الإسلاميون واستحقاق الفرز السياسي

مشروع الاخوان المسلمين كان ولا يزال مشروعا يخفي ما يضمر. هي نفس الطريقة التي اتبعها في العشرين سنة الاخيرة بدافع خلق التوازن مع الوهابية التي انتعشت في احضان الحرب الباردة، بل كانت راس الحربة في افغانستان حيث اقامت معسكرات التدريب ومحاربة المد الشيوعي هناك. بعد مرحلة كمون وترتيب الاوضاع في العاصمة لندن وهي الفترة التي اشتغلت فيها القيادة العالمية للاخوان المسلمين عن طريق التنسيق بين المنظمات الاخوانية القطرية كمصر والكويت والاردن وتركيا وباكستان واندونيسيا وكان يغلب على مرحلة التنسيق هذه الطابع الدعوي ويغيب الجانب السياسي الجماهيري.
على الصعيد العالمي وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وطغيان القطب الامريكي الوحيد، بات المشهد العالمي وكأنه بيد القبضة الامريكية، وهو ما وفر المجال وحرية التصرف للوهابية وذراعها الجهادي القاعدة في افغانستان. هذا الوضع الدولي المناسب دفع الاخوان المسلمين مركزيا الى اعادة تقييم مواقعهم في المشهد الاسلامي، فاستنتجوا ان اللحظة هي لإعادة التموقع، وفي ذات الوقت خوض المنافسة مع الاسلام الوهابي، من اجل اكتساب مواقع في اطار تبادل المصالح مع الامبريالية الغربية ومساعدتها في عدم وضع بيضها في سلة الاسلام الوهابي فقط، وفي نفس الامر مقاومة المد الشيعي والنفوذ الايراني المتنامي منذ انتصار ثورة الخميني 1979.
في هذا الاطار وضع مشروع كبير نفذ على مراحل.كانت اولى مراحله هي بالاعتماد على المواقع والمنظمات الاهلية التي تم تأسيسها في الدول العربية والإسلامية وفي بعض الدول الغربية ايضا، ستتحرك القيادة الاخوانية العالمية كقيادة منظمة ومهيكلة اكثر مما فعلت لحد الساعة. هكذا توجهت هذه القيادة الى الخليج بحثا عن مصادر تمويل مضمونة، فكان ذلك التقارب المصلحي مع امارة قطر ونظامها العشائري الذي بدوره يبحث عن شريك يوفر القوة السياسية والبشرية في صراعه الخفي مع العشائر والقبائل المتنفذة في المنطقة وخاصة في العربية السعودية.
فمن اجل الخروج من مرحلة الدعوية المحدودة في القطر الواحد، الى مرحلة اكتساح فضاءات ارحب وأوسع سيتم الاعتماد على اهم ابتكارات التكنولوجية الحديثة في التواصل والتي رأسها الاعلام السمعي البصري. لقد ساعد على النجاح الباهر لهذه الخطة واقع الخصاص الكبير وتعطش المواطن للمعرفة وللإطلاع على الاخبار وما يجري حوله عبر العالم. ان هذا المواطن يعيش القمع والحصار وحتى تحت رحمة اعلام متكلس تبث منه الدولة اخبار الملوك او الرؤساء والحكومات، بالإضافة الى الكذب والبروباغاندا.هكذا تأسست الجزيرة كمؤسسة اعلامية سنة 1996 بالاعتماد على استقدام الخبرة الفنية والتقنية من لندن، وتم استقطاب طاقم بشري من مؤسسة بي بي سي المعروفة والعريقة.كان اختيار البي بي سي اختيارا مخططا له، نظرا للسمعة التي اكتسبتها اذاعة البي بي سي منذ انطلاقها ابان الحرب العالمية الثانية والتي استعملها تشرشل كوسيلة للدعاية للسياسة البريطانية في مواجهة المحور والنازية.كان توجيه تشرشل لتلك الاذاعة: التزموا الحقيقة 99 في المائة واتركوا واحد في المائة لنا لنستعمله كما نريد.
انطلقت الجزيرة منذ 1996 وهي تكتسح المشهد السمعي البصري حتى اصبحت القناة المفضلة لذى الاغلبية من المواطنات والمواطنين.اشتغلت بعيدا عن المرجعية الاخوانية ونجحت في اخفائها جيدا بل موهت عليها وانفتحت على الكثير من الحساسيات والمرجعيات بالمنطقة. كانت برامجها تضم برنامجا وحيدا حواريا مع يوسف القرضاوي، وكأن مؤسسة الجزيرة تطبق توجيه تشرشل بحذافيره: برنامج وحيد يضمن تسريب خط تحرير بكامله للفكر الاخواني. عملت الجزيرة باحترافية، فغطت الاحداث تغطية مباشرة بما فيها الحرب على العراق التي كان ثمنها باهظا على الصحافيين المشتغلين لديها اذ قتل اثنين منهم وهم ينقلون اطوار الحرب الامريكية على شعب العراق.
بذلك استطاعت الجزيرة ان تصبح القناة الاولى في المنطقة، فوسعت من نفوذها وخلقت قنوات ناطقة بالانجليزية. بالموازاة مع هذا النجاح الباهر توطدت العلاقة بين القيادة المركزية للإخوان المسلمين ونظلم الدوحة الى حد ان المتتبعين باتوا يتكلمون عن الدوحة والجزيرة كسلطة واحدة.انعكس ذلك على تغيير الطاقم الاداري للقناة وتمت عملية “قطروته” نسبة لقطر.هل نجح الاخوان المسلمون بالاستيلاء على الامارة؟ ام هل نجح امراء قطر بالاستحواذ على القيادة المركزية للإخوان المسلمين؟ سؤال لا زالت خيوط الاجابة عنه متشابكة ومتداخلة ولا بد من بعض الوقت حتى تتضح المعالم.
في مطلع 2011 اندلعت السيرورات الثورية بمنطقتنا وكانت منظمات الاخوان المسلمين اكثر انتظاما وتواجدا من غيرها خاصة في مصر وتونس، فاعتبر التنظيم العالمي للاخوان المسلمين ان المناسبة باتت سانحة للانتقال لكشف اللعبة بالكامل.هكذا تحولت الجزيرة من قناة محايدة تحاول اظهار الاحترافية والموضوعية، الى جهاز سياسي سافر؛ منه وعبره توجه التعليمات بل تدار من خلالها المسيرات والاعتصامات.انتقل المذيعون من صفة مذيع ومنشط الى قائد ميداني في الميادين بمصر، يعطي التعليمات ويسير الانتفاضات.تحولت الجزيرة الى هيأة اركان حرب فصعدت من تدخلاتها خاصة في ليبيا وسوريا.
في تقييم حصيلة 7 سنوات من تواصل هذه السيرورات الثورية بمنطقتنا، كانت فشل المشروع الاسلامي بكل اطيافه.سقط حكم الاخوان في اكبر بلد كانوا يخططون للاستيلاء على السلطة فيه منذ 80 سنة.اندحرت عصابات الوهابية في العراق وسوريا وكان آخرها ما نراه اليوم من هرب فلول داعش والقاعدة. بفعل هذه الهزائم المتتالية وبفعل النهوض الهائل لوعي شعوب منطقتنا، انتقلت التناقضات الى صفوف الانظمة الخليجية ممولة الثورة المضادة في شقها الاسلامي.هذه التناقضات التي تراقبها وترعاها الولايات المتحدة لأنها منجم ذهب للصناعة الحربية طليعة النظام الامبريالي الصناعي والمدر للإرباح الطائلة في فترة الازمة.تحولت قطر الى ثكنة عسكرية فيها قواعد امريكية وتركية من جهة وهيأة اركان التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.على مرمى حجر تحتشد الجيوش في السعودية والإمارات العربية من اجل غزو قطر.
مغاربيا تراقب شعوبنا هذا التعري للمشروع الاخواني، وفي ذات الوقت توجه النقد والمسائلة للإسلام السياسي المغاربي. على ما يبدو استشعرت القوى الاسلامية هذا المنحى وهي تحاول جادة بت الصورة او الفكرة بأنها قوى فكت الارتباط مع الاسلام السياسي المشرقي بإخوانه ووهابييه.في تونس تحاول النهضة التنصل من كل تلك الارتباطات الفجة مع الاخوان المسلمين كما في المغرب يحاول البيجيدي التنكر لماضيه الاخواني بينما القوى الاخرى لا تفوت مناسبة للتأكيد على مرجعيتها الصوفية وارتباطها بالتربة المغربية واستقلالها عن الاسلام السياسي المشرقي، بل هي تحاول حتى انتقاده. نحن اذا امام دينامية فرز سياسي هام ومفيد لمستقبل التغيير الثوري ببلادنا.ولكي يبلغ هذا الفرز مداه النافع والمنتج لبناء موازين القوى الضرورية لا بد من فك ارتباط قوى الاسلام السياسي بالمراكز الامبريالية والرجعية في المشرق وفي بلادنا المغاربية، ولا بد ايضا من انضمام هذه القوى لصف الكادحين والنضال الميداني والفعلي من اجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؛ بمعنى نزع الثروات من ايدي الطبقات الطفيلية ووضعها في يد المنتجين المباشرين ومن اجل المساواة الحقيقية بين المرأة والرجل ومن اجل حرية العقيدة واستقلال السياسة عن الدين باعتباره من خصوصيات الفرد الحر والواعي.
التيتي الحبيب
05/11/2017