المشهد الحزبي والتعبير السياسي الطبقي

يكاد المشهد السياسي بالبلاد يختنق بعدد الأحزاب السياسية. منذ السنوات الأولى للاستقلال الشكلي اعتمد النظام مخطط خلق الأحزاب وتفريخها. هكذا رعى مهندسو الدولة الحديثة العهد، خطة التعددية السياسية والنقابية المتحكم فيها. فعلى المستوى السياسي حاربوا ما سموه بنزعة الحزب الواحد؛ وبالنسبة للنقابة تم التحريض على التعددية مشجعين كل حزب على خلق نقابته، وكل تيار على إنشاء ذراعه النقابي؛ نفس السياسة اعتمدت أيضا فيما يخص المجتمع المدني الذي تم تمزيقه إلى فسيفساء الجمعيات والمنظمات المختلفة.
كان الهدف من هذه الخطة هو محاصرة المعارضة وعزلها. وفي نفس الوقت سيتوفر للنظام الوسيلة السياسية والفكرية للتحكم وترتيب الحياة السياسية. إن مختلف الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية المزروعة ستشكل عناصر المسرح السياسي تجري فيه الصراعات والتناقضات الحقيقية أو المفتعلة وستتمكن الدولة من الظهور كجهاز مستقل فوق كل هذه التجاذبات والخلافات. أنها هي الحكم فوق الجميع، مما سيضمن الاستقرار السياسي والاجتماعي للنظام. وهذا ما سيصبغ المصداقية على ذلك البند المتضمن في الدستور الذي ينص على أن النظام الملكي هو ضامن وحدة البلاد والشعب.
كانت تلك هي خطة النظام لإحكام سيطرته على بلد خارج للتو من معركة ضد الاستعمار المباشر. لكن هذه السياسة ستعرف أولى حالات تعثرها، بعدما اقتنعت الأغلبية الشعبية بأن معركة الاستقلال انتهت إلى الفشل، وتم تحريف أهداف المعركة ونتائجها لصالح كمشة من المنتفعين. هذا ما ترجمته الانتفاضات الشعبية؛ كانت أولاها انتفاضة الريف 1958-1959، تبعتها انتفاضة 23 مارس بالبيضاء وانتفاضة اولاد خليفة وغيرها من المظاهرات العنيفة. توج ذلك بانفجار التناقضات السياسية في الكتلة الطبقية الحاكمة وحدوث انقلابين عسكريين سنتي 1971 و1972 وتبعتهما انتفاضة مسلحة ثورية 3 مارس 1973.
في تفاعله مع هذه المتغيرات بادر النظام إلى ترميم تصدعات قاعدته الطبقية ومحاولة توسيعها، وهذا ما هدفت له خطة المغربة والانفتاح على أحزاب الكتلة الوطنية وإطلاق ما سمي بالمسلسل الديمقراطي والإجماع الوطني بعد طرح قضية الصحراء.
لكن التطورات الطبقية الفعلية أعطت نتائج معاكسة، إن التشكيلة الطبقية خضعت لمنطق الهيمنة الاقتصادية والاحتكار الذي مارسته البرجوازية الكبيرة الكمبرادورية وملاك الأراضي الكبار على أهم القطاعات المنتجة وباندماج كبير مع الرأسمال الامبريالي خاصة الفرنسي منه. نتج عن ذلك فشل خطة المغربة في توسيع القاعدة الطبقية للنظام، واحتداد أزمة الرأسمالية التبعية إلى حد ظهور خطر السكتة القلبية أي إعلان إفلاس النظام. وللخروج من هذه الوضعية سارع الحكم إلى تدشين سياسة التناوب التوافقي، مما يعني جعل السياسة مجالا داعما للتنفيس على عزلة النظام، وفي ذات الوقت تجديد النخب وتسهيل الانتقال من عهد ملك الحسن الثاني إلى عهد ملك خلفه.
هكذا استمر النظام في اعتماد العمل السياسي كوسيلة لجلب الفئات الاجتماعية المنتفعة من الريع كدعم وكتقوية للقاعدة الاجتماعية. وهي الخطة التي اصطدمت مع الرفض الشعبي لأنها كشفت عن حقيقة الأحزاب المخزنية التي رعت الفساد وأصبحت تتنافس فيما بينها على خدمة الاستبداد والتراجع على كل ما انتزعه الشعب نتيجة كفاحاته وتضحياته عبر العقود الماضية. اعتقد النظام أن الوضع السياسي والاجتماعي يسمح له بالتلاعب بالإرادة الشعبية بدون كابح أو معارضة فأطلق مبادرة إنشاء حزب البام الذي استحوذ على المشهد السياسي. لقد حصل على الأغلبية البرلمانية حتى قبل الإعلان عن تأسيسه.
لكن هذه الخطة تكسرت على صخرة المقاومة الشعبية التي أطلقتها حركة 20 فبراير في 2011 مما اضطر معه النظام على التراجع عن مشروعه والتظاهر بالاستجابة للإرادة الشعبية عبر دستور جديد وانتخابات جديدة وتنصيب حزب البيجيدي وإبقاء البام في خانة “المعارضة”.
تظهر كل التطورات أن الأحزاب المخزنية أو تلك الأحزاب التي كانت بالأمس في الكتلة الوطنية، أنها أصبحت أحزابا مشكلة من محترفي سياسة الانتخابات والأعيان، وأنها أحزاب معزولة عن القواعد الطبقية. وهذا التطور ليس إلا نتيجة تعامل الدولة معها كأحزاب لا تتوفر على برامج مستقلة تحمل مطالب أو طموحات فئات أو طبقات اجتماعية. إنها في الحملة الانتخابية تدعي كلها تمثيلها لمطالب شعبية، وتطلق العنان للمزايدات الكلامية، لكنها بعد انتهاء الحملة الانتخابية، تطبق برنامجا واحدا لا علاقة له بما كانت تروج له. أما الأحزاب المنضوية في “المعارضة” فهي بدورها تستمر في التهريج الكلامي في جلسات البرلمان ولما يحين وقت التصويت والحسم، فإنها تسهل مأمورية تمرير السياسات المخزنية إما بالامتناع أو بالغياب عن الجلسات والتصويت بالرفض للبقية الحاضرة.
بالإضافة إلى كون هذه الأحزاب الممثلة في البرلمان لا تحظى بثقة أغلبية الشعب فهي بدورها أصبحت تنفذ سياسات تضرب في العمق مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية بما فيها الوسطى.
إن هذا الإفراط في تسخير هذه الأحزاب لخدمة مصالح الكتلة الطبقية السائدة جعلها تفقد كل مصداقية وسط الشعب، وهي اليوم موصومة بنعت قدحي يصنفها كدكاكين سياسية لا تظهر إلا لحظة الانتخابات لتوزع الأوهام والبرامج الكاذبة.
هذه السياسة أوصلت النظام إلى تناقض صارخ؛ عندما احتاج إلى خدمات هذه الأحزاب فإنه لم يجدها في جانبه ولم تبادر لحمايته. ففي حراك الريف لم تستطع أن تقود سياسة سليمة وناجعة تجاه الحراك، كلما استطاعت فعله هو هجومها على الحراك واتهام ساكنة الريف بالانفصال كما عملت على شيطنة الحراك وسوغت تطبيق السياسة الأمنية والقمعية تجاه مطالب ساكنة الريف. هكذا وجد النظام نفسه وحيدا وجها لوجه مع الحركة الاجتماعية بالريف، ولم يجد بدا من امتداح وزارة الداخلية وأجهزتها على ما اقترفته في حق حراك الريف. وبذلك سقط النظام مجددا في مستنقع القمع والبطش الذي استعمل على مر التاريخ مع هذه المنطقة انتقاما من إرادتها التحررية وكفاحها ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي.
إن الوضع السياسي والاجتماعي ببلادنا يشهد عملية فرز حقيقي بين كل الأحزاب السياسية المتواجدة في الساحة. فمن جهة كل أحزاب الأغلبية وأحزاب “المعارضة” البرلمانية تحولت إلى أحزاب موظفة لدى الكتلة الطبقية السائدة، أحزاب مفصولة عن القاعدة الاجتماعية المتناقضة إلى هذا الحد أو ذاك مصالحها مع هذه الكتلة. ومن جهة ثانية الأحزاب والمنظمات السياسية المعارضة خارج البرلمان وهي في الحقيقة من تسعى للتعبير عن مصالح الطبقات الاجتماعية المتضررة.
وفي هذه الأحزاب هناك عملية فرز متواصلة أيضا، وهناك رغبة سياسية لاستحضار القواعد الطبقية والاجتماعية وهذا ما نجده في البرامج السياسية التي تدافع عنها فيدرالية اليسار عندما تعتبر أن الطبقات الوسطى هي اليوم حاملة لمشروع التغيير بينما هناك تعبيرات سياسية من بينها النهج الديمقراطي، تعمل وتسعى لبناء الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين.
ولأننا في مرحلة الامبريالية مرحلة شيخوخة الرأسمالية، فإن البرجوازية قد كفت عن أن تكون طبقة حاملة لمشروع التغيير والتقدم الاجتماعي وبناء سلطة الديمقراطية الشعبية. إن هذه المهمة أصبحت ملقاة على البروليتاريا المغربية تحت قيادة حزبها السياسي.