التيتي الحبيب
حالة شرود

في ما يلي اورد نموذجين من احداث تاريخية اعتقد انها تلقي بعض الضوء لفهم ما عرفته الشعوب التي عاشت هذين النموذجين.
1) النموذج الاول: هو ما فرض على فيلسوف ومجتهد من طينة ابن رشد ان يكتب في نص تاريخي معروف ب “فصل المقال”. وابن رشد ولد في قرطبة بالأندلس سنة 1126 وتوفي سنة 1198 اي انه ازداد في اوروبا الخاضعة آنذاك للحكم الاسلامي. وهو فيلسوف ومفكر وطبيب وقاضي القضاة، انه صاحب كتاب “تهافت التهافت” الذي يرد فيه على ابو حامد الغزالي احد مثقفي الدولة انذاك صاحب كتاب “تهافت الفلاسفة”.
ابن رشد هو اذا صاحب اكبر مناظرة مع مثقفي الدولة التي كانت تسعى الى منع الفلسفة بل تحريمها على جميع المواطنين والمواطنات آنذاك.كتب ابن رشد كتابه تحت تأثير الارهاب الفكري السائد انذاك ودافع بشراسة عن الفلسفة لكنه قدم لخصومه تنازلات كبيرة جدا تمثل في قبوله جعل الفلسفة حقلا وشأنا خاصا بنخبة النخبة، وقبل ايضا بشروط ان يبقى الكلام والتعامل بالفلسفة محصورا وفقط على هذه النخبة. اقر ابن رشد ان من يسعى الى نشر الفلسفة الى الجمهور فهو يرتكب جريمة الكفر لان الفلسفة تؤدي بأصحابها الى التفرقة وظهور الفرق كما حدث مع المعتزلة والاشعرية .
قيل هذا الكلام في اوج ما وصلته الدولة الاسلامية انه الاجتهاد في حدود الخطوط الحمراء.رسمت الخطوط الحمراء وباتت تكبل الاجتهاد او تحصره.
مما جاء في نص “فصل المقال”:
“لا يجوز أن يكتب للعامة ما لا يدركونه
من أباح التأويل للجمھور فقد أفسده
فإذا الناس في الشريعة على ثلاثة اصناف: صنف، ليس ھو من اھل التأويل اصلاً، وھم الخطابيون الذين ھم الجمھور الغالب.
وذلك انه ليس يوجد احد سليم العقل يعرى من ھذا النوع من التصديق.
وصنف ھو من اھل التأويل الجدلي، وھؤلاء ھم الجدليون بالطبع فقط، أو بالطبع والعادة.
وصنف ھو من اھل التأويل اليقيني، وھؤلاء ھم البرھانيون بالطبع والصناعة، اعني صناعة الحكمة.
وھذا التأويل ليس ينبغي أن يصرح به لأھل الجدل فضلاً عن الجمھور. ومتى صرح بشيء من ھذه التأويلات لمن، ھو من غير اھلھا، وبخاصة التأويلات البرھانية لبعدھا عن المعارف المشتركة، افضى ذلك بالمصرح له والمصرح إلى الكفر.
والسبب في ذلك أن مقصوده ابطال الظاھر واثبات المؤول، فإذا بطل الظاھر عند من ھو من اھل الظاھر، ولم يثبت المؤول عنده، اداه ذلك إلى الكفر، أن كان في اصول الشريعة. فالتأويلات ليس ينبغي أن يصرح بھا للجمھور ولا أن تثبت في الكتب الخطابية أو الجدلية – اعني الكتب التي الأقاويل الموضوعة فيھا من ھذين الصنفين، كما صنع ذلك ابو حامد.
ولھذا، يجب أن يصرح و يقال في الظاھر الذي الأشكال في كونه ظاھراً بنفسه للجميع وكون معرفة تأويله غير ممكن فيھم،…”
……………
“فقد تبين لك من ھذا انه ليس يجب أن تثبت التأويلات الصحيحة في الكتب الجمھورية فضلاً عن الفاسدة. والتأويل الصحيح ھي الأمانة التي حمالھا الانسان فأبى أن يحملھا وأشفق منھا جميع الموجودات، اعني المذكورة في قوله تعالى: ” انا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال “الاية. ومن قبل التأويلات والظن بأنھا مما يجب أن يصرح بھا في الشرع للجميع ، نشأت فرق الإسلام حتى كفر بعضھم بعضاً، وبخاصةً الفاسدة منھا. فأولت المتعزلة آيات كثيرة وأحاديث كثيرة وصرحوا بتأويلھم للجمھور، وكذلك فعلت الأشعرية، وان كانت اقل تأويلا . فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب، ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق.” ( فصل المقال ابن رشد ص.ص 10 و 11)
2) النموذج الثاني: كانت اوروبا تعيش حين كنب ابن رشد كلامه ذاك في ظلمة القرون الوسطى، كانت تنوء تحت القهر الاقطاعي والكنيسة.كانت ممزقة الى دويلات او كانطونات ضعيفة، مما سهل غزوها من طرف المسلمين وإقامة دولة في الاندلس تمتد الى حدود فرنسا شمالا والبرتغال غربا.
لكنها استطاعت ان تنهض من سبات القرون الوسطى وتحقق اكبر الانجازات الاقتصادية والعلمية والفكرية فيما بعد.استطاعت ان تقوم بذلك لأنها تحررت من قبضة الفكر الاقطاعي وما تمثله الكنيسة .قامت ايضا بالإصلاح الديني وتحول التعامل معه ومع غيره من مجالات العلم والفلسفة الى شان شعبي .انتشر التعليم وحدثت ثورة ثقافية حقيقية مهدت للأفكار المؤسسة لما يتطلبه التطور الحاصل في قوى الانتاج .بل شجعت وساهمت هذه الافكار والمعارف الى احداث القفزة النوعية في قوى الانتاج نفسها.وحتى لا نبتعد اكثر عن مجال ابن رشد نشير الى ان اوروبا حيث كانت تهيمن المسيحية الكاثوليكية شهدت بروز حركات اجتماعية قام بها البروتستانت من اجل الحق في ممارسة عقيدتهم الهرطقية وان يعبروا بذلك جهرا وشعبيا(انظر الحركات الاجتماعية ص 40- تشارلز تلي). نتيجة هذه التحركات الشعبية استطاعت اوروبا ان تنتقل من ظلمات القرون الوسطى الى مرحلة الرأسمالية وتطوراتها الاجتماعية والاقتصادية وهي بكل حال اكبر واهم من كل المراحل الاجتماعية السابقة.
ما وقع مع ابن رشد من حجز على فكره ومن تسليط ارهاب فكري على كل من سولت له نفسه التفكير خارج النسق السائد لم يتغير الى حد الساعة نوعيا. ما حصل هو ان هوامش تفتح هنا او هناك لكن جوهر البنية الفكرية السائدة لازالت منغلقة تولد الاستبداد والحجر على الفكر المبدع.حمل احفاد ابن رشد سلاح الفكر والاجتهاد لكنهم ووجهوا بالتكفير والقتل او النفي ليبقى نسق فكري يعيش منذ القرن 12 في حالة شرود يتقوى اليوم من هذه العلاقة الهجينة التي تربطه مع برجوازية طفيلية عميلة الاستعمار سابقا والمراكز الامبريالية اليوم.نسق يعيش على التفاف جماهير واسعة حوله لأنها جاهلة محرومة من حق التعليم وفوائد المعارف التي حصلتها البشرية في اماكن اخرى.لذلك لا زال يمنع الفلسفة او يحجر عليها لا زال يعيث فسادا في المناهج التعليمية ويجعل من التعليم سلعة. انه نسق فكري محمي من طرف الاستبداد الطبقي ويتقوى من جهل غالبية الشعب.هل سيبقى هذا الفكر منغلقا على نفسه يولد التخلف ام سيعرف بدوره ثورة تجعله يخدم طموحات شعوبنا في الحرية والعيش الكريم والمساواة؟ بكل تأكيد سيتغير وهو خاضع لقانون التطور مثله مثل جميع الظواهر الاجتماعية لكن شريطة ان يلتحق بالحركة النضالية الفعلية لهذه الجماهير الشعبية.
التيتي الحبيب
17/11/2017