المخزن لا يضع بيضه في سلة واحدة

كتب السيد حسين مجدوبي في الصحيفة الالكترونية “القدس العربي” تقريرا عن المحاضرة التي القاها هشام بن عبد الله ابن عم ملك المغرب وعنوانها «ماذا يعني أن تكون عربيًا في زمن ثورات الربيع العربي»
هشام العلوي يحاضر ويعقد الندوات كمفكر وكأستاذ جامعي وطبعا تفتح في وجهه كل الابواب، والإعلام السمعي البصري والمكتوب يقدم تقاريره عن انشطة الامير.
يقدم نفسه ويحب ان يقدمه الاعلام على انه مفكر ديمقراطي حداثي انجز القطيعة مع المخزن والذي قد سبق ان وصفه بالوحش. لا يترك فرصة تمر دون التعبير عن تبنيه من وجهة نظره حركة 20 فبراير ومطالبها بل وظفها في صراعه مع باقي المؤسسة الملكية.يتكلم ايضا في محاضرته الحالية عن حراك الريف نافيا عنه تهمة الانفصال ويراه نتاج تهميش تاريخي وفشل في التنمية.
استطاع الامير ان يجد له موطأ قدم في النخبة السياسية المغربية وحتى ان يلف حوله اتباعا او شلة او تيارا. وهو بذلك استطاع ان ينجز اختراقا لبعض الاوساط اليسارية ومنظمات المجتمع المدني.
اننا هنا امام حالة من خطوط التماس لم يسلط الضوء عليها كفاية حتى تتبين طبيعتها والأدوار التي تقوم بها والمهام الموكولة للمرابطين في هذه المنطقة الرمادية.
ولكشف اهم اساسات هذه الظاهرة لا بد من الجواب على سؤال اسباب “انشقاق” الامير هشام. هل هو نتيجة طبيعة شخصه ام هو ظاهرة موضوعية تعبر عن تناقضات لها اسباب ودوافع تتجاوز الاشخاص؟ هل “الانشقاق” يعني تناقض اساسي ام تناقضات ثانوية وشكلية داخل الاسرة الحاكمة بالمغرب؟
كما يظهر من طبيعة هذه الاسئلة فالجواب الدقيق يتطلب انجاز بحث متعدد الاختصاصات والمراجع ويتطلب عملا جماعيا لمفكرين ومختصين همهم اماطة اللثام عن هذا الكم الهائل من الخطابات المضللة او البحوث التي تقف عند انصاف الحقائق.انه عمل القوى المناضلة الجذرية والمثقفين العضويين المنحازين لقضايا الكادحين.
اما في مستوى هذه الاطلالة السريعة، فإننا سنتوقف عند بعض اهم المؤشرات لعلها تساعد على ذلك البحث المعمق؛ ولكنها في نفس الان تساعد على اتخاذ موقف نراه سديدا من هذه الظاهرة.
1- الكتلة الطبقية السائدة ونظامها تردد خطابا بمسحة يسارية واضحة.
ان المتتبع لخطب الملك ولمحاضرات ابن عمه وخرجات المستشارين العاملين في المؤسسة الملكية يلمس ذلك الاتجاه في توظيف مفاهيم حداتية ومقولات سياسية من صلب الخطاب الرائج وسط اليسار والحركة الحقوقية وبمسوحات اكاديمية تحاول الابتعاد عن الخطاب التقليدي.
2- خطاب بحمولة ايديولوجية متحررة او منفصلة عن ضرورات الالتزام بالتطبيق العملي.
ما يميز هذا الخطاب هو طابعه الديماغوجي، لأنه يتناول القضايا بهدف التغطية على الواقع وعلى الممارسة والسياسة المطبقة.خطاب يقول عكس ما يمارس. هكذا نسمع الحكم على فشل نموذج التنمية اي الحكم على مجمل الاختيارات الاستراتيجية التي طبقت وفي الواقع تستمر سياسة جني ارباح وثمار هذا النموذج الكارثي فقط على مصالح الجماهير في وقت وفر ويوفر المجالات الخصبة للاستثمار الاحتكاري.نفس الخطاب الديماغوجي وبنفحة اكاديمية عقلانية نسمعه ونقرؤه عن محاضرات في هارفارد وبرينستون والسوربون…بينما الامير يعتبر من اكبر الملاك الاراضي ويشغل طبقة عاملة زراعية في شروط وظروف لا تختلف عن عمال ضيعات الملك وباقي الامراء او ضيعات الرأسماليين المغاربة او الاجانب اوروبيين او عرب.عمال ضيعاته مشردون ويحتجون في قارعة طرق سوس وغيرها يطالبون بحقوقهم البسيطة.خطاب حداتي يتكلم عن الحقوق السياسية والديمقراطية وينزعها من العاملات والعمال الذين ينتجون له الثروة وينموها.
3- اختيار خطة تقسيم الادوار في التعبير السياسي من داخل الاسرة الملكية يعكس في الحقيقة الرغبة في تجاوز الشكل التقليدي الذي ساد وهو التحكم المطلق من طرف السلطان او الملك؛ انه اختيار معالجة التناقضات الداخلية بما يسهل التحكم فيها والحفاظ على التماسك والتمسك بالجوهري.انها اذا خطة العزف على اوثار متعددة وعدم وضع البيض في سلة واحدة.وكما نرى اعطت الخطة نتائج سياسية وهي خلق استقطاب وسط النخب ووفرت شحنة المنافسة والتباري.
عند التمعن في الظاهرة المخزنية المستجدة نستنتج ان صناعة الوهم صناعة مخزنية تساعد على اطالة عمر نظام اجتماعي وسياسي تقليدي في الجوهر وحامل لازمة بنيوية يثقل بها كاهل شعبنا ويشده الى التخلف وهو ما يسائل اولئك المقيمين في خطوط التماس بين اجنحة الاسرة الملكية والمجتمع السياسي والمدني على هؤلاء الوعي بانهم يخدمون في الحقيقة اجندة مخزنية حداثية بدل الوهم الذي يسوقونه عن اختراقهم للقلعة المخزنية وعن نجاحهم في تطعيمها بالفكر الديمقراطي الحداثي.
التيتي الحبيب
20/10/2017