طبقة الفلاحين الفقراء من منظور بول باسكون

تميزت بحوت عالم الاجتماع المخضرم:بول باسكون ،بالجدية والمصداقية ،بحيث مزج بين مهمة الباحث الأكاديمي الذي يتقن قراءة وتفكيك النظريات الاجتماعية على ضوء انتقالاتها من فضاء ثقافي إلى آخر ،وبين مهمة السوسيولوجي الذي يعجن مادته الاجتماعية بانخراطه العميق في المعيش الاجتماعي بل تقمصه شخصية موضوع دراسته والعيش في داخلها لمدة طويلة حتى يستكشف مكنوناتها كما يفعل الممثل المقتدر.
إن تصوراته حول طبقات المجتمع ،وعلى الخصوص طبقة الفلاحين الفقراء ،جاءت نتيجة بحوت اجتماعية مضنية وميدانية كلفته الكثير من الجهد ومن المعاناة ذات الطابع الفكري والسياسي .
في هذا السياق ،يعتبر بول باسكون أن :” دور البادية في الحياة السياسية هو دور جد محافظ عمليا ،الأمر الذي يعود في قسم كبير منه إلى عدم تغلغل الأحزاب السياسية في البادية ،فحتى حزبي الحركة الشعبية وحزب الاستقلال لا يملكان تأثيرا على غير الوجهاء.
فالفلاحون يصوتون لصالح الأعيان ..والأعيان مرتبطون بالسلطة عن طريق القرض ألفلاحي ومعروفون من قبل القائد،والصراع الطبقي الحقيقي في البادية لا يجري بين كبار الملاكين وغيرهم ،بل يجري بين المقيمين والمتغيبين.
كما أنهم متضامنون مع الملاكين العقاريين ومع الشبكات التقليدية وهم قليلو الاستعداد ليتشكلوا كطبقة اجتماعية .إننا لم نشهد قط تحالفات بين مزارعي أراضي الغير أو بين “الخماسة”أو العمال الزراعيون ،كما لم نشهد إضرابات ضد المالكين غير أننا شاهدنا بالمقابل تحركات تقوم بها مجموعات بأكملها ،مثلما حصل في أولاد خليفة ،ضد عدد من سكان المدينة أو مثلما حصل في أمزميز من أجل مشكلة تزويد مركز صغير بالماء حيث أريد تحويل مجرى عين ماء ضد السلطة المحلية ..إننا لم نشهد البلد ينشق إلى طبقات وكل ما هنالك بالأحرى هو تضامنات عمودية بين مجموعات أو أقسام من المجتمع.
إن الفلاحين الفقراء ينتفضون في صمت كطبقة ،بل يفعلون ذلك على مستوى التكافلات التقليدية ،تكافلات القرابة والنسب .”
يمكن اعتبار هذا التوصيف لواقع البادية ولطبيعة الفلاحين الفقراء ، إلى حد ما صحيح ،لكونه كان يعكس طبيعة المرحلة في القرن الماضي ،غير أنه في المرحلة الراهنة ،ومع تحولات البادية من خلال المشاريع الرأسمالية الكبرى،وخاصة “المشروع الأخضر” فقد حصل تفقير فضيع لطبقة الفلاحين الفقراء وجزء كبير اضطر إلى إخلاء البادية بسبب الجفاف والجزء الآخر بسبب الحرمان من استغلال مورد الماء الذي تحتكره البرجوازية الفلاحية الكبيرة التي تستثمر في عدة قطاعات ،كما حصل استقطاب جديد على مستوى التحالفات ،إذ لم يعد الأعيان حليفا مضمونا في ظل تحرير الأرض والماء وخضوعهما المتزايد للتجارة العالمية ،كما تشكلت حديثا أنتلجنسيا من أبنا ء الأعيان الذين درسوا في الخارج ،ومن أبناء الملاكين العقاريين الكبار ،هذه الفئة العصرية منخرطة اليوم في ترسيخ أقدامها في البادية المغربية ،وتعرف نوع من الاستقطاب الساسي بين طبقتي الأعيان وطبقة الملاكين العقاريين الكبار.
ملحوظة:بول باسكون هو أول من حلل مشكلة الأرض الفلاحية واعتبر أن مفتاح استثمارها ونجا عتها مرهون بتبني سياسة مائية مستدامة ،تخضع لتخطيط عمومي ديمقراطي ،وأن سياسة السدود التي بلورها الحسن الثاني لتخدم المصالح الطبقية للملاكين العقاريين الكبار ، كان مصيرها هو تفقير الفلاح الصغير إن لم يكن إعدامه ،والقضاء على الفرشة المائية التي تهدد ساكنة البوادي من الحصول على مورد الماء من أجل الشرب قبل الفلاحة.وهذا ما حصل من خلال انتفاضة العطش بزاكورة.

حسن الصعيب