قراءات في إخفاق”الاشتراكية الفعلية”

في إطار تجديد المشروع الاشتراكي ،ارتأينا ضرورة نقل قراءات ماركسية جديدة لمفكرين ماركسيين مشهود لهم لعقود طويلة من تطوير بحوت ماركسية تتناول المشروع الماركسي في أصوله النظرية وتجاربه التاريخية والسياسية ،ومحاولة إعادة بنائه ،على ضوء تحولات الرأسمالية الحديثة من جهة وتجارب “إخفاق الاشتراكية الفعلية”في البلدان الاشتراكية سابقا تحت قيادة الأممية الثالثة ،وتجارب “التسوية الكينزية” في الغرب الرأسمالي تحت قيادة الأممية الثانية.
تتناول الحلقة الأولى قراءة لمفكرين ماركسيين فرنسيين ،الأول دو اختصاص اقتصادي هو “جرار دومنيل”والثاني له اختصاص فلسفي هو “جاك بيده”،نظرا لتقارب رؤاهم ،اشتركا في صياغة كتاب تحت عنوان “ماركسية بديلة :ماركسية أخرى لعالم آخر”وقد صدر سنة 2007 بخلفية المساهمة في النقاش الفكري والسياسي داخل الأوساط اليسارية ،في خضم الحملة الانتخابية الرئاسية أنداك بفرنسا.
وارتباطا مع العنوان أعلاه اخترنا هذا الفصل الذي يحلل تجربة “الاشتراكية الفعلية ” في الاتحاد السوفياتي سابقا والصين الشعبية .
من الطليعة إلى المؤسسة
إن انتصار الثورة جعل من التنظيم ذا الطابع الطليعي خاصية جوهرية لسيرورة الثورة نفسها أي الانتظام في حزب تقوده طليعة بيد من حديد ،إذن كيف يمكن للثورة أن تنجح بطريقة أخرى؟
سنحصر تفكيرنا في تجربتي روسيا والصين لأنهما يشيران إلى نفس الطليعة المنظمة.
خلال سنة 1917 تمكن البلاشفة من التحكم في قيادة حركة ثورية لم تخلقها (فبراير 1917)ولكن استطاعت تأطيرها لتأخذ بعدا جذريا (أكثوبر1917).كانت مبادرة الطليعة في الأصل منتعشة بالعلاقة مع القوى الشعبية للسوفياتات.مع ذلك فالحرب الأهلية(لسنوات 1918و1921 و1922)تركت البلد مخربا ،بحيث أن البلشفية تحولت إلى جهاز عسكري وأداة للدولة ،تتعايش مع عدم نضج الفلاحين .
مع ابتعاد آفاق الثورة في البلدان المتقدمة الذي أصبح يلوح في الأفق انطلاقا من سنوات 1921- 1923 ، ساهمت في تغيير مهام الطليعة جذريا ،خلال سنوات 1920 ،ذلك أن الذين أطروا هذه الطليعة الثورية وجدوا أنفسهم أمام متطلبات تأطير جديدة موجهة أساسا نحو التحديث ،انطلاقا من بلد متخلف .
إن النضال الثوري والحرب ترۜك لها كإرث تنظيما سياسيا –عسكريا بالارتكاز على دولة وليدة العهد.
وبالتركيز على هذا الدور للطليعة تماثلت التجربة الصينية مع التجربة الروسية ،فماو جعل من شيوعيي المدينة مؤطرين للفلاحين الفقراء،إذ يتعلق الأمر بترجمة مشروع التحديث ومسلسل قيام التعاونيات الجماعية ،من خلال حركة جماهير الفلاحين .فمنذ وقبل نجاح الثورة سنة 1949 قام أطر الحزب بتنظيم الفلاحين في المناطق المحررة.
في كلتي الحالتين تطرح قضية وطبيعة علاقة الأطر المنحدرة من الثورة مع القوى الشعبية (ذات الطابع ألفلاحي الغالب)لا يتعلق الأمر هنا بمديح ساذج لعفوية التي لم توجد. ففي كتاب “ما العمل” للينين سنة 1902 ركز على الطابع الإصلاحي الجوهري للطبقة العاملة وقد أخد على عاتقه توجها كان موجودا في الأممية الثانية وارتبط من جديد مع التقليد الشعبوي الروسي(كان قطب الرحى في معارضة القيصرية طيلة القرن التاسع عشر،الذي من خلاله أصبح دور المثقفين راديكاليا ويحتل الصدارة )كانت الحجة المقدمة هي أن الطبقة العاملة لم تكن في مستوى ضمان تدخل واعي وحيوي دون المهام المفروضة على أطر الثورة،سيرورة صنفها Roland lew في كتابه :الدولة والثورة ..مساهمة في الشيوعية الصينية سنة 1991 .
تسوية التأخر التاريخي
في السنوات اللاحقة عن الاستيلاء على السلطة، عاد التناقض بين مشروع التحديث وبين تأخر روسيا والصين، ليلعب دورا جديدا.
في روسيا انتصرت الواقعية تحت تأثير لينين،عن طريق قبول تسوية مع الطبقات الرأسمالية ،من خلال نهج “السياسية الاقتصادية الجديدة “وباختصار “النيب”.هذا الاختيار الأول تضاعف لمرتين،لكنه بدون شك كان أكثر وبالا للتورط في المستقبل:اختيار بدائل أكثر تقدما بخصوص التحديث الاقتصادي،وكان الهدف هو استيراد التكنولوجيا الجديدة وأشكال التنظيم التايلورية والفوردية من ألمانيا وأمريكا.كان هذا الاختيار على درجة من الأهمية ،لأنه نعرف بأن حاملي هذا التنظيم كانوا وأصبحوا أطرا ثم مستخدمين من الدرجة الثانية كما هو حاصل في البلدان الرأسمالية المتقدمة ،كما أضيفت هذه الأشكال التنظيمية المستوردة إلى فصل المنتجين المباشرين عن وسائل إنتاجهم
بعد وفاة لينين قدم بوخارين تقريرا جسد من خلاله هذا الخط الذي يتميز بخاصيتين :تسوية مع الطبقات الرأسمالية والتحديث ،وتكريس تفوق الأطر.
كان بوخارين يرى بأن سياسة “النيب” قد تعرف مرحلة طويلة حتى تسمح بإنضاج هذ التوجه للتطور موازي لذاك في الرأسمالية لتلك المرحلة،مع سيطرة الكل تحت جهاز الدولة الضامنة للسلطة الشعبية .
مر كل شيء كما لو أن الطبقة العاملة انتدبت لقيادة تحول اجتماعي مجسد لمشروعها ومصالحها إلى طليعة ثورية في طور التحول إلى أطر اقتصادية وسياسية ،ذلك أن الأفراد المعنيين الخارجين من الطبقة العاملة أو من الطبقات المتوسطة لم يغير من طبيعة هذه السيرورة.
كان التوجه الذي سارت عليه الصين متماثلا مع التوجه الروسي مع بعض الاختلافات التي لا يمكن نفيها ،فالديمقراطية الجديدة تم استيعابها على صورة “النيب” كتحالف أوعقد بين الأطر القيادية والبرجوازية الصينية مساهمة في تطور البلد بالتساوق مع قطاع الدولة ،تمثل هذا الطور على الخصوص ما بين 1949و1952
التجدر والضبط
نعرف كيف انتهت هذه التسويات ،لوحظت في الأصل كشيء غير محاط بها في ظل وضعية التأخر ،خاصة في المنعطف الكبير الذي ولجه الاستبداد الستاليني .من الأهمية بمكان تسجيل بأنه لما طرحت مشاكل الإصلاح في السنوات1960-1970 حتى مرحلة البيريسترويكا في الاتحاد السوفياتي ،أو في مرحلة ديان زياو بينك في الصين ،كان الجدل يحيل دائما إلى هذه المراحل من التسويات .
هذه الأنظمة الاجتماعية تطورت حول مسارات بحيث كان المزج بدون أن يستقر بين نشاط سياسي إرادوي وبين ضبط بيروقراطي.
أبدا لم يتمكنوا من خلق إصلاحات لتدابير فعالة ولا نظاما سياسيا ديمقراطيا بالمعنى الذي يحيل إلى البلدان الرأسمالية المتقدمة.في الاتحاد السوفياتي يمكن ملاحظة ثلاثة مراحل :الأولى تحلل كفترة للتنفيذ ،حيث إلغاء الحنين إلى الرقابة العمالية التي تمثل بعدا ، إذ هيمنت الإرادوية المعتمدة على الدعاية ،قبل حتى موت ستالين تجسدت مرحلة ثانية ارتبطت بسيرورة الضبط التي من خلالها امتدت السلطة إلى مجموعة أكثر عددا للأطر السياسية والإدارية والفنية ،ظلت أساليبها سلطوية وبوليسية ،وأخيرا انفتحت مرحلة الضبط الكلية بحيث كان إخفاق الإصلاحات بمثابة دق ناقوس الخطر.
طبقة مهيمنة للأطر
ما هي طبيعة المجموعة القيادية التي لم يتزحزح موقفها من الحضور على طول هذه المرحلة ؟
في هذا الصدد تتحفنا أعمال M.lewin بصفته أكبر المتخصصين في تاريخ الاتحاد السوفياتي ،ففي كتابه الأخير المعنون ب”قرن الاتحاد السوفياتي”عالج الوضعية لما بعد موت ستالين ،خاصة في فترة وصول ليونيد بريجنيف (السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفياتي من سنة 1964 إلى سنة 1982)
يصف بشكل ضمني الأطر كطبقة اجتماعية مهيمنة ،وقام بتفحص وتحري أعضائها .قدم هذه المرحلة الأخيرة التي يدرسها كنوع من الفترة الذهبية لهذه الطبقة الجديدة.
من خلال تقديم الحساب ،بدأ من الأعلى “الشريحة القيادية”(الصفحة 433) متكونة من “الأعضاء الوزراء وأعضاء المكتب السياسي ورؤساء الجهاز الحزبي والكتاب العامون للحزب وأولاءك الرأسماليين مما يعطي في المجموع 1000 شخص”ومع ذلك يتابع الكاتب :”إذا كنا نهتم بالنخبة القيادية فإن هذا الرقم جيد ،ولكن إذا كان موضوع الدراسة هو الطبقة القائدة فإليكم الرقم الثاني (2500000)الذي نعتبره”
“طبقة قائدة”إذن من هم أعضاؤها؟
“المكتب السياسي يحكم بمساعدة من 2مليون إلى 4 ملايين من “نكال نيكي” (رؤساء بالمعنى الواسع):مليون في التقدير توجد في المناصب العليا من المسؤولية ،ومليون في مواقع أقل أهمية ،على رأس الوحدات الإدارية ومليون أخرى على رأس “المؤسسات الصناعية” كل هذا العالم يشكل شريحة اجتماعية {وبالأحرى “طبقة”}ذات قاعدة واسعة التي تمتلك تاريخها ووضعها السوسيولوجي الخاصين،وأعضاؤها واعون بمصالحهم ،مثل العمال والفلاحين والمستخدمين الذين يشتغلون تحت سلطتها (ص407-408).
إنه من الأهمية بمكان صياغة طبيعة هذه السيرورة .ليست طبقة تشكلت قبل بناء النظام الاجتماعي الجديد التي استولت على السلطة ،ولكنها الطبقة التي تكونت عبر مسار تاريخي انطلاقا من طليعة ثورية التي تحولت طبيعتها واشتغلت كقطب جاذب حيث تشكلت حولها طبقة اجتماعية جديدة .تتمايز هذه الطبقة بين مختلف الفرق والشرائح ولا يأخذ بعين الاعتبار التمييز بين السياسي والاقتصادي .هذه الانقسامات أضفت في الأسوأ طابعا تراجيديا على الاستبداد الستاليني .هو ما تمظهر في عملية التطهير المتكررة للنخب يمكن في هذا الصدد قراءة الكتاب الفاتن لKendall bails . بين هذا الأخير بأن ستالين لا يستطيع أبدا التحكم في العالم الصغير للأطر حسب معاييره الخاصة ، حتى عندما يتم اختيارهم وانتدابهم من طرف الحزب.مع ذلك حملته أخيرا القوى المندفعة فوق الانقسامات الموجودة في قلب هذه الطبقة.
وإذا كان M.lewi قد شخص الأطر كطبقة اجتماعية مهيمنة ،لم يقل في أي إطار من علاقات الإنتاج؟هل يتعلق الأمر بمتغير للرأسمالية ،لنوع معين من المجتمع،إذن ماهو؟ إن غياب صياغة أطروحة بهذا الصدد تبرز هشاشة الطابع النظري لlewi .
في الصين تم التخلي عن تجربة “الديمقراطية الجديدة”باكرا لما خضعت البرجوازية سنة 1952 .تحولت الأراضي إلى تعاونيات وهيمنت الأطر السياسية على الأطر التقنية بقبضة من حديد،حسب توجه كان دوما تعبوي وغير مستقر.كان ماو نفسه في موقع المركز.حول فترة ممتدة إلى عشرات السنين ،سجلت العصابة الكبرى التي كانت في الطليعة والثورة الثقافية قمة الذروة من حيث الوقائع.الأولى يمكن تحليلها كتصدير للمجال الاقتصادي ،لأساليب النضال التي قادت إلى النصر.إن ماو رفض قبول التحديث كمهمة أكثر صعوبة للتحقيق من الكفاح المسلح والنضال الثوري.ضمنيا يقدم هذا المشروع نقدا لأساليب الأطر الإدارية والتقنية وتبرز نفس التوتر القائم بين هذه الأطر والسلطة المركزية في الاتحاد السوفياتي لستالين.هذا التوتر بلغ أوجه مع الثورة الثقافية،نوع من التحكم تم عزفه من قبل قاعدة حركتها السلطة المركزية ،حراس الثورة.عرفت التجربة فشلا دريعا في شروط دراماتيكية التي نعرفها.
حسن الصعيب