض اي طموح في التحرر والعدالة والمساواة.ولذلك كانت مهمة هزم هذه القوى الغازية ودحرها من خارج سوريا والحفاظ على وحدتها كلما توفرت شروط استئناف مهام الثورة على اسس احسن وانجع.لكن في ذات الوقت فان التأييد للنظام البعثي المجرم هو في ذات الوقت ادارة الظهر لحق الشعب السوري في التحرر من هذه الديكتاتورية المورثة بل انها جعلت من ارض سوريا مستعمرة لقوى امبريالية صاعدة.
لذلك يكون الموقف الانسب بالنسبة للشيوعيين اليوم بسوريا هو القبول بالحقيقة القائمة ولكن من دون تأييدها وعمل الشيوعيين كل ما يستطيعون على ان تنهض الطبقة العاملة السورية والجماهير الكادحة لاستئناف نضالها والانخراط في الثورة المظفرة المقبلة.وفي هذا الاطار تحضرني كلمات انجلس في رسالة له كتبها في 25 يوليوز 1866 الى ماركس حول التطورات الحاصلة في المانيا على ضوء حرب بيسمارك من اجل هزم الامبراطورية البروسية وإقامة الدولة الالمانية الجديدة؛ ففي هذه الحرب عاين انجلس: من جهة جوانبها الحسنة خاصة في توفير شروط وتيسيرها للثورة البروليتارية، و من جهة ثانية عاين ايضا جوانبها السيئة وخاصة ظهور النزعة الشوفينية في المنطقة وطغيانها، وانطلاقا من هذه المعاينة خلص انجلس بهذه الكلمات الحكيمة والدقيقة الى الموقف والتقدير المناسب ولم يسجل على الشيوعيين لا الوقوف مع بيسمارك و لا مع القوميين النمساويين او المجريين وغيرهم وهو ما تورط فيه لاسال لاحقا.
“وبالتالي فان كل ما نستطيع ان نفعله في رأيي هو بكل بساطة ان نقبل الحقيقة الواقعة دون ان نؤيدها. وان نستخدم بقدر امكاننا التسهيلات الاعظم التي لا بد
الآن ان تتوفر على اي حال من اجل التنظيم القومي للبروليتاريا وتوحيدها.”
فالحقيقة الواقعة اليوم بسوريا هي الحرب التي تقوم بها روسيا وايران وحزب الله والنظام السوري وتحقق انتصارات معتبرة على جبهة الميليشيلت الارهابية المتحالفة مع الامبريالية والرجعية العربية وتركيا.وهي حرب ستسمح كما سبقت الاشارة بالحفاظ على وحدة سوريا وتخليصها من جزء من القوى الاجنبية وطبعا بعد انتهاء الحرب لن يكون هناك مبرر للتواجد الروسي والايراني ولميليشيات حزب الله هذه الحقيقة الواقعة نقبل بها لأنها الامر الواقع لكننا لا نقبل بها من اجل تبريرها او من اجل ان نعطيها شرعية مفتقدة والا سنكون قد تنازلنا عن حق الشعب السوري في تقرير مصيره ورهناه الى الابد. ان هذا الاحتفاظ بحق الشعب السوري وطبقته العاملة بحقها في النضال التحرري من النظام الديكتاتوري سيكون مضمونا وبهذا الموقف سيساعد الشيوعيون على الحرص عليه.
التيتي الحبيب
15/10/2017