عناقيد الغضب في كل مكان

تحل الذكرى الاولى لاستشهاد الشاب محسن فكري بالحسيمة على اثر طحنه وأسماكه في شاحنة النفايات وهي الصورة المروعة التي لم يتحملها الكادحون بالريف او غيره، ركزت عملية طحن محسن فكري كل معاني الحكرة التي يعاني منها شباب منطقة الريف. لم تمضي إلا شهور قليلة حتى استشهد المواطن خلادة الغازي على اثر اضراب يعتبر من اطول الاضرابات عن الطعام والذي دام 90 يوما وهو في حالة اعتقال بعد ان ترصدت له المافيا العقارية ولفقت له تهما رمته بها وبتواطؤ مع القضاء الطبقي الفاسد في السجن وانتزعت منه ارضه . ترمز ايضا حالة خلادة الغازي الى احد اخطر مظاهر تشريد الكادحين وهي نزع حقهم في الارض والماء والملكية الجماعية للغابات وتفويتها الى مافيا متنفذة تستولي على اراض الغير وتنمي الضيعات والمزارع. و اليوم ايضا هاهي السيدة زهور البوزيدي تفارق الحياة على اثر اقدامها على اضرام النار في جسدها في محاولة منها لصد عملية افراغها من مسكنها بمنطقة سيدي حجاج تطبيقا لحكم قضائي جائر اتضح فيما بعد انه حكم باطل.
شكل حراك الريف قوة ضاغطة على النظام الى حد انه ادخل الارتباك والارتجال في العديد من التصرفات والممارسات.انه كان الغائب الحاضر في خطاب ليلة 29 يوليوز مما يشير الى ارتفاع درجة حرارة الازمة السياسية بالمغرب.
كشف الخطاب معطيات هامة عن مستوى الازمة السياسية حيث ظهرت بوادر حقيقية عن التصدع في المربع الحاكم.الملك يشكو من تخلي احزاب حكومته عن مسؤولية حماية النظام وترك القصر وجها لوجه مع الشارع وبقي الامن والقوات القمعية يزاولون القمع الاهوج بدون غطاء سياسي و هو ما كان وزير الداخلية لفتيت يسابق الزمن من اجل دفع قطيع الاحزاب الحكومية للقيام به.وصف الخطاب خذلان تلك الاحزاب وعدم تحمل مسؤولياتها بالخيانة.وهدد بتطبيق مقتضيات الدستور في ما يتعلق بربط المسؤولية والمحاسبة.وهو نفس الشيء الذي ذكر في خطاب افتتاح الدورة الثانية من البرلمان واضيف لها وعيد احداث الزلزال السياسي.
بذلك استطاع القصر الرفع من مستوى الانتظارات، كان من جديد محورها ماذا سيقرره الملك؟
وبالفعل قرر اعفاء اربعة وزراء وبعض الموظفيين وتبليغ عدم رضاه على العديد مع قراره بعدم اسناد اية مسؤولية رسمية لهم في المستقبل.كان هذا هو تنزيل الدستور وكان هذا هو ايضا ما سمي بالزلزال السياسي.
ان ما تم كإجراء لا يمت بصلة الى التعامل الديمقراطي مع وثيقة الدستور لان الاجراءات تجاه المسؤولين لابد ان تكون بواسطة المؤسسات المختصة في اصدار الاحكام وترتيب الجزاءات وضمن منطوق القانون.ما حصل هو انفراد المؤسسة الملكية بتفسير الدستور وبإصدار العقوبات حسب منطق تدبير شركة وليس تدبير دولة.كان الجواب السياسي هو الامعان في المزيد من تركيز السلط في يد الملك واستفراده في تأويل الدستور الممنوح، وبالتالي المزيد من التوغل في ممارسات الدولة المستبدة.
يحاول النظام استباق تطور الاحداث، لأنه يعي جيدا ان الشارع المغربي وفي طليعته حراك الريف والانتفاضات الملتهبة في الجهات المهمشة ادركت ان الازمة الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن حلها او توقيف نزيفها الا بتقديم حساب شعبي.ان الحلول المقدمة من طرف المخزن اليوم لا تتعدى تقديم اكباش فداء علها تخمد لهيب الاحتجاجات وفي ذات الوقت تسنح بترتيب بيت الحكومة المتصدع.
لا زالت سياسية هندسة الحكومة ضدا على نتائج الانتخابات 7 اكتوبر مستمرة، والمناورات تتلاحق من اجل الانقلاب على تلك النتائج.هكذا تزداد عزلة النظام وتتقلص شرعيته السياسية ويتضح لعموم الشعب بان الانتخابات لا تفيد في تحديد مستقبل البلاد، فرغم المقاطعة العارمة وضيق عدد المشاركين فيها،حتى نلك الاقلية التي شاركت لم يراعى صوتها او اختياراتها.
ان اللحظة الاجتماعية والسياسية ببلادنا مواتية لتنظيم النضال الواسع والضغط من اجل وقف الهجوم على مكتسبات شعبنا بل انتزاع مطالب جديدة وتعميق مظاهر وعوامل الازمة وتحويلها الى لحظة مناسبة للتغيير الجدري ببلادنا يجيب على مطالب التحرر والعيش الكريم لكافة طبقات وفئات شعبنا الكادح.
منذ اندلاع حراك الريف وتمدده الى باقي جهات ومناطق المغرب دخل المغرب الى مرحلة جديدة من السيرورة الثورية التي دشنتها حركة 20 فبراير التي انبعثت اكثر توهجا وأكثر نضجا وعزما على السير بنضال شعبنا الى ارقى الدرجات من اجل التحرر والكرامة والمساواة والعيش الكريم.
هكذا نعتبر ان التحاق كل القوى المناضلة بالمعارك كيف ما كان حجمها او مكانها يعد اسهاما عمليا في بناء وتأسيس الجبهة الميدانية التي اصبحت حقيقة وهي تستقطب اليوم وخاصة بعد مسيرة 11 يونيوالناجحة كل القوى المناضلة.
ان نضالات شعبنا وبتاطير من هذه الجبهة الميدانية تبعث ايضا برسالة لجماهيرنا بالريف وفي كل مكان؛ مضمونها ان التضامن اصبح له اليوم عنوان عريض وهو الحراك في كل مكان.ان هذا الامر له من الاسباب والمبررات الموضوعية والذاتية ما يجعله ليس ممكنا، بل هو قائم فعلا وكانت العديد من المناطق سباقة في القيام به.
واستشعارا من النظام وجميع القوى الملتفة حوله او تلك التي تعتقد انها يمكنها خدمة مصالحها ومصالح الشعب بتحالف معه،تم شن حملة سياسية ضد الحراك وجميع اشكال النضال والتعبئة بما فيها الجبهة الميدانية.هكذا اتخذت هذه القوى مجتمعة او متفرقة مواقف تميزت بالتردد تجاه الحراك تسعى لتحجيمه ومحاولة حصره في رقعته الجغرافية، كما انها سعت الى تفجير المبادرات من الداخل بغرض عرقلتها.
من بين اساليب العرقلة او التشويش اطلاق حملة تستهدف بعض القوى المناضلة بعينها وبعث كل نقاط الخلاف السياسية والايدولوجية وانتهاج طريقة الصراع بدون هوادة ومحاولة الاشتراطات المسبقة او ارغام الغير على الاصطفاف تحت مشروعها السياسي.
كذلك تعمل هذه القوى المترددة على ابعاد المركزيات النقابية من الالتحاق بالحراك او التضامن معه، ومحاولة اشغال هذه المركزيات بقضايا هامشية لا صلة لها بجوهر الصراع الدائر اليوم.
ان هذا الوضع لن يدوم، وستليه مرحلة الفرز النضالي والذي لا بد وان يشمل هذه القوى، والفرز النضالي يعتمد على وجود قواعد مناضلة ذات حس جماهيري ستترجمه في اتخاذ مواقف حاسمة ازاء التوجهات اليمينية فتعزلها بما يقوي انخراط المناضلين الحماسي والصامد في التنسيقيات والحركية النضالية السارية في صفوف شعبنا. لن تقبل تلك القواعد بالتفرج على التصعيد القمعي تجاه المحتجين في الريف او في الجهات الملتحقة بالحراك المحلي.
لقد دشن حراك الريف مرحلة جديدة لمواصلة سيرورة الكفاح والنضال لمختلف شرائح وطبقات شعبنا الرازحة تحت نير الاستبداد والاستغلال الهمجي.انها بوادر تشكل عناقيد الغضب لشعبنا في الريف وغيره من المناطق المتضررة تاريخيا، لن تتخلف عنها إلا القوى المرتجفة امام غضب الشعب الخائفة من رياح التغيير.ان قطار التغير انطلق بل هو يزيد من سرعته وهو يطوي المسافات وسيتخلف عن صعوده فقط كل من قطع الصلات مع مطامح الشعب ومن يرفض تحمل مسؤولية النضال من اجل تحقيق تلك المطالب.