• شعبنا يشق طريق الخلاص بإصرار وإبداع

شكلت حركة 20 فبراير 2011 الموجة الأولى التي مهدت الطريق الجديد لتحرر شعبنا. شعارها العام والجامع، الذي تمحور حول مناهضة الاستبداد والفساد، كان موضوع نقد من طرف الكثيرين، كل من زاوية نظره ومصلحته. البعض اعتبره شعارا عاما وفضفاضا، يمكن تأويله، بل حتى استغلاله من طرف أحزاب خدمت أجندة النظام. وهناك من رأى أنه يمهد لرفع سقف الاحتجاجات ويترك الأمور بدون حد أو وضوح، ولذلك فهولا يطمئن. وحسب أصحاب هذا الرأي، كان من الواجب وضع شعار دقيق يحدد سقف وهدف الحركة، كشعار الملكية البرلمانية.
آخرون، ونحن معهم، اعتبروا أن الشعار كان سديدا، وهو ما سمح بنسج علاقات تعاون ميداني بين مجموعة من القوى السياسية والاجتماعية، لم يعهدها تاريخ بلادنا.
حول حركة 20 فبراير، ومن أجل هدفها، تم التقاء ميداني بين العديد من القوى، كان النظام قد عمل بطريقة دقيقة ومحسوبة، ومنذ فترة طويلة، على بث الشقاق والعداء بينها، حتى أصبحت عند العديد بمثابة خطوط حمراء ومن الطابوهات السياسية التي يجب احترامها أوتوماتيكيا. ومن بين نماذج زرع التفرقة وغرس الألغام، نستحضر العديد من الجرائم ومظاهر العنف التي وظفت فيها أيادي قذرة أدت إلى سقوط شهداء من صفوف اليسار المغربي، حيث أن كل الدلائل تشير إلى الجهة المخططة والمستفيدة من هذا الوضع الناجم عنها.
لقد وفر شعار حركة 20 فبراير إطارا واسعا لالتحاق مجمل الفئات الاجتماعية المتضررة من سياسات الكتلة الطبقية السائدة ونظامها، وخاصة في تجلياتها الكبيرة المرتبطة بالاستبداد السياسي المتجسد في التحكم وتغول الدولة والاستفراد بكل مجالات اتخاذ القرار السياسي، والتضييق على القوى المناضلة وتسفيه وجودها وتحويلها إلى أدوات شكلية، فضلا عن تفشي الفساد ونهب الثروات وإطلاق العنان للمستفيدين من الريع السياسي، وتحويل الحياة السياسية ودواليب الدولة إلى إقطاعيات أو مجالات الاستحواذ على الثروات وتهريب الميزانيات العامة المرصودة للمشاريع والقطاعات الاجتماعية. كما سمح الشعار للجماهير بخوض تجربة فريدة والتدرب على صياغة المطالب السياسية العامة. واليوم، ومع مرور سنوات، بات واضحا مدى التأثير البالغ الذي وشمته حركة 20 فبراير في وجدان ووعي الشعب بمختلف فئاته.
نعم، إن حركة 20 فبراير المجيدة أضحت تجربة رائدة، حافلة بالدروس والعبر، وهذا ما انكب على استخلاصه المؤتمر الوطني الرابع للنهج الديمقراطي وضمنه في وثيقة الأطروحات الصادرة عنه، ومنها نقتبس ما يلي:

لم يبقى المغرب بمنأى عن تأثير هذه السيرورات الثورية بالمنطقة، بل عرف مع انطلاق حركة عشرين فبراير 2011، أكبر حدث طبع الحياة السياسية لما بعد الاستقلال الشكلي لسنة 1956. فهي على الأقل فتحت مسارا جديدا لانجاز التغيير الثوري في المغرب، شريطة استيعاب شروط انبثاقها والدروس المستخلصة منها.
إن أخطر نقطة ضعف تمثلت في أن لا القوى الثورية ولا الإصلاحية كانت مؤهلة لقيادة حركة 20 فبراير. فمند انطلاقتها انخرطتا فيها بدون برنامج سياسي واضح يؤطر المرحلة وتعاملتا مع الشباب بشكل عفوي وبدون تأطير. وهذا لا ينتقص من الدور الهام الذي لعبه اليسار وبعض مكونات الحركة الإسلامية وإن قامت هذه الأخيرة بانسحابها منها ومهاجمتها بل والتعبئة ضدها في بعض المواقع، مما أدى إلى إضعاف الحركة.

كما بدت الحركات الاجتماعية ضعيفة وهشة (الحركة النسائية، الحركة الأمازيغية، حركة ذوي الشهادات المعطلين، الحركة الطلابية). فبمجرد تقديم تنازلات طفيفة من طرف النظام حتى انفرط عقد هذه الحركات وانزوت إلى الخلف.
وتركزت الحركة في المدن وشاركت فيها الطبقة العاملة بشكل ضعيف، نظرا للدور السلبي الذي لعبته البيروقراطيات النقابية، ولضعف ارتباط وانغراس القوى اليسارية وسطها، بينما شاركت فئات وشرائح، من الطبقتين الصغرى والمتوسطة، وكادحو الأحياء الشعبية.
وعشية تراجع حركة 20 فبراير لم تكن الحركة الثورية مستعدة لخوض الصراع الطبقي على واجهات البناء التنظيمي والسياسي والجماهيري الذي أفرزته حركة 20 فبراير، متجاوزة إخفاقاتها ومساهمة في بلورة حركة جماهيرية- سياسية جديدة ذات زخم قوي.
كل هذه القضايا تستدعي فهما جديدا وممارسة نوعية وفي مقدمتها بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين، قادر على الجواب عن تحديات الانخراط في المسلسل الثوري وقيادته، وكذا بناء جبهة الطبقات الشعبية التي تطرح ضرورة تدقيق كيفية التعامل مع مكونات الحركة الإسلامية التي ساهمت في حركة 20 فبراير.

فعلى قاعدة الدرس المستخلص والمتمثل في الضرورة الملحة لبناء الحزب المستقل للطبقة العاملة، انخرط النهج الديمقراطي في انجاز هذه الضرورة باعتبارها المهمة المركزية.
ولم تمضي على المؤتمر الوطني الرابع إلا بضعة أشهر، حتى اندلع حراك شعبي بالريف، على اثر استشهاد محسن فكري، وكان حراكا نوعيا اندمجت فيه ولأول مرة الاعتبارات والدوافع الاجتماعية مع الخلفية الجهوية وقضايا الخصوصية، المرتبطة بالامازيغية وبتاريخ تهميش واستهداف منطقة الريف، والانتقام منها، نظرا لما شكلته كبؤرة للثورة ضد الاستعمار المباشر. لقد دشن حراك الريف مرحلة جديدة من نضال الشعب، اعتمدت فيه أساليب جديدة ومبتكرة، من حيث طريقة خوض فعاليات الحراك أو صياغة المطالب. ولأول مرة، ظهرت التجربة الجنينية للتنظيم الذاتي للجماهير المنتفضة، وبروز قيادات من صلب الحراك، شكلت نواة تقديم المطالب المبلورة جماهيريا، والدعوة للتفاوض حولها مع الحرص على مراقبة مراحل التنفيذ. إن ما ذكر، يفسر خلفية القمع الرهيب الذي ووجه به الحراك وطبيعة المقاربة الأمنية المعتمدة، وما رافقها من تنكيل بالقادة وتنظيم المحاكمات الجنائية وفق تهم ثقيلة جدا. إن النظام أدرك انه أمام ظاهرة جديدة في نضال الجماهير الكادحة، وهي بروز أنوية السلطة المضادة أو البديلة. ورغم أن الحراك تمحور حول الملف الاجتماعي والاقتصادي، ورفض نشطائه لكل تهم تسييسه، فانه في العمق يبقى ملفا سياسيا بالضرورة، لأن الدولة باتت أمام مطالب تدين كل السياسات الطبقية التي طبقت مند بداية الاستقلال الشكلي.
إن الحراكات المتتالية، التي تلت حراك الريف، سواء في زاكورة أو في جرادة، أكدت أن المسار الذي شقه حراك الريف بات مكسبا نضاليا لجماهير الشعب المنتفضة، وبذلك تم تجاوز أحد مظاهر العفوية، أي أن الجماهير المنتفضة تنهل من دروس تجارب سابقة، اكتسبها نضال شعبنا في جهات وجبهات مختلفة تماما، وأكثر من ذلك أصبحت مهام صياغة المطالب ذات طابع جماهيري، وتشكيل الأنوية التنظيمية أصبح يمر عبر خلق اللجان الشعبية لتأمين مستلزمات خوض الحراك والسير به لتحقيق ما يستطيع تحقيقه.
إنها بوادر تشكل وعي سياسي، لابد أن يتطور ويصل إلى مستويات متقدمة، إذا توفرت أهم الشروط، التي تكمن أساسا في انخراط المناضلين المقتنعين بأهمية التنظيم الثوري، وخاصة بمسألة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة، باعتباره هيأة أركان خوض معارك الصراع الطبقي.
إن شعبنا يشق طريق الخلاص بإصرار وإبداع، ويتحتم علينا أن نتقدم في مهمة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة ميدانيا. وكلما نجحنا في بناء أنوية الحزب المنشود في المدن الرئيسية، في البوادي ووسط العمال في قطاعات الصناعة والمناجم، ووسط العمال الزراعيين و الفلاحين الفقراء والمعدمين، ووسط الكادحين والمعطلين، كلما تطورت الحركات الاحتجاجية، وعمت في مختلف المناطق، ونسقت في ما بينها لتوحد نضالها وتبني موازين القوة الكفيلة بتحقيق المطالب وانتزاع الحقوق، كل الحقوق، بما فيها الحرية والديمقراطية الشعبية بمضامينها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.