سقطت “الإنصاف والمصالحة” وتعرت عورة النظام

كل عام وفي العاشر دجنبر منه، تحيي الشعوب وقواها الديمقراطية اليوم العالمي لحقوق الإنسان. وهو مناسبة من اجل التذكير بهذه الحقوق والكشف عن ضحايا النضال من اجل الحريات السياسية والثقافية والفكرية وحقوق الاقتصادية والاجتماعية. نحن في النهج الديمقراطي ومعنا كل القوى المناضلة اعتدنا أن نحيي ذكرى الشهداء بهذه المناسبة، لان النضال ببلادنا كان ثمنه غاليا وفادحا قدم فيه مناضلات ومناضلي شعبنا أرواحهم من اجل تحقيق مطالب وحقوق منها البسيط العادي ومنها الاستراتيجي الواضح.
مرة أخرى نحيي هذه المناسبة ونحن نخوض صراعا قويا لا يلين، ضد النظام وكل أجهزة دولته بما فيها تكالب الأحزاب المخزنية وشرذمة من الذين باعوا أنفسهم وتحولوا إلى طابور يزين وجه الاستبداد لقبيح. باع النظام الوهم وسوق أكذوبة الإنصاف والمصالحة، وأعلن عن طي صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. لكنها أكذوبة تكشفت طيلة أيام وسنوات ما سمي بالعهد الجديد. نفس الانتهاكات للحقوق وبنفس الأساليب من اختطافات خارج ضوابط القانون ومن تعذيب منهجي في المعتقلات نجم عنه قتل المعتقلين، إلى الزج بالضحايا في السجون وإصدار الأحكام الجائرة، وتوظيف قضاء تابع وغير مستقل مستعد لتقديم الخدمات كل ما طلب منه ذلك. هي نفس الانتهاكات التي تسلط على مناطق برمتها استمرارا للحقد والانتقام الجماعي من الشعب؛. ولنا في تعامل الدولة مع حراك الريف اسطع مثال لهذا العقاب الجماعي للساكنة وتسليط القمع والتقتيل والأحكام الخيالية على معتقلي الحراك. لنا في ما وقع أيضا بزاكورة من قمع همجي وأحكاما انتقامية على اثر المطالبة السلمية بالماء الشروب. بالأمس أيضا تم الانتقام من ساكنة إفني لأن شبابها طالب بالشغل الكريم.
نفس الانتهاكات للحقوق لا زالت توجه للفئات الاجتماعية الهشة والمفقرة مثل ما تتعرض له النساء السلاليات المطالبة بالحق في الأرض أو الماء والغابات، أو مثل ما يتعرض له الفراشة على طول وعرض البلاد وحرمانهم من مصدر العيش في انتظار توفير الشغل القار والمنتج. هي نفس الانتهاكات التي تتعرض لها حركة المعطلين عندما يحتجون أو يتظاهرون من اجل مطلب الشغل، إنهم يتعرضون للقمع الهمجي والتنكيل لا يستثني حتى المكفوفين وأصحاب الإعاقة.
هكذا سقطت تباعا كل الادعاءات التي جند لها النظام ترسانة من الوسائل واستقطب لها من النخب والمرتزقة؛ سقطت من تلقاء ذاتها لان الشعب يلمس كذب الخطاب وتهافت أصحابه. حجة هذا السقوط هي عزلة النظام وقواه الملتفة حوله وعجزه على حشد الجماهير في التجاوب مع مبادراته ومن بينها الانتخابات العامة أو الجزئية. الحجة أيضا نراها في عجزه إطفاء الاحتجاجات أو إخماد المطالب والتظاهرات. حجة أخرى هي اضطرار النظام إلى الكشف السافر عن وجه الدولة البوليسية والإقرار بذلك في خطب رسمية عبر الدفاع عن المقاربة الأمنية وتبرير القمع والتنكيل بالمواطنات والمواطنين.
استنفدت مرحلة التمويه وخطاب المصالحة وجبر الضرر. وانكشفت حقيقة أن نفس الدولة ماضية في نفس السياسة وهي عازمة على مواصلتها ولن تقوم بالاعتذار أو تقدم طلب مسامحة والالتزام بعدم التكرار. ساعدها في ذلك من اعتبرتهم قوى معنية بالأمر وقد أجرت معهم تفاهمات تم بموجبها عفو الواحد عن الأخر مقابل تبادل المنافع المادية. هكذا سلم ما تبقى من الاتحاد الاشتراكي في كل تضحيات الشهداء والمختطفين كما صعد بعض اليساريين السابقين على جثث رفاقهم أو ربما نصبوا طاولات وكراسي مكاتبهم فوق القبور المجهولة للمختطفين مجهولي المصير. لكن ما لم يكن في حسبان هؤلاء الأوغاد نظاما وخداما هو إنهم باعوا واشتروا في قضايا ليس لهم عليها سلطان أو ملكية. وحده الشعب من له حق التصرف، من له شرعية العفو أو الانتقام.
بالأمس اعترف رئيس الدولة بفشل مخطط التنمية الذي اعتمدته الدولة. هذا الاعتراف هو إقرار بمسؤولية ما عاشه شعبنا من استغلال بشع وهدر لحقوقه وكرامته. هذا الاعتراف يجعل الدولة أمام المسؤولية المباشرة لكل الجرائم التي ارتكبت في حق الكادحين. انضاف إلى جانب المعتقلين أو المتابعين بتهم تتعلق بالرأي أو التعبير أو التنظيم السياسي أو النقابي، المئات إن لم نقل بالآلاف، ضحايا انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. لقد باتت هذه الفئة تشكل مركز الثقل في ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. عملاء النظام طبعا يجادلون في صفة الانتهاكات الجسيمة ويعتبرونها بسيطة وعادية حتى ولو آدت بالضحايا إلى الإقدام على حرق النفس أو خوض الإضرابات عن الطعام المفضية إلى الموت أو العاهات المستديمة أمام تعنت وإمعان الدولة في التنكر لهؤلاء الضحايا. ومن المفيد أيضا التذكير بكل الخطوات التراجعية أو حتى الهجومية التي شنتها الحكومة على مكتسبات أو حقوق العمال والكادحين من شاكلة سن قانون الإضراب أو تعديل القانون الجنائي أو القضاء على القطاعات الاجتماعية من صحة وتعليم وسكن وخدمات اجتماعية أساسية مثل ضرب صندوق المقاصة وغيرها، وتقديمها كهدية للقطاع الخاص. إن مجمل هذه الخطوات تمهد الطريق إلى المزيد من انتهاكات الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للجماهير الشعبية.
إذا كانت الدولة تعترف وتقر بفشل المخطط التنموي، فإنها تقصد طبعا أن الخلل يوجد في التطبيق وفي الطاقم الذي لم يكن نزيها أو كفئا، ولمعالجة هذا الخلل فإنها أقدمت على إجراء مسح خبرة على طرق التسيير والكشف عن الاختلالات. ونتيجة هذه التحريات اقتنعت بوجود مسؤولين عن ذلك وطبقت في حقهم مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فاعفوا من مسؤولياتهم أو هم في طريق المحاكمات. تلك هي ثورة المخزن على نفسه. إنها ثورة في فنجان. وهي مسرحية در الرماد في العيون وتقديم أكباش فداء- أربعة وزراء وبضعة موظفين سامين ووالي واحد و6 عمال و80 قائد- إنها فضيحة يراد بها تلهية الرأي العام.
إن فشل مخطط الدولة ليس نتيجة أخطاء في التسيير أو في الكفاءات أو الإعطاب التقنية. إنها أعمق بكثير من ذلك؛ انه فشل اختيارات نمط اقتصادي واجتماعي وسياسي، نمط مبني على تنمية مصالح كمشة من البرجوازيين الاحتكاريين المرتبطين بالمصالح الامبريالية، وبطبيعة دولة أخطبوطية مسخرة لخدمة تلك المصالح ومرتعا للريع بكل أصنافه. إنه نمط اقتصادي واجتماعي وسياسي معاد لأغلبية الشعب وخاصة طبقته العاملة والكادحين. هنا يتموقع الفشل، وهذا هو مصدره وينبوعه. ولمعالجته وجب التصدي لمصدر الداء وليس لتجلياته أو تمظهراته. لذلك لن تنفع كل هذه الألاعيب في إقناع الشعب بمعالجة الفشل بل توجب على القوى المناضلة أن تكون على قدر كبير من الحزم ومن الشجاعة لطرح تصور شعبي بديل للمخطط الرأسمالي التبعي السائد اليوم. ومن اجل بلورة هذا النموذج البديل يتحتم فتح النقاش العمومي الواسع بين كل المكونات الاجتماعية والسياسية لقوى شعبنا. وبعد هذا النقاش ستتضح معالم البرنامج البديل السديد والذي على ضوئه تخاض المعارك وتفرض المكتسبات.