في التحديد السياسي لمفهوم “المافيا المخزني”

لما انتفض أحرار وحرائر الريف ضد الحكرة ،على إثر مصرع الشهيد محسن فكري في يوم 28 أكتوبر 2016 ،وصفوا الجهاز المخزني المسؤول عن هذه الجريمة ب”العصابة” وهو مفهوم قريب جدا في معناه ودلالته ،من مفهوم “المافيا المخزنية ” الذي نحتته منظمة “إلى الأمام ” في فترة التسعينيات من القرن الماضي ،على ضوء تطورات الصراع الطبقي أنداك والذي كان يتميز بتأجج النضالات الشعبية والتي توجت بالمسيرة المليونية بالرباط تضامنا مع الشعبين العراقي والفلسطيني وإدانة للعدوان الأمريكي وتآمر الأنظمة العربية .
غير أن هذا المفهوم يختلف عن المفهوم الأول بسبب حمولته الايدولوجية والسياسية ،إذ يرتكز على أساس مادي ،مرتبط بصيرورة التطور التاريخي للتشكل الهجين ،كما تتجلى تمظهراته في الاستبداد السياسي الذي يطبع الحياة العامة داخل البلاد ،ولقد تبلورت هاته المافيا من صلب الكتلة الطبقية السائدة ،وفي تنامي سلطة وزارة الداخلية على الحياة السياسية والثقافية وحتى الاقتصادية ،حيث تتشكل في معظمها من أطراف وأقطاب نافذة داخل أجهزة الدولة ،وراكمت ثرواتها خارج مسلسل الإنتاج ،من خلال المواقع التي تحتلها في السلطة وذلك عن طريق الابتزاز والرشوة ونهب المال العام من خلال صفقات مشبوهة تتحكم فيها شخصيات نافذة تخضع لسلطة أعلى هرم في الدولة .
إذن فمفهوم “المافيا المخزنية يشير إلى العناصر المتنفذة في أجهزة السلطة والقمع بمختلف تفرعاتها العلنية والسرية وعملائهم من رجال الأعمال والمال ،وتعتبر أن هذه المافيا هي العائق الأساسي أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي وهي العدو الأكثر شراسة والذي يجب تكتيل كل قوى المجتمع ضده ،بما في ذلك شرائح من البرجوازية غير المخزنية أي التي لا تستمد وجودها وثروتها من تبعيتها لجهاز الدولة والسلطة .
وقد تعرض هذ المفهوم للنقد على اعتبار أن “المافيا تحيل إلى عصابة وهذا يستتبع أشكالا من التنظيم العصبوية لتجميع القوة المادية لإنهاء سيطرة هذه المافيا ،وكذلك أن ” جهز الدولة المخزني مؤسسة وليس مافيا.فبالإضافة إلى وجوده المادي المجسد بالرأسمال التبعي والملكية الكبرى للأراضي ،فإن وجوده يتجسد كذلك بموروته الثقافي التاريخي والثقافي ،الشيء الذي يجعله ينفذ إلى تلابيب المجتمع .
لا يمكن نفي أن عبارة “مافيا مخزنية “لها حمولة تحريضية ولا يمكن أن يكون هناك تماثل تام بين المافيا التي ولدت وترعرعت في تربة اجتماعية واقتصادية وثقافية معينة والمخزن الذي تبلور كنتيجة لواقع تاريخي مغاير ،لكن أوجه الشبه تبقى مع ذلك جد هامة .
أولا هل المافيا تحيل فقط إلى مفهوم العصابة كمجموعة إجرامية معزولة أم هي أيضا شيء آخر؟إن نظرة سريعة لواقع المافيا في صقلية تبين أنها ليست مجرد عصابة إجرامية معزولة ،بل إنها إفراز مجتمعي تاريخي للواقع الاقتصادي –الاجتماعي والثقافي لصقلية وأن لها علاقات واسعة مع هذ المجتمع الايطالي ككل.إن المافيا في إيطاليا تنفذ إلى تلابيب المجتمع بما في ذلك ما يسمى خطأ بالطبقة السياسية،وأعتقد أن العجز عن اجتثاث المافيا برجع إلى كونها ظاهرة اجتماعية ،يستحيل القضاء عليها بالقمع البوليسي بل بالتوجه إلى القضاء على الأسباب التي تنتجها وتعيد إنتاجها .هذا يفند الاعتقاد السائد بأن “إنهاء سيطرة المافيا المخزنية ستتبع أشكالا من التنظيم العصبوي ” لأن أسطع شكل من التنظيم هو تنظيم أجهزة القمع غير قادر على القضاء على المافيا .لذلك نعتبرها إفرازا لواقع التخلف الاقتصادي الذي عاشه ويعيشه جنوب إيطاليا وللصيرورة التاريخية التي أدت إلى توحيد إيطاليا وأنتجت دولة تتميز بضعفها وضعف مركزيتها بالمقارنة مع دول أخرى كفرنسا .
إن المافيا إذن وجدت تربتها في واقع صقلية وساعدها ضعف الدولة الإيطالية – قد يعبر عنه إلى هذا الحد أو ذاك عدم استقرار المؤسسات السياسية المتميزة بالتغيير السريع للحكومات الايطالية – على الاستقواء والرسوخ في عمق المجتمع .
إن الدولة المخزنية منذ تشكلها ،كانت دائما ضعيفة ،حيث لم تكن تتحكم سوى في جزء بسيط من البلاد،وكانت أجزاء هامة من المغرب تدخل ضمن ماكان يسمى ب”بلاد السيبة” أي بلاد خاضعة لسلطة القبائل وليس سائبة،كما يحاول مؤرخو المخزن الإيحاء بذلك.ولم تصبح الدولة المخزنية دولة مركزية إلا بعد أن حارب الاستعمار القبائل خلال 30 سنة وانتزع منها السلاح .وهذا ما يجعل الدولة المخزنية تفتقد للمشروعية التاريخية من جهة ويجعل من عصرنتها وتحولها إلى دولة مركزية مسألة سطحية وليس مستنبطة بشكل عميق لأنها جاءت نتيجة تدخل أجنبي استعماري مرفوض من الشعب .إذن فرغم طابعها العصري الذي بلوره الاستعمار فقد ظلت متمسكة ومحافظة على عمقها المخزني ،وهذا ما يضفي عليها الشكل الخاص الحديث لدولة تعيد إنتاج التشكيلة الرأسمالية التبعية في جميع تمظهراتها التقليدية العتيقة والعصرية أو الحداثية .
إن ما يميز المافيا على المستوى الداخلي هو العلاقات الشخصية ذات اللبوس الخادع كتعبير عن المؤسسات ،فهي تناقض صارخ مع دولة الحق والقانون ،حيث هناك علاقات الحماية مقابل علاقات الولاء .والمافيا تنتزع جزءا كبيرا من فائض القيمة بفضل هذه العلاقات ودون أن يكون ذلك مبررا بوظيفة اجتماعية ضرورية ،فالمافيا تنهب الأموال بمختلف الأشكال عبر تجارة المخدرات والمضاربات والمعاملات غير المشروعة وتلك المشروعة عبر سمسرة للصفقات العمومية الكبرى ،وكذا عبر ابتزاز الأثرياء مقابل توفير الحماية لهم ولمشاريعهم ،وذلك ما يفسر تواطؤها مع الطبقة السياسية بمختلف تلاوينها الايدولوجية والسياسية وشركات الإعلام والاتصال وتنهب أموال الدولة وتهربها إلى الأبناك الدولية،والاستفادة من مواقعها في السلطة لإحكام سيطرتها على الاقتصاد الوطني ،إما مباشرة أو عبر شبكة من العملاء تكلفهم بتسيير شركاتها وضيعاتها ،كما تتواطأ مع كبار تجار المخدرات والمهربين ،بل تتحكم في شبكات التهريب وتصدير المخدرات .ألسنا أمام مافيا حقيقية ،ربما أكثر خطورة من المافيا الإيطالية ،لأنها تتحكم مباشرة في أجهزة السلطة؟
حسن الصعيب