• حسين لهناوي

حول الاصلاح الزراعي بالمغرب

1) معطيات أساسية
1- 1 – الهياكل العقارية
حسب آخر إحصاء للفلاحة بسنة 1996 فإن حوالي 65000 استغلالية أي 4.3% من مجموع الاستغلاليات البالغ عددها حوالي مليون ونصف استغلالية لا تتوفر على مساحة زراعية وهده الاستغلاليات بدون مساحة زراعية مشكلة من اسر الرعاة الدين يتنقلون بقطعانهم بين المراعي حسب فصول السنة و حسب تواجد العشب كما تتشكل من اسر العمال الزراعيين المنحدرين من قرى فقيرة الى الأحواض السقوية حيث تتوفر فرص الشغل في ضيعات الرأسماليين والدين في غالبيتهم يسكنون في أكواخ متمركزة على جوانب الطرقات و هوامش الضيعات الكبرى. و تجدر الاشارة الى ان عدد الاستغلاليات بدون مساحة قد عرف انخفاضا كبيرا ،حيث كان يقدر ب أزيد من 400.000 استغلالية خلال إحصاء 1976 ويعزى هدا الانخفاض إلى موجات الهجرة القروية نحوا لمدن وهو ما يفسر التنامي الهائل لمدن القصدير و الأحياء الصفيحية في جل المدن المغربية. أما الاستغلاليات الصغرى التي تقل مساحتها عن 5 هكتارات فتمثل 57 % من مجموع الاستغلاليات ولا تشكل إلا 24 % من مجموع المساحة الصالحة للزراعة فيما الاستغلاليا التي تفوق مساحتها 100 هكتار فلا تمثل إلا 0.2 % من مجموع الاستعلاليات و لكن تمثل أزيد من 9 % من المساحة الإجمالية الصالحة للزراعة و التي تبلغ 8.7 مليون هكتار. و للإشارة فان الإحصاء الرسمي العام للفلاحة لا يعطي التفاصيل حول مساحات الاستغلاليات الكبرى و يقف فقط عند سقف 100 هكتار في حين ان هناك العديد من الاستغلاليات التي تفوق مساحتها الآلاف من الهكتارات.
1-2- معطيات ووقائع تاريخية:
بعد مفاوضات إيكس ليبان التي أفضت إلى الحفاظ على المصالح الاقتصادية الإستراتيجية للإمبريالية الفرنسية بالمغرب سيتم الانسحا ب التدريجي للمعمرين الفرنسيين من الضيعات التي احتلوها و التي تعود ملكيتها إلى مختلف القبائل التي انتزعها منهم الاستعمار.
وهذه الضيعات في مجملها أراض خصبة تتواجد بالدوائر السقوية التي تتوفر على مصادر هامة من المياه.
خلال الاستقلال الشكلي ستعد الحركة الوطنية من خلال حكومة عبد الله ابراهيم بإصلاح زراعي شامل هدفه إرجاع الأراضي التي استولى عليها المعمرون لأصحابها وحمايتها من المضاربات. وستتم دعوة الأحزاب السياسية والمركزية النقابية الوحيدة أنداك الاتحاد المغربي للشغل لتقديم تصورها حول الإصلاح الزراعي المرتقب.
وبما ان الإصلاح الزراعي يرتكز إلى الملكية الجماعية للأرض بصفتها وسيلة للإنتاج غير قابلة للتملك و المتاجرة كهدف اسمي أو في ابسط الأحوال تحديد سقف الملكية العقارية حسب المعايير المعروفة منها خصوبة الأرض والنمو الديموغرافي الى غير دلك، فقد تم استنفار الملاكين العقاريين الكبار الدين يشكلون القاعدة الرئيسة للنظام المخزني لمناهضة اي إصلاح يمس الهياكل العقارية الموروثة عن الاستعمار.
ففي 21 مايو 1960 سيقدم النظام على حل حكومة الحركة الوطنية و يتم إفراغ مضمون الإصلاح الزراعي بمفهومه التحرري الذي يهدف إلى إعطاء الأرض لمن يحرثها من عمال زراعيين و فلاحين كادحين إلى مضمونه الإصلاح الفلاحي الدي يعني تحسين التقنيات الزراعية بدون المساس بالهياكل العقارية.
2) الأساس المادي للإصلاح الزراعي:
تبلغ مساحة الأراضي الزراعية التي استولى عليها المعمرون حوالي مليون هكتار موزعة على 6000 ضيعة أي بمساحة معدلها 166 هكتار للضيعة ، لكن تتراوح هذه المساحة حسب المناطق بين 80 هكتار و 400 هكتار. وكان المعمرون يلتجئون الى الاستغلال البشع للآلاف من العمال الزراعيين لخدمة هده الضيعات العصرية التي كانت تزود فرنسا بالمنتوجات الفلاحية التي تحتاجها . بالإضافة إلى المعمرين الفرنسيين يستحوذ الملاكون العقاريون المغاربة المتعاونون مع الاستعمار على مساحات تفوق 280.000 هكتار من أجود الأراضي وهي عبارة عن ضيعات شاسعة يتم استغلالها من طرف الخماسة و الرباعة.
مقابل هذا القطاع الحديث الدي يشمل حوالي 1.3 مليون هكتار، هناك قطاع تقليدي يقدر ب 6.5 مليون هكتار جلها من الاستغلاليات العتيقة و الصغيرة والمتواجدة في أرض أقل خصوبة مقارنة مع القطاع الحديث . لكن حتى داخل هدا القطاع التقليدي يستحوذ 5800 ملاك عقاري كبير على 1.5 مليون هكتار أي بمساحة معدلها 260 هكتار للاستغلالية. وهؤلاء كانوا عملاء للسلطات الاستعمارية ضد المقاومة الوطنية و لقد استفادوا من وضعهم هدا ليوسعوا ضيعاتهم على حساب انتزاع أراضي صغار الفلاحين و أراض الجموع المجاورة.
سيستمر الحديث على الإصلاح ، إلى ان تم الحسم في الأخير للطرف الذي يتوفر على موازين القوة لصالحه وهو تكتل الملاكين العقاريين الكبار والبورجوازية التجارية الملتفون حول النظام المخزني الذين استحوذوا على أجود الأراضي بطرق غامضة ومشبوهة.
ففي سنة 1963 سيتم استرجاع 250.000 هكتار من الأراضي المسمات اراض الاستعمار الرسمي.
وفي سنة 1973 سيتم استرجاع 750.000 هكتار من الأراضي المسمات اراض الاستعمار الخاص.
وخلال هذه المدة تقدير المساحة التي استولى عليها الملاكون العقاريون وحلفائهم المقربون من القصر بطرق ملتبسة وغامضة بحوالي 400.000 هكتار.
وليتم إضفاء نوع من الشرعية على هذا المسلسل الخطير لنهب أراضي الشعب، سيتم توزيع أقل من 340.000 هكتار على 26500 فلاح منظمين في 670 تعاونية للإصلاح الزراعي. وهذه التجربة على تواضعها كانت ستشكل بداية انطلاق التوزيع العادل للثروات وارصاء اسس مجتمع متضامن نظرا لوجود تقاليد التضامن و التازر بين افراد القبائل، لكن النظام و الطبقة الملتفة حوله كانت له استراتيجية اخرى تتمثل في تدمير كل الاعراف و التقاليد التقدمية نسبيا والتي لم يستطع الاستعمار ان يجفف منابعها الاصيلة. وهكدا سيتم افشال هده العملية بطريقة بيروقراطية بسيطة، تتمثل في تعيين مدير ومراقب الحاسبات على رأس كل تعاونية ليتم التحكم في مصير هذه التعاونيات وعدم إعطائها صلاحيات واسعة في تسيير وتدبير شؤونها. وسيستمر مسلسل الفساد داخل التعاونيات التي أصبحت عبارة عن صناديق سوداء يتصرف فيها المديرون ومراقبوا الحسابات بشكل مطلق وستتراكم الديون على التعاونيات دون ان يكون للفلاحين المنخرطين علم بدلك .
وبعد عقدين تقريبا سيتم التخلي عن هذه التجربة بعد إفشالها وبالمقابل سيتم التركيز، بإيعاز من البنك الدولي، على أن التوجه الأنجع هو ليبرالية القطاع ألفلاحي وإطلاق يد البرجوازية الزراعية للاستيلاء على ما تبقى من أراضي المسترجعة التي كانت تسيرها شركات الدولة آو أراض الجموع تحت أساليب مختلفة كالكراء لمدة طويلة بأثمان رخيصة أو التفويت بعقد و دفتر التحملات للمستثمرين المغاربة و الأجانب و في هدا الإطار يندرج ما يسمى بمخطط المغرب الأخضر الذي يهدف إلى تعزيز قبضة الرأسمال على القطاع ألفلاحي و تعزيز إدماجه في السوق الرأسمالي العالمي و هو ما يعني المزيد من تجويع الجماهير الشعبية وجعلها تحت رحمة الشركات العابرة للقارات التي تتحكم في تجارة المواد العدائية الأساسية.
بالإضافة إلى الأراضي التي استفادت و لا زالت تستفيد منها البرجوازية في القطاع ألفلاحي، فقد تم منحها حصة الأسد من الدعم المخصص لهدا القطاع وتسهيل القروض وبالخصوص تم إعفائها من الضريبة على الأرباح على مدى مدد طويلة.
3- حصيلة التوجه الليبرالي في القطاع ألفلاحي:
الآن وبعد تطبيق توجهات المؤسسات المالية الدولية من خلال ما سمي ببرنامج التقويم الهيكلي ألفلاحي خلال بدية الثمانينات وإبرام اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي و أمريكا خلال التسعينات، يمكن أن نقف على النتائج التي تم تحقيقها، خاصة فيما يهم تحرير الاسعار وتنمية الصادرات .
أدى تحرير الأسعار إلى الارتفاع المهول والمستمر لأثمان المواد الأساسية مما فاقم من تدهور القدرة الشرائية للجماهير الشعبية، أما الصادرات التي تشمل أساسا الحوامض والبواكير فقد عرفت تراجعا ملحوظا بسبب الحماية التي تفرضها أسواق الاتحاد الأوروبي الذي يستقبل حوالي 80% من صادرات المغرب. وقد نتج عن هذا عجز كبير في الميزان التجاري ألفلاحي، بحيث أصبحت الصادرات الفلاحية لا تغطي إلا أقل من 50% من الواردات الفلاحية التي تشمل الحبوب والزيوت والسكر.
فخلال السنوات الأخيرة لم تتعدى قيمة الصادرات الفلاحية معدل 9 مليار درهم في السنة في حين فاقت قيمة الواردات معدل 20 مليار درهم سنويا وتتشكل من المواد الأساسية لتغدية الشعب، فالحبوب يستورد المغرب معدل 55% من حاجياته الغذائية سنويا مهما كانت الظروف المناخية والزيوت يتم سنويا استيراد معدل 70% من حاجيات الشعب فيما ان الواردات السنوية من مادة السكر فتفوق 60% من الحاجيات.

4-بعض المقترحات العملية:
لقد أثبت التوجه الليبرالي فشله الذريع في ضمان الأمن الغذائي للشعب المغربي بحيث أصبح رهينة لسياسة بعض الشركات العابرة للقارات التي تتحكم في التجارة الدولية للحبوب والزيوت والسكر و البديل الحقيقي لضمان الأمن الغذائي للشعب هو القطع مع الاندماج المتزايد للفلاحة المغربية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي وإعطاء الأولوية للتوجه نحو الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية الأساسية وخاصة الحبوب والزيوت والسكر والحليب ومشتقاته واللحوم، وهذا يستوجب النضال من أجل إرساء سياسة فلاحية تهدف إلى الاستجابة للحاجيات الغذائية للشعب كأولوية قصوى . وهد ا بدوره يتطلب نضالا مستميتا لفرض إصلاح زراعي لصالح الجماهير الشعبية.
و للوصول الى هدا الهدف يمكن البدء بمرحلة انتقالية تشمل ثلاث محاور أساسية :
أولا: تأميم الأراضي التي استولى عليها الأعيان والملاكون العقاريون الكبار خلال عقد السبعينات سواء تلك التي تراموا عليها بدون وثائق أو تلك التي تحايلوا على الاستيلاء عليها عبر وثائق تم تحريرها مع المعمرين أثناء انسحابهم، وهذه المساحة تشمل ما يناهز 650.000 هكتار وتتواجد كلها بالأراضي الخصبة، واستفادت من التجهيزات الهيدروفلاحية المقامة في إطار ما سمي بسياسة السدود وهي في أغلبها مكونة من ضيعات كبيرة تنتج الزراعات الموجهة للتصدير و تواجه حاليا ظروف صعبة نتيجة المنافسة الشديدة للدول التي تتوفر على مستوى متقدم من التكنولوجيا و الديمقراطية فضلا عن الظروف المناخية الملائمة و التي تجعل مستوى تكلفة الإنتاج اقل بكثير من مستوى هده الضيعات الشيء الذي يدفع البورجوازية الزراعية إلى الضغط على الحلقة الضعيفة في سلسلة تكاليف الإنتاج وهي مضاعفة استغلال العمال الزراعيين و إلى تسريحهم و تشريد العديد من عائلاتهم .
فإذا ما تم تأميم هده الأراضي و تم زرع نصف هذه المساحة فقط أي حوالي 350.000 هكتار التي تتواجد بالمناطق المتوفرة على السقي بزراعة الحبوب ،ستمكن من إنتاج حوالي 15 مليون قنطار وهو ما يمثل 40% من الكمية المستوردة سنويا من الأسواق الخارجية أي اقتصاد ما يناهز 4 مليار درهم من العملة الصعبة ويشغل حوالي 200.000 عامل زراعي أي تقريبا ربع عدد العمال الزراعيين الذين يتم تشريد الآلاف منهم بشكل مستمر من طرف البرجوازية الفلاحية نتيجة الصعوبات المالية التي تعترض صادراتها بسبب السياسة الحمائية التي تنتهجها أسواق الاتحاد الأوربي في إطار السياسة المجحفة لاتفاقية التبادل الحر المبرمة بين المغرب و كل من الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة الا ميريكة.
ثانيا: استرجاع المساحات التي تم تفويتها للأعيان وكبار العسكريين والتي تقدر بحوالي 70.000 هكتار تتواجد كلها بالمناطق الخصبة التي تتوفر على مصادر المياه هده الأراضي تم اقتطاعها من الأراضي المسماة الملك العمومي للدولة آو الاراضي التي كانت تحت تسيير صوديا و صوجيطا . و ادا تم زرع حوالي نصف هده المساحة بالزراعات السكرية و خاصة الشمندر السكري ستمكن من إنتاج ما يوازي ربع ما نستورده شريطة تأميم شركة تحويل النباتات السكرية (كوزيمار) التي تم تفويتها لمجمع اونا المملوك من طرف القصر . و هده المساحات ستمكن من تشغيل أزيد من 20.000 عامل زراعي بشكل دائم و رسمي.
ثالثا: مراجعة العقود المبرمة مع المستثمرين فيما تبقى من ضيعات صوديا و صوجيط المفوتة في اطار ما سمي بالشراكة بين القطاع الخاص والعمومي والتي يتواجد جلها بالدوائر السقوية وتتمركز بالاراضي الخصبة في اتجاه المحاسبة الصارمة في تطبيق بنود دفتر التحملات خاصة في الجانب المتعلق بالحفاظ على حقوق و مكتسبات العمال الزراعببن. و من المعلوم ان اغلب المستفيدين هم من المقربين من القصر او الاعيان .
رابعا: سحب سلطة الوصاية على أراضي الجموع التي تبلغ مساحتها 12 مليون هكتار منها 1.5 مليون هكتار صالحة للزراعة من وزارة الداخلية التي تتحكم في تدبيرها وتنظيم ذوي الحقوق في تعاونيات ومنحهم كل الدعم والوسائل الضرورية وتمتيعهم بالاستقلالية التامة في تسيير واستغلال هذه الأراضي بشكل ديمقراطي جماعي وشفاف. وهذه الأراضي تعرف نفس مآل تعاونيات الإصلاح الزراعي التي تم إنشاؤها إبان توزيع الأراضي المسترجعة على الفلاحين بحيث تم إفشال تجربتها، كذلك أراضي الجموع ، الهدف من وراء وصاية وزارة الداخلية هو تلجيم وكبح كل محاولات التسيير الجماعي الديمقراطي من طرف جماعات ذوي الحقوق وخاصة أن جماعات القبائل لها تاريخ عريق في التسيير الجماعي لشؤونها من خلال تدبير السقي واستغلال الأرض وتسيير المراعي …و لقد تم الاجهاز على هده التجربة التي كانت تشكل بداية لإرساء أسس ديمقراطية شعبية واستبدالها بم سمي بالجماعات المحلية التي تدين بالولاء للمخزن والتي هي عبارة عن أوكار للرشوة و الفساد و الإفساد و بالتالي تم ضرب الأسس الديمقراطية للجماعات الحقيقية.
هذه المساحة الصالحة للزراعة إذا تم استغلالها بشكل ديمقراطي من طرف ذوي الحقوق في إطار تعاونيات مستقلة ووضعت رهن إشارتهم كل الوسائل الضرورية وعوامل الإنتاج اللازمة ستمكن من إنتاج حوالي 12 مليون قنطار من الحبوب وحوالي 135.000 طن من الزيتون وزيت الزيتون وهو ما يمثل على التوالي 3% من حاجيات الحبوب و 7% من حاجيات الزيوت، وهذا سيمكن من اقتصاد حوالي مليارين من الدراهم. و سيمكن من تنمية المناطق الهامشية والحد من الفوارق المجالية و البشرية.
حسين لهناوي