مداخلة حسن الصعيب في ندوة حوارية تحت عنوان “الحراك الاجتماعي بالمغرب.. الدلالات والمآلات” نظمتها جماعة العدل والإحسان بمدينة الدار البيضاء يومه السبت 23 دجنبر

في سنة 2005 كان مجموع الوقفات الاحتجاجية قد بلغ 700 بنسبة متوسط وقفتين في اليوم وارتفع هذا الرقم إلى5000 سنة 2008 وإلى 6438 في سنة 2009 ليبلغ 8600 سنة2010 ،وظلت هذه الظاهرة في تصاعد مستمر حتى بعد فتور حركة 20 فبراير ،إذ بلغت سنة 2013 20000احتجاج بنسبة متوسط 56 احتجاج في ا ليوم .هذا الرقم تضاعف 28 مرة عن سنة 2005 ، ويمكن القول أن 80% من الاحتجاج تقع في الفضاء العمومي وبدون ترخيص من الإدارة .
وقد تفاقم هذا العدد إلى الضعف وأكثر خلال السنوات الأخيرة ، إذ تزايدت بشكل نوعي المسيرات الشعبية،والتي توجت باندلاع الحراك في الريف ،وتوسع نطاقه خارج المنطقة،أصبح الانتفاض وليس الاحتجاج هو سيد الموقف ،مما جعل النظام المخزني يتبنى المقاربة القمعية لإخماده.
1- الاقتصاد السياسي للقمع
“وقفة احتجاجية تكلف الدولة مقدار 20000درهم”هذا التصريح لأحد المسؤولين في الأمن،إذا أضفنا إلى ذلك العدد الكبير من الوقفات الاحتجاجية والمسيرات المتنوعة، فإن جزءا كبيرا من الدخل العام الخام للمغاربة يصرف فقط في تدبير سياسة القمع ،بهدف إسكات المحتجين ،والحيلولة دون تلبية مطالبهم المشروعة .
هذا مجرد الشيء الظاهر ،أما المخفي ،فهو الذي تقرره الجهات العليا ،عبر عمليات المأسسة القانونية والسياسية ،من خلال تكريس “الريع السياسي” والريع الحقوقي “و”الريع الاجتماعي” و”الريع الإعلامي والثقافي” الذي يعتبر القاعدة المادية ،لنهج الاقتصاد السياسي للقمع أو سياسة العنف المشروع للدولة حسب تعبير عالم السياسة:”ماكس فيبر”.
لقد تم صرف الملايير من الدراهم ،لكي تنصرف المؤسسات الحقوقية (وزارة حقوق الإنسان،وزارة العدل،المجلس الوطني لحقوق الإنسان،مؤسسة الوسيط)عن إنصاف المظلومين ،والتغطية بأساليب ناعمة عن القمع وأحيانا تبريره،وبالمثل صرفت أيضا أموالا طائلة لصالح أحزاب سياسية ومنظمات نقابية ومجالس اجتماعية ، وجمعيات الأعيان ،ومشاريع المبادرة للتنمية ،لدعم المشروع المخزني ،والمساهمة في تفكيك النسيج الاقتصادي والاجتماعي وتكريس الفقر الثقافي والاجتماعي ،والسكوت عن انخراط المغرب في مؤامرات ضد الشعوب ،وخير مثال على ذلك :المشاركة في الحرب الظالمة ضد الشعب اليمني الشقيق،ناهيك عن القبول بالسيطرة الاقتصادية والسياسية للدوائر الامبريالية وعلى رأسها المنظمات النقدية والاقتصادية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمنظمة العالمية للتجارة،والامبريالية الفرنسية والأمريكية .
إن هذا الاقتصاد السياسي للقمع يسير بالتوازي مع نهج اقتصادي آخر هو “الاقتصاد المفترس” أي منح اليد الطولي للرأسمال المحلي والأجنبي ،كي يفعل في وجودنا الاجتماعي والاقتصادي ما يشاء ،فهو وحده الذي يجسد الحكامة الاقتصادية والسياسية ،وهو الأكثر جدارة لتدبير معيشنا اليومي بأفق انتزاع الكرامة منا والزج بنا في حروب لا تنتهي،من أجل رغيف نظيف ومقعد في المدرسة وسرير في المستشفى وشغل يحترم آدميتنا.
2-في دلالات الحراك الاجتماعي
من فضائل الحراك الشعبي الآن ،هو انبثاق مشروع حركة اجتماعية واعدة .تتقاطع في هدفين مركزيين:الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية والنضال من أجل انتزاع الحريات الفردية والجماعية. كما تنزل الى الميدان إما بشكل شبه منظم أو منظم ،ولا تخضع لمعيار اديولوجي ،بل يمكن القول ،أن هدفها واحد بينما منطلقاتها الايدولوجية مختلفة ،هذا ما يسمح بوصفها جبهة ميدانية ،على عكس الجبهات الأخرى التي تتأسس على منطلقات اديولوجية وسياسية ذات قرابة عائلية.
هذه الحركة الاجتماعية،تخضع لعدة أشكال تنظيمية ،منها مايعود الى أصولها النقابية ،حيت أخذت مجموعة من القطاعات ،مسافة واضحة منها،وهي الآن تحاول الانتظام على شكل تنسيقيات ،ومنها ما هومرتبط بمشاكل اجتماعية آنية والتي تمس أعداد كبيرة من الكادحين والمهمشين،ومنها ما هو جديد في طور التبلور النابع من العمل المباشر في الأحياء الشعبية.
مجموع هذه المكونات التي غالبا ماتنظم احتجاجاتها ،من خلال الاسم الحركي الجديد:”لجان الحراك”،ما تزال في طور النهوض ،وتحتاج الى نفس طويل حتى تأخذ طابع حركة اجتماعية منغرسة بقوة في المجتمع ،لذلك فستخضع لعملية ولادة عسيرة،بسبب عائقين كبيرين:الأول مرتبط بشراسة العدو ،مما يستلزم تنظيم المقاومة والصمود،والثاني مرتبط بالأشكال الكلاسيكية للتنظيم وبالرؤى المحافظة في التدبير السياسي للخلافات وسط الجماهير وبوحدة الصف في مواجهة عدو واحد.
3-في الأدوار الجديدة للنخب
لم يعد مستساغا العمل بالأساليب الكلاسيكية ،في تنظيم الجماهير ،فنظرا لتقدم الوعي لدى الشباب ،بسبب استعماله وسائل التواصل الاجتماعي ،وتحرره النسبي من وصاية الجيل السابق ،الذي أخفق في إنجاز التغيير المطلوب ،أصبح لزاما على القوى الحية في البلاد ومختلف القوى الديمقراطية والجذرية ، إن هي أرادت التغيير الحقيقي،تجاوز مطببات العمل الوحدوي،والعمل على ترسيخ أسس عمل جديدة ،تنهض على قاعدة برنامج سياسي ،عنوانه العريض:التخلص من نظام الاستبداد والقمع والتأسيس لنظام ديمقراطي تكون فيه السيادة للشعب، يتناسب مع أشكال للتنظيم مرنة وفاعلة،وممتدة إلى مختلف التنظيمات القاعدية ،بدءا من الحي إلى الهيئات أو المنظمات الشعبية، وفتح نقاش عمومي بين مختلف الفرقاء حول طبيعة المشروع المجتمعي المأمول ،مع فسح المجال للمثقفين المتنورين والديمقراطيين لرسم معالم هذا المشروع، وتشجيع انخراط النساء في هذا التصور البديل بدون تمييز،والارتكاز إلى المطامح العميقة والمشاركة الفعالة للكادحين والمهمشين، ليكتسب المشروع مصداقيته، ويحقق المبتغى منه.