• عبدالله الحريف

في مسألة الجبهات من جديد

لقد وحدت حركة 20 فبراير قوى سياسية واجتماعية وطبقية متباينة حول شعارات تستجيب للمطالب الملحة للجماهير الشعبية. هذه الوحدة وهذه الشعارات هي التي شجعت ملايين المغاربة على الخروج إلى الشارع للتظاهر السلمي لشهور وزعزعت أركان النظام القائم. وهو ما يعني أن كل مكونات حركة 20 فبراير كانت متفقة أن التناقض الأساسي، الآن وهنا، هو مع الاستبداد والفساد الذي يجسده المخزن، وخاصة نواته الصلبة المافيا المخزنية، وأن ما ينشده الشعب المغربي هو الحرية والكرامة والديمقراطية.
ثم تراجع زخم حركة 20 فبراير، لأسباب متعددة ليس المجال هنا لذكرها، دون أن تحقق أهدافها. وفي فترة الجزر التي نعيشها، نست أو تناست بعض مكونات الحركة أن الصراع ضد الفساد والاستبداد ومن أجل الحرية والديمقراطية والعيش الكريم يجب أن يحتفظ بنفس الأولوية بل سيعرف احتدادا لأن النظام سيحاول بكل ما أوتي من قوة إقبار الطموح التحرري الشعبي الذي عبرت عنه وأججته حركة 20 فبراير وأن ذلك يتطلب، أكثر من أي وقت مضى، التشبث بالروح الوحدوية التي جسدتها هذه الحركة المجيدة.
لكن عوض ذلك، تكاثرت الخلافات وتضخمت وسط مكونات حركة 20 فبراير إلى حد أن البعض بدأ يطرح اشتراطات للقيام بأي عمل أو حوار مشترك، بينما يحاول البعض الآخر إقناعنا أن التناقض الأساسي، الآن وهنا، هو مع الإسلام السياسي بكل مكوناته، بما فيها المناهضة للنظام والمستقلة عن الخارج والتي انفتحت على الآخر من خلال تنظيم الحوار العمومي ووصل الأمر ببعض الأمازيغ إلى حد إنكار المكون العربي في هوية المغاربة لفائدة مكون واحد ووحيد هو الامازيغية التي تختزل، في نظرهم، هوية الشعوب المغاربية، منذ الأزل وإلى الأبد. وفي اعتقادي، فإن هوية الشعب المغربي هوية غنية ومتعددة وهي محصلة تاريخ طويل وليست جوهرا ثابتا لا يتغير. إنها ميدان ورهان للصراع بين المشاريع التي تحملها الفئات والطبقات المتصارعة في المجتمع.
من العادي أن تظهر، في فترات الجزر، كل أشكال الإحباط والانهزامية والانغلاق وأن يفقد البعض البوصلة إلى حد أنه قد يعوض عدوه الملموس والحقيقي بعدو مفترض أو “كامن” أو بصديق لا يتماثل مع تصوراته.
نعتبر، في النهج الديمقراطي، أن المغرب يعيش سيرورة ثورية تعرف فترات مد وجزر.
في فترات الجزر، تتمثل مسئولية القوى المناضلة في:
– مواجهة الإفرازات السلبية السابقة الذكر.
– تأهيل نفسها لتكون في مستوى تأطير وقيادة الجماهير الشعبية في فترة المد.
– الحفاظ على البوصلة من خلال تحديد التناقض الأساسي الملموس في الفترة الحالية: هل لا زال هذا التناقض هو مع الاستبداد والفساد كما طرحته حركة 20 فبراير أم أنه تغير وأصبح مع الإسلام السياسي بكل مكوناته أو مع هذا الأخير ومع الاستبداد والفساد؟
إن الجدل المادي يقول أنه من غير الممكن أن يكون هناك تناقضين أساسيين في نفس الوقت. لذلك، فإن من يدعون محاربة الأصولية المخزنية والأصولية الدينية، في نفس الآن، إما مخطئين وإما أصبحوا يعتبرون أن التناقض الأساسي هو مع الأصولية الدينية، وبالضبط مع جماعة العدل والإحسان.
– انطلاقا من تحديد التناقض الأساسي الملموس في الفترة وبالتالي العدو الأساسي الملموس في الفترة، العمل المثابر والصبور من أجل حشد القوى المتضررة من هذا العدو في أوسع جبهة ممكنة وتحييد ما يمكن من القوى المتدبدبة.
– هذه القوى المتضررة من الاستبداد والفساد تخترقها، طبعا، تناقضات أيديولوجية وطبقية. لذلك فهذه الجبهة هي جبهة تكتيكية صالحة لفترة النضال ضد المخزن ومن أجل بناء نظام ديمقراطي. لذلك لا بد من حوار عمومي من أجل تحديد معالم هذا البديل الديمقراطي. كما أن على القوى التي تعتبر أن المرحلة (وليس الفترة) الراهنة هي مرحلة النضال من أجل التحرر الوطني من هيمنة الامبريالية والكتلة الطبقية السائدة أن تسعى إلى توحيد صفوفها لكي تشكل قوة قادرة على الربط بين النضال من أجل الديمقراطية والنضال من أجل التحرر الوطني، إذّ لا ديمقراطية حقيقية بدون تحرر وطني ولا تحرر وطني حقيقي بدون ديمقراطية حقيقية.
إن هذا التصور ينطلق من الاعتبارات التالية:
– معاناة الشعب المغربي من الاستبداد والفساد والفقر أصبحت لا تطاق ووعيه تطور وبالتالي فاستعداداته للنضال أضحت كبيرة تجسدها النضالات اليومية الكثيرة والقوية. لذلك لن ينتظر حتى تتفق القوى المناضلة بينها حول قضايا ليست ملحة بالنسبة إليه. وبالنتيجة، إذا استمرت القوى الحية في تغليب ما يفرقها على ما يجمعها، فإنها لن تكون في الموعد مع الهبات الشعبية التي ستنكسر وسيكون لذلك أوخم العواقب على الشعب المغربي وعلى هذه القوى التي سينبذها الشعب.
– المرحلة الحالية مرحلة تتسارع فيها الأحداث، مرحلة فرز وتغيرات متسارعة تفرض على القوى المناضلة القيام بمراجعات تكون، في بعض الأحيان، مؤلمة وقاسية وتفرض عليها تجنب القوالب الجامدة والتحاليل التي تنظر للواقع بشكل سطاتيكي: في مثل هذا الواقع، قد تضعف قوى كبيرة لكونها لم تستوعب متطلبات الصراع الطبقي وقد تنمو بسرعة قوى صغيرة لكونها بلورت مواقف وشعارات سديدة.
– تجاوز النظرة السطحية القوى السياسية التي لا ترتكز إلى طبيعتها الطبقية وتكتفي بما تدعيه في أدبياتها: هل القوى التي تدعي اليسارية أو القوى الإسلامية متماثلة؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا هناك عدة أحزاب ومجموعات يسارية وأحزاب ومجموعات إسلامية؟