التوسير وحمار بيريدان

(سنة 1982 كتب لويس التوسير (وهو مفكر فرنسي عاش من 16 اكتوبر 1918 الى 22 اكتوبر 1990) مقالة بعنوان “ها قد افصحت وخلصت روحي/حول الفكر الماركسي” قام بتعريبها السيد هشام عقيل صالح ونشرت بموقع حكمة بتاريخ 17/غشت 2107. ذات طابع سجالي وتحمل العديد من الاشارات الى ما توصل له هذا المفكر من انتقادات للفكر الماركسي وأسسه النظرية.
لم يكن اعتباطيا استهلاله لمقاله هذا بتلك العبارة التي ختم بها ماركس نقد برنامج غوتا « dixi et salvavi animam meam ». “ها قد افصحت وخلصت روحي” .كتب ماركس نقد برنامج غوتا على شكل رسالة لكنها لم تنشر على العموم مدة 15 سنة ولم يشأ لا ماركس ولا انجلز اخراجها للعموم نظرا للوضعية التي يعيشها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الالماني والصراعات الدائرة بين جناحيه جناح بيبل /لابكنيخت وجناح لاسال.لم تنشر هذه الرسالة إلا بعد وفاة ماركس وبعد ان اضطر انجلز ولضرورات تنظيمية مستجدة ولقطع الطريق على من اراد ان يزج بماركس وانجلز في تزكية الانحرافات التي تضمنها برنامج غوته ونسبتها للماركسية.
التوسير استهل مقالته بهذه الواقعة لكي ينتقد فيها ماركس وانجلز على عدم نشر رأيهما على العموم ساعة صياغة نقدهما لبرنامج غوته.فمن خلال هذه الواقعة وسع التوسير نقده بل تهجماته على ماركس وانجلز زاوج فيها ما هو شخصي بما هو فكري،( الاشارة المبطنة لاستغلال ماركس لانجلز ماليا ولحياتهما العاطفية…) وكان ذلك وكانه يصفي حسابا لا زال عالقا بذهنه او ما تبقى من فكره المريض حقا (فقبل عامين اي في سنة 1980 قام التوسير بقتل زوجته قيل على اثر نوبة حادة من مرضه المزمن).من هذه القضايا التي انتقدها التوسير تلك الاطروحة 11ضد فيورباخ والتي يقول فيها ماركس :”اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق شتى بينما المطلوب هو تغييره”. علق عليها التوسير:”كم هي جميلة هذه العبارة لكنها لا تعني شيئا…”
في نقذه لهذه الاطروحة والتي اعتبرها لا تعني شيئا يتضح ان التوسير عجز عن فهم الفرق الجوهري بين انخراط الفلاسفة والمفكرين في ممارسة اما تأملية للمجتمع والكون او في ممارسة تغيير العالم. وهذا ما يفسر موقفه من تعامل ماركس وانجلز مع نقد برنامج غوته.يعتقد التوسير انهما ابتعدا عن الممارسة العملية لما لم ينشرا نقدهما ونسي انهما كانا دائما على اتصال مع بيبل ولابكنيخت وحتى لاسال في التوجيه والإرشاد، لكنهما لم يتدخلا في الحياة التنظيمية الداخلية للحزب، لأنهما اولا يعيشان في الخارج وهما بعيدان عن تفاصيل الوضع، وثانيا كانا منتظمين في بنيات وهياكل الاممية الاولى ويشتغلان على المساعدة في بناء الاحزاب المستقلة للطبقة العاملة في البلدان الاخرى.هكذا كانا يربطان الفلسفة والفكر بتغيير العالم.
التوسير هو الذي تاه بين مهمة تفسير العالم ومهمة تغييره، وكأني به سقط في حالة حمار “بيريدان” الذي مات جراء تردده بين كومة التبن ودلو الماء لأنه لم يحسم في اية اولوية يتبع هل يحارب الجوع ام العطش.
سقت هذا النموذج من انتقاد التوسير الوارد في مقالته المشار اليها، ولعله نموذج يفضح تشوش فكر التوسير في هذه المقالة التي يعتمدها اليوم الكثير ممن يريدون ليس فتح النقاش العلمي الرزين لكن يرغبون في تصفية حساباتهم مع الماركسية.
هناك العديد من القضايا الاخرى في نفس المقالة تستحق النقاش والرد وربما تتاح المناسبة لذلك.
التيتي الحبيب
02/12/2017