الشيوعيون في العالم العربي واستكمال مهام التحرير

الى روح القائد عبد اللطيف زروال في الذكرى 43 لاستشهاده
الخزي والعار للقتلة المجرمين.

عرفت جميع الاقطار بالعالم العربي عمليات بناء الاحزاب والمنظمات الشيوعية. ويعتبر الحزب الشيوعي التونسي الذي تأسس سنة 1920 والحزب الشيوعي المصري الذي تأسس سنة 1922 والتحق بالعمل السري منذ 1924 والحزب الشيوعي اللبناني الذي تأسس سنة 1924 من اعرق هذه الاحزاب. لم تكن ولادة هذه الاحزاب سهلة ولا هي ميسرة بل ووجهت بقمع رهيب بغرض اقبار مشروع بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة في مهده.ان تاريخ انبثاق العمل الشيوعي في العالم العربي هو تاريخ مليء بالنضالات المريرة وسقوط الالاف من الشهداء من اجل نيل حق الوجود.
انخرطت الاحزاب الشيوعية الاولى في منطقتنا في الاممية الثالثة وقامت بما كانت تمليه عليها شروط العضوية المثبتة في وثيقة الواحد وعشرين بندا الشهيرة، والتي بموجبها سميت احزابا شيوعية.عليها من الواجبات ولها من الحقوق ما لباقي الاحزاب الشيوعية الشقيقة الاخرى.
ساهم الشيوعيون في جميع معارك التحرير ومحاربة الاستعمار، لكنهم فعلوا ذلك في العديد من البلدان من موقع هامشي، وكانوا خاضعين لثقل هيمنة القوى البرجوازية الصغيرة او المتوسطة.وفي الحالات التي كان لهم وزن جماهيري كحالة العراق او السودان فإنهم ارتكبوا حماقات سياسية وتخلوا عن الخط الماركسي ولم يلتزموا او يتصرفوا كأحزاب مستقلة للطبقة العاملة، بل سعوا للسلطة عن طريق المساهمة في الانقلابات العسكرية التي فشلت وتعرض بعدها الشيوعيون الى الاجتثاث والتصفية. في المحصلة لتلك الحقبة من النضال التحرري حيث استطاع الشيوعيون في الصين وفيتنام الربط بين النضال الوطني والنضال الطبقي من اجل اقامة سلطة العمال والفلاحين، على عكس ذلك احتل الشيوعيون في العالم العربي مواقع متخلفة في هذا الصراع، لأنهم اما امتنعوا على رفع مطلب الاستقلال والنضال عليه كأولوية، او لأنهم عقدوا تحالفات مع قوى سياسية اقوى منهم ففرضت شروطها عليهم.
اما في مناطق الكفاح المسلح الطويل الامد نسبيا؛ فقد لعب الشيوعيون ادوارا هامة في التاطير والقيادة في بعضها مثل ظفار واليمن الجنوبي واريتريا وفلسطين، وفي الجزائر. لم يستطيعوا ان يتحولوا الى احزاب مستقلة الارادة لقيادة هذه النضالات وتحقيق الانتصار الحاسم والناجز، بل بقوا اسرى لتحالفاتهم الدولية. كانت نتيجة ذلك ضياع مكتسبات ثورة ظفار وثورة اليمن الجنوبي وبدون تواجد حقيقي يذكر بالجزائر.
الى جانب الانظمة الرجعية التي حاربت الشيوعيين فان القوميين العرب لعبوا دورا كبيرا في محاربة الشيوعية والشيوعيين في جميع البلدان التي استولى عليها القوميون.
بالإضافة الى عجز هذه الاحزاب على التجدر في الطبقات العاملة ببلدانها وابتعادها عن النضال السياسي من اجل اخذ السلطة والتحول الى احزاب تقود مجتمعاتها؛ فإنها بقيت منعزلة ايضا عن بعضها البعض، ولم تستطع اقامة بنيات او آليات التعاون فيما بينها.فمع انهيار الاممية الثالثة، التي كانت الحضن للحركة الشيوعية على الصعيد الاممي، انهارت امكانية التنسيق او الترابط بين الاحزاب بمنطقتنا.
مع بداية ستينيات القرن الماضي برزت عوامل اجتماعية وسياسية محلية وجهوية وعالمية كان لها بالغ الاثر في تغيير ملامح الحركة الشيوعية في العالم العربي. في مقدمة هذه العوامل يمكن اعتبار انكشاف حقيقة الاستقلال الذي طبق على بلدان منطقتنا، اذ اتضح طابعه الشكلي واستمرار الاستعمار تحت راية الاستقلال. انه استعمار جديد تخدم فيه طغمة محلية نفس مصالح الامبريالية. كان ايضا لتشكل منظمات الكفاح المسلح الفلسطيني فتح وانوية اليسار ثم بروز اليسار الماركسي ضمن هذه المنظمات دور كبير في فتح احدى اهم جبهات التحرر بالعالم العربي.لقد انتقل كفاح الشعب الفلسطيني من مرحلة الاعتماد على انظمة الجامعة العربية الى الاعتماد على الذات. شكلت القضية الفلسطينية ارضية توحيد وتجميع كل الشيوعيين بمنطقتنا وأصبحت لهم نقطة سياسية ونضالية في جميع برامجهم المحلية او القطرية. لذلك وجب على كل الشيوعيين ببلداننا الاهتمام بقضية الشعب الفلسطيني باعتبارها الاساس المادي لكل عمل اممي في المستقبل. إن النضال ضد الكيان الصهيوني هو نضال بامتياز ضد الامبريالية وبطريقة ملموسة. أصبحت القضية الفلسطينية والموقف منها احد النقط التي يجري على اساسها الفرز بين الحركة الشيوعية على الصعيد العالمي وبمنطقتنا بل اصبحت بدورها تساهم في بروز وتشكل الحركة الشيوعية الجديدة حركة الماركسيين اللينينين. الى جانب هذين العاملين هناك الفشل الذريع لأنظمة رأسمالية الدولة والتي قامت على قاعدة الحركة الانقلابية التي عرفتها المنطقة وكان اهم فشل هو سقوط وهزيمة نظام جمال عبد الناصر بعد حرب 1967 حرب الستة ايام، استطاعت القوى الصهيوينة المدعمة من طرف الامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة ان تكشف خواء وزيف هذه الانظمة بل عزلتها الحقيقية عن شعوبها. مكن الواقع اذا من النقد العملي لهذه الانظمة وسقطت كل الاطروحات البرجوازية الصغيرة الانقلابية والبلانكية في الاستحواذ على السلطة ورجع الوهج للاطروحات الماركسية المؤسسة ومنها اهمية وجود الحزب المستقل للطبقة العاملة والمتبني للماركسية اللينينية وضد النزعة التحريفية. ونختم عرضنا للعوامل الفاعلة في بروز هذه الحركة الشيوعية الجديدة بما تحقق على الصعيد العالمي من انتصارات حاسمة كان على رأسها نتائج الثورة الثقافية الصينية والتي فتحت عهدا جديدا في حياة الاحزاب الماركسية اللينينة وترسيخ مفهوم خط الجماهير وضرورة تثوير علاقات الانتاج كشرط لتعميق مكتسبات الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية والتي تبني سلطة العمال والفلاحين سلطة الديمقراطية الجديدة؛ يضاف الى هذا الحدث الكبير الانتصار المدوي للثورة التحررية الفيتنامية على الامبرياليتين الفرنسية والأمريكية وتحرير فيتنام بشقيها الشمالي والجنوبي، وكان لهذه الهزيمة الامبريالية بعد حرب بغيضة عارضتها حركة سلمية كبيرة في امريكا وأوروبا، كان لها ولنهايتها الك تأثيرا قويا على نهوض شعبي وعمالي في اوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وحتى اوروبا الشرقية وخاصة وسط الشباب.
بالنتيجة ظهرت تنظيمات الحركة الشيوعية الجديدة وهي منظمات ماركسية لينينية في فلسطين ولبنان وفي بلدان المغرب الكبير: المغرب وتونس وموريطانيا؛ شكلت هذه البلدان مركز هذه المنظمات وكانت هناك ارهاصات في باقي البلدان مثل العراق او مصر او سوريا على شكل انشقاقات او بروز تيارات ثقافية وسط المثقفين والحركة الطلابية.
ووجهت هذه الحركة بدورها مواجهة عنيفة استعملت فيها سياسة جديدة زاوجت بين العنف المادي اي القتل خارج القانون والاعتقالات والاختطافات وإصدار الاحكام الثقيلة والنفي، ومن جهة ثانية سياسية تفريغ المحيط او العزل عن القاعدة الشعبية بالاعتماد على القوى الظلامية ومنظمات الاسلام السياسي بعد اجراء المصالحات معها في مصر السادات وخلق ميليشيات مسلحة لمحاربة الشيوعية في افغانستان من طرف التحالف الامريكي- السعودي. هكذا انطلقت موجة تكاد تكون متناسقة ومتشابهة في بلدان العالم العربي وخاصة منه تلك التي عرفت انتعاش الحركة الشيوعية الجديدة. استوطنت وتركزت عملية تجفيف المنابع في التعليم والمدارس والجامعات ثم فتحت المساجد الرسمية وغير الرسمية لنقل خطاب القوى الاسلامية كما فتح الاعلام الرسمي او الخاص على مصراعيه لنفس القوى.
من جهة ثانية عملت الانظمة على اضعاف الطبقة العاملة سواء من حيث تخريب المؤسسات والشركات العامة او الشبه عامة وتحويلها للقطاع الخاص او تسريع وثيرة الاندماج في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية ورفع الحماية عن الصناعات الوطنية. هكذا اصبحت الطبقة العاملة تعيش حالة الهشاشة وتقوت حالة الخوف من فقدان الشغل بسبب الاضراب او الانتماء للنقابات فابتعد العمال شيئا فشيئا عن الحركات الاحتجاجية الهجومية وأصبحت النضالات ذات طابع دفاعي صعب جدا. كما ان التنظيمات الذاتية للعمال من نقابات وتنسيقيات تم اختراقها ولم تعد تخدم في المقام الاول مصالح الطبقة العاملة بل تحولت الى ادوات تصريف سياسيات التوافقات الطبقية بين البيروقراطية النقابية مع البرجوازية والدولة في اطار ما سمي بخدمة الصالح العام او في المغرب بالسلم الاجتماعي.
على الصعيد الدولي وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين تعرضت الحركة الشيوعية لهزة خطيرة، لأنها اصبحت تحاكم على قاعدة فشل تجربة تاريخية؛ فانتعش من جديد الفكر البرجوازي الليبرالي الى حد ان منظريه اعتبروا ان الرأسمالية تشكل نهاية التاريخ.كان لهذا الواقع تأثيره الكبير على الحركة الشيوعية بمنطقتنا، فالأحزاب الشيوعية القديمة التحريفية دخلت مرحلة اكثر ردة فسارعت الى التنصل والتنكر الى كل ما كان يربطها مع ماضيها الشيوعي. لذلك انتقلت في العديد من البلدان الى احزاب مندمجة مع الانظمة القائمة وأصبحت تدافع على الامر الواقع وتعادي اية محاولة لتنظيم الصمود والمقاومة. كان لهذا السقوط المدوي لمثل هذه الاحزاب بالإضافة الى سقوط جدار برلين الاثر الوخيم على وعي الجماهير وعلى رؤيتها للحركة الشيوعية العربية ولمشروعها المجتمعي.ولذلك ادارت الجماهير ظهرها لمشروع فشل وتبرئ منه اصحابه وبات الطريق مفتوحا وسالكا لجميع قوى الاسلام السياسي والقوى الليبرالية. أما الحركة الشيوعية الجديدة اي المنظمات والأحزاب الماركسية اللينينية فإنها وجدت نفسها في حالة من الضعف والحصار مما سبب حالة من الردة والانزواء للبعض او السقوط في براثين الاحباط واليأس للبعض الاخر. لكن استطاعت انويه مهمة الصمود او تنظيم الصمود، وكأنها تعيد نفس تجربة البناء ورأب التصدعات.
كان لهذه الازمة الاثر البالغ في تشرذم الصفوف وطغيان الغموض وحتى فقدان الثقة في النفس وهو ما رأيناه ينعكس في الممارسة السياسية والهروب من الالتزام التنظيمي وطغيان الفوضوية ومراجعة الفكرة الحزبية.فالحركة الشيوعية الجديدة بمنطقتنا تعرف نفس الاوضاع التي هي عليها في الصعيد العالمي حيث نجد من يعتقد ان الصمود ومقاومة الردة الحاصلة هو التشبث باليقينيات او بان السبب لما نراه اليوم هو ذلك الانزياح عن الاصول التي خلفها القادة العظام للحركة الشيوعية العالمية؛ فراح كل فريق يحسب نفسه على هذا القائد او ذاك وفي نفس الوقت من اجل الدفاع على نفسه تراه يسفه القائد الآخر او يعلق عليه كل الشرور التي اصابت التجربة الاشتراكية وثورة اكتوبر.
لكن هذه الوضعية لم تدوم طويلا لان مجتمعاتنا تعيش صراعها الطبقي الذي لم ينقطع او يدخل مرحلة الكمون في انتظار ان تحسم فصائل الحركة الشيوعية الجديدة اختياراتها وتموقعها. اندلعت مع نهاية سنة 2010 وبداية 2011 اعظم حركة في تاريخ منطقتنا وهي الهبات الثورية التي تمخض عنها سقوط رؤوس انظمة واهتزاز عروش وكراسي انظمة اخرى. لم تكن الحركة الشيوعية الجديدة جاهزة لتحمل مسؤولية القيادة الشيء الذي تولته قوى الاسلام السياسي لأنها كانت اكثر حضورا وتأثيرا.
لا شك ان العديد من مكونات الحركة الشيوعية الجديدة قامت بتقييم ادائها خلال السيرورة الثورية الجارية وتوصلت للاستنتاجات الضرورية والمهام الملقاة عليها.وفي هذا الاطار نرى انه بالإضافة الى استخراج تلك الدروس على الصعيد الوطني لكل مكون من مكونات الحركة الشيوعية لا بد من الاهتمام بالعلاقات الضرورية بين هذه المكونات نفسها وعلى الصعيد الجهوي في اطار العلاقات الاممية والتي تبدأ بالأقربين جغرافيا وتاريخيا واجتماعيا.من جديد لابد وان تحتل القضية الفلسطينية والموقف منها حجر الزاوية في هذه العلاقات الاممية لان الكيان الصهيوني هو رأس الحربة الامبريالية في المنطقة. لن تلعب القضية الفلسطينية دور الاسمنت لهذه الحركة الشيوعية الجديدة اذا لم ينهض الشيوعيون الفلسطينيون بدورهم ويسترجعوا موقعهم الطليعي في كفاح الطبقة العاملة الفلسطينية وكل كادحي فلسطين في الداخل والشتات. وفي نفس الوقت وجب على هذه الحركة ان تبني علاقات اممية اوسع مع شيوعيي العالم وتعمل على بناء اممية جديدة تناهض الامبريالية وتبني اسس النظام الاشتراكي في العالم.
التيتي الحبيب
14/11/2017