• عبد الحق الوسولي

الدخول الجامعي 2017/2018 أزمة جامعة أم أزمة مجتمع؟

إن الدخول الجامعي 2017/2018 لا يختلف عن سابقيه فالأزمة بنيوية ومعقدة وذات أبعاد متعددة، لكن الجديد في هذا الموسم الجامعي هو بلاغ وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي مؤخرا، بخصوص منح اعتراف الدولة لبعض الجامعات والمؤسسات الخاصة المحدثة في إطار الشراكة التي تجمعهما. وذكر بلاغ للوزارة أن الأمر يتعلق بالجامعة الخاصة لمراكش تانسيفت الحوز، وجامعة محمد السادس لعلوم الصحة، وجامعة الزهراوي الدولية لعلوم الصحة، والجامعة الدولية للدار البيضاء، والجامعة الدولية الخاصة لأكادير، والمدرسة العليا للهندسة المعمارية للدار البيضاء، ومدرسة إدارة الأعمال، والمدرسة المركزية للدار البيضاء. تنضاف هذه الجامعات والمؤسسات الخاصة للجامعة الدولية للرباط، والتي كانت أول جامعة منح لها اعتراف الدولة سنة 2016.هذا الاعتراف يخول هذه المؤسسات قبول شهاداتها من طرف الدولة لتصبح بذلك معادلة للشهادات الوطنية. وبالمناسبة لا بد من التذكير بحجم القطاع الخاص في مجال التعليم العالي و التكوين المهني مقارنة بالقطاع العام (إحصائيات 2016)
• عدد مؤسسات التعليم العالي (جامعات و معاهد عليا) التابعة للقطاع الخاص : 229
• عدد مؤسسات التعليم العالي التابعة للقطاع العام : 192
• عدد مؤسسات التعليم العالي التي تدخل في إطار شراكة عام- خاص : 19
• عدد مدارس الأقسام التحضيرية للمدارس العليا ( القطاع العام) : 25
• عدد مدارس الأقسام التحضيرية للمدارس العليا( القطاع الخاص) : 46
• عدد مؤسسات التكوين المهني (القطاع العام) : 239
• عدد مؤسسات التكوين المهني (القطاع الخاص) : 581
إنه يتضح بالملموس أن عدد مؤسسات التعليم العالي التابعة للقطاع الخاص تتجاوز بكثير نظيرتها في القطاع العام، ليتضاعف في الأقسام التحضيرية والتكوين المهني. كما أن الأرقام السابقة تؤكد أن لوبي القطاع الخاص أصبح أكثر قوة وضغطا على الحكومات المتعاقبة. وهذا الضغط المدعوم بالمؤسسات المالية الدولية والاتحاد الأوروبي أعطى أكله واتخذت الحكومة عددا من الإجراءات تنفيذا لاملاءات هذا اللوبي المزدوج .
خلاصة القول أن الدخول الجامعي الحالي يتميز أساسا بضرب الجامعة العمومية المغربية وذلك بفتح الباب على مصراعيه للتعليم العالي الخصوصي وتمكينه من جميع التسهيلات. إن هذا الاعتراف يضرب في العمق مبدأ الجودة ونكافئ الفرص لأن التعليم العالي الخصوصي ببلادنا يهمه في المقام الأول الربح المادي وكل طالب تابع دراسته في هذه المؤسسات الخاصة إلا وحصل على الشهادة وقد يؤدي هذا في آخر المطاف إلى بيع الديبملومات والشهادات وخصوصا تلك التي حصلت على المعادلة..
إن هذا التشجيع زيادة على الأزمة المركبة التي تعاني منها الجامعة سيؤدي إلى تخلي الجامعة عن أدوارها الريادية التي نوجزها فيما يلي:
مما لا جدال فيه أن الجامعة قد أصبحت، في المجتمع الحديث والمعاصر، من أهم وأخطر المؤسسات الاجتماعية، نظرا لما أنيط بها من مهام تربوية وعلمية وسياسية واقتصادية متعددة… يتمثل بعضها في تكوين وتأهيل العنصر/ الرأسمال البشري علميا ومهنيا وفكريا وسياسيا، رافدة بذلك مختلف القطاعات الإنتاجية والمجالات المتعددة في المجتمع بما تحتاجه من قوى بشرية مؤهلة للإسهام في مشاريع التنمية الاجتماعية الشاملة.
إن المقاربة العلمية للمؤسسة الجامعية، فكرة ودورا وتحولات بنيوية واجتماعية، تستلزم، ضرورة، ربط هذه المؤسسة بسياقها السوسيوحضاري الخاص من جهة، وربطها من جهة أخرى، بسياق كوني أضحت فيه الجامعة، بامتياز، مؤسسة اجتماعية مركزية علميا واجتماعيا وسياسيا… هذا السياق الكوني الذي غالبا ما يؤكد الخطاب التربوي – ولا سيما الرسمي منه – على أنه يتخذ منه مرجعية موجهة لتحديد أهداف ومهام ووظائف الجامعة في مجتمعنا، وهكذا فإن ما أصبح يعرف عندنا بأزمة الجامعة مسألة لا يمكن فهمها، بالعمق الكافي، إلا في إطار ربطها، من جهة، بأزمة بنيوية يعيشها النظام التربوي – التكويني في المغرب حاليا. وربطها، من جهة ثانية أيضا، بشروط نظام مجتمعي شمولي مخترق بالعديد من عناصر ومظاهر التأزم والتفكك، على صعد ومستويات مختلفة ومتعددة، مما أدى إلى فشل الكثير من محاولات التنمية والتحديث. وبهذا يمكننا القول أن أزمة الجامعة هي أزمة مجتمع.
إن أزمة الجامعة المغربية هي – كما أزمة هذا النظام المخزني المستبد- بنيوية شمولية متعددة الأبعاد والدلالات. كما تتجلى أزمة انطلاقة الجامعة المغربية في كونها لم تقم منذ تأسيسها- كما يتضح من تاريخ نظيرتها في الغرب- على رؤية واضحة المعالم لأهدافها وتوجهاتها ووظائفها العلمية والتربوية والاجتماعية… وإنما نشأت في ظل شروط عدم التبلور الواضح لهذا المعطى الفكري والسياسي الهام.
إن “أزمة انطلاق الجامعة المغربية” يتجلى، تحديدا، في كون هذه الجامعة لم تكن، منذ تأسيسها، مؤطرة برؤية تربوية وفكرية وسياسية وفلسفية واجتماعية واضحة المقاصد والأطر المرجعية الموجهة. فبغض النظر عما يبدو أنه قد أوكل للجامعة المغربية من مهام مثل استيعاب تدفقات حملة الباكلوريا، وتكوين الكوادر الوطنية التي تطلبتها مرحلة الاستقلال الشكلي، لم يكن واضحا تماما أن هذه الجامعة قد كانت معنية- كما هو الشأن بالنسبة للجامعة في المجتمع الحديث فكرة ودورا- بتكوين مواطن” متسم بمواصفات فكرية وقيمية وسياسية واجتماعية معينة، أو بتشكيل نخبة مثقفة أو إعداد “أطر” ذوي كفاءات علمية، ومهنية تتطلبها حاجات المجالات الإنتاجية والاجتماعية المختلفة. كما لم تكن هذه الجامعة معنية أيضا بتكريس” ثقافة وطنية” وتنميتها وتطويرها، تدريسا وبحثا، في إطار سياسة تربوية وثقافية واجتماعية متميزة بقدر ما من التكامل والانسجام في الرؤى والمكونات والأسس الفكرية والإيديولوجية.
هكذا، إذن، يمكن القول: إن من أهم وأبرز المشكلات أو مشخصات هذا المآل المأزمي الذي آلت إليه الجامعة، ما يمكن إجماله، بتركيز شديد، فيما يلي:
1- إشكالية مضامين مناهج التعليم والتكوين، التي غالبا ما تنتقد بكونها “هامشية بالنسبة لحركة تداول الأفكار في المجتمع”والتي أصبحت بفعل هذه الهامشية- أو التهميش المبيت أو المعلن- في حاجة ماسة إلى مراجعة نقدية شاملة للأسس والتوجهات التربوية والفكرية والسياسية والأساليب والطرق المنهجية التي بنيت عليها شكلا ومحتوى وأهدافا عامة وخاصة وإجرائية وعلاقات تبادلية وتكاملية مع المحيط الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي العام، ومع ما يعرفه هذا المحيط، وطنيا وإقليميا ودوليا من تحولات ومستجدات وحاجات، معرفية وتقنية وحضارية تتنامى وثائر تجددها وتغيرها باستمرار وتتطلب، لمواكبتها، إصلاحا جذريا للجامعة وللتعليم والتكوين عامة.
2- أزمة البحث العلمي والأطر الجامعية الباحثة. ذلك أنه في إطار ما يعانيه مجتمعنا المغربي من غياب علاقة ممنهجة وثيقة وهادفة ” بين (سلطة المعرفة) المفترضة في (خطاب) البحث العلمي، وبين سلطة السياسة والاقتصاد القائمة في المؤسسات الحكومية ومراكز النفوذ والمآل في المجتمع، على أن بين السلطتين تقع سلطة المؤسسات التعليمية من جامعات ومعاهد ومراكز دراسات…” في إطار غياب هذه العلاقة يفقد البحث العلمي، الذي يفترض أن تكون مؤسسات التعليم العالي والجامعي معقلا له دوره التنموي والتحديثي الريادي، ووظيفته التوجيهية في عقلنة القرار السياسي والاجتماعي وفي ترشيد الممارسة الفكرية والاجتماعية بشكل عام. وفي هذا الإطار أيضا من القطيعة أو الطلاق بين ما يمكن تسميته بـ ” القرار العلمي” و” القرار السياسي والاجتماعي” تتدهور مكانة البحث العلمي وتتراجع مجموعة هامة من الشروط المادية والمعنوية المتعددة التي يتطلبها دعم هذا البحث وإنماؤه والارتقاء به مؤسسيا واجتماعيا، وأطرا باحثة: من طلبة ومدرسين…
3- أزمة الإطار التنظيمي البيروقراطي للجامعة والتعليم العالي عموما.
4- وفي إطار هيمنة منظور اقتصادي ضيق لأزمة الجامعة، كثيرا ما يغيب في الخطاب التربوي المروج حولها، أحد أبرز وأخطر مكوناتها ونقصد بذلك ما يمكن نعته بـ:”أزمة الثفاقة الجامعية”. والثقافة هنا يراد بها مدلولها السوسيولوجي العام، وليس ذلك التحديد المعلوماتي المعرفي الخاص والمحدود. إنها إذن “تلك المنظومة المتكاملة من القيم والأعراف والتقاليد العلمية والمهنية والأخلاقيات والمعايير والضوابط… التي يتم الإجماع عليها لهيكلة وتنظيم مختلف العلاقات والممارسات التي يحتضنها الفضاء الجامعي، بحيث تصبح هذه المنظومة إطارا مؤسسيا موجها للنظر والفعل والتبادل، وملزما- أخلاقيا وتنظيما– لكل الأطراف والفاعلين المعنيين:(الطلاب – الأساتذة…الخ)”.
وعلى الرغم من اختلاف مؤسسات الجامعة وتكوين الأطر والتعليم العالي عموما فيما يتعلق بمستوى وأهمية حضور أو غياب عناصر هذه “الثقافة الجامعية”، فإن ما يمكن التأكيد عليه هو أن هذه الثقافة ما تزال تعاني، في جل مؤسساتنا الجامعية والتربوية، من غياب المأسسة العقلانية والمنظمة لمكوناتها وآليات اشتغالها. الأمر الذي يسمح لها بالارتقاء إلى مستوى “النموذج أو الإطار الإرشادي:”الموجه للفكر والممارسة في آن”.
وإذا كانت الجامعة على مستوى دورها الفكري والسياسي، وكما تمت الإشارة إلى ذلك آنفا، تعد – بامتياز- من أهم قلاع التنشئة السياسية والفكرية للشباب و المساهمة في تكوينهم كـ”مواطنين واعين بشروط وجودهم الاجتماعي والسياسي، وحاملين لبعض قيم التجديد والتحديث والتغيير، ومهيئين للاندماج في محيطهم السوسيوسياسي والثقافي والحضاري كفاعلين ومبادرين إيجابيا ومنتجين فإن أوضاع الجامعة في الظرفية الراهنة تستدعي، في هذا المجال إثارة أكثر من تساؤل. ولاسيما في إطار تنامي المشاريع لإكراهات العولمة وتحدياتها المتعددة…ذلك أنه إذا كانت الجامعة المغربية، في بعض الفترات التي عرفت فيها أوج نشاطها وخاصة في الستينيات وأوائل السبعينيات، قد ساهمت، بالفعل، في بناء ” ثقافة سياسية شبابية” متسمة بقدر لا يستهان به من النضج الفكري والوعي السياسي، ومن بعض القدرة على التفاعل والتحاور مع العديد من المنظومات والتحولات والتيارات الفكرية والفلسفية والسياسية والإيديولوجية وطنيا وعربيا وثالثيا ودوليا، وضمن محدودية وإكراهات الظرفية المعنية، فإن ما يلاحظ الآن هو التراجع المخيف لهذا الدور التنشيئي والتكويني والسياسي للجامعة المغربية.
إن ما تعرضت له هذه الجامعة من “مخزنة” ضاغطة ومن مصادرة وحذر-أحيانا- للحركة الطلابية بشتى فصائلها، ومن تلغيم لها- سواء بشكل علني أو ضمني- ببعض العناصر الظلامية أو المتطرفة فكريا وسياسيا وعقائديا وإيديولوجيا…، كل هذا قد جز بالفضاء الجامعي عموما والحركة الطلابية خاصة، في خضم من الصراعات والرهانات والصدمات الفكرية والسياسية القائمة على منطق العنف والنبذ والإقصاء، والإقصاء المضاد..ما يتضح ابتعاده، باستمرار، عن أن يشكل رافدا داعما للتكوين المعرفي وللبحث العلمي الهادف وللتنشئة السياسية والفكرية المنفتحة والمتوازنة للشباب. ذلك باعتبار هذه التنشئة مقوما أساسيا من مقومات بناء ” ثقافتهم” الخاصة بالمدلول الذي قدمنا به آنفا مفهوم “الثقافة الجامعية “.هذا فضلا عن كون ما يخترق الفضاء الجامعي والحركة الطلابية من أفكار وممارسات لا عقلانية يساهم، لدى شرائح لا يستهان بها من شباب الجامعة، في تشكيل اتجاهات أو تصورات أو مواقف أو آراء…هي في مجملها انتقاصية، متحفظة أولا مبالية إزاء الأحزاب، والنقابات، والحركة الطلابية…بل إزاء العمل السياسي والديني والاجتماعي بشكل عام.
وفي إطار غياب منظومة متكاملة وممأسسة للإعلام والتوجيه الدراسي والمهني بالجامعة كفيلة بتقديم المعلومات والمعطيات والخدمات والتوجيهات الضرورية للشباب الجامعي، نجد أن العديد من طلاب الجامعة يجهلون الكثير عن ذواتهم، وعن مكونات ومؤسسات ومجالات المحيط السوسيواقتصادي الذي ينتمون إليه. وإذا كان يفترض في هؤلاء، أن يتموضعوا، في سياق هذا المحيط، بامتلاكهم لمشاريع دراسية ومهنية متوفرة على بعض مقومات الوضوح والواقعية والانسجام، ومتجاوبة مع إكراهات وشرطيات المحيط من جهة، ومتساوقة مع تطلعات واختيارات وانتظارات هؤلاء الشباب من جهة ثانية، فإن ما يبدو هو أن غياب الخدمات التربوية والنفسية والاجتماعية…التي يفترض أن تقدمها المنظومة الإعلامية والتوجيهية الآنفة لا يساعد الشباب الجامعي على تكوين صورة موضوعية وواضحة عن ذواتهم وقدراتهم وإمكاناتهم الخاصة وأيضا عن خصوصيات ومواصفات محيطهم المهني والاقتصادي والاجتماعي، جهويا ووطنيا وعالميا…
لقد كان ينتظر من التوسيع المتواتر لمؤسسات التعليم العالي بإنشاء عدد من الجامعات والكليات والمعاهد أو المدارس العليا… في عدة مدن تنتمي إلى جهات أو أقاليم مغربية مختلفة، وخاصة منذ مستهل الثمانينيات، أن تكون هذه المؤسسات الجامعية محاور أساسية للإشعاع العلمي والثقافي والسياسي ودعم اللامركزية والديموقراطية…” وأقطابا:Poles ” جاذبة ومحركة للتنمية البشرية والاجتماعية الشاملة في فضاءاتها الجهوية المحلية والوطنية أيضا. غير أن مستوى أداء هذه المؤسسات لا يبدو أنه يسير في اتجاه تحقيق ذلك، نظرا إلى الكثير من الأعطاب التي سبق ذكر بعضها.
وإذا وضعنا في الحسبان أن تأسيس هذه المؤسسات الجامعية الجديدة- بحسب رأي العديد من الباحثين ومن الهيآت السياسية والنقابة والاجتماعية المعنية أو المهتمة – لم يأت في إطار تصور عقلاني ممنهج لانفتاحها على حاجات وإمكانات وخصوصيات محيطها الاجتماعي الشامل، ولا ضمن رؤية علمية وتنموية لأدوارها الثقافية والسياسية، سواء على مستوى الجهة أو على المستوى الوطني بشكل عام، وإنما جاء هذا التأسيس إما لاعتبارات إدارية أو انتخابوية وإما “نتيجة قرارات سياسية وأمنية لأنه كانت هناك نية تشتيت الحركة الطلابية”. إذا وضعنا في الاعتبار كل ما سبق فإنه يتبين لنا جليا لماذا أصبحت الجامعة عندنا موسومة بالانعزالية والهامشية والجمود واجترار المنهجيات والأساليب المتقادمة في التلقين والإشراف والبحث والعمل الثقافي.

  • مراجع:
    يوسف شكوح : أمام زحف التعليم الخاص التعليم العمومي بالمغرب في مهب الريح
    مصطفى محسن: تأملات سوسيولوجية في بعض عوامل الأزمة وتحولات المسار*