قراءة في كتاب que faire du « capital »
حسن الصعيب

صدر هذا الكتاب سنة 1982 كأطروحة جامعية للفيلسوف الماركسي الفرنسي jacques bidet ،الذي يحاول مواصلة الاجتهاد الماركسي الذي بدأه الفيلسوف الماركسي :ألتوسير والجيل الذي ارتبط به في الستينيات .
ينطلق من الخلاصة التي بلغها الجيل السابق ،والتي مفادها أن الماركسية أنجزت قطيعة إبستمولوجية مع الهيغلية وأسست علما جديدا هو المادية التاريخية . يحاول جاك من خلال هذا الكتاب إثبات أن ماركس عندما استعمل الجدل الهيغيلي ،كان رافعة لتطوير الماركسية وفي ذات الوقت عائقا لبلورة جدل ماركسي .
في هذا الكتاب يحاول جاك إعادة الحرارة لمفاهيم ماركسية تكلست بسبب تبسيطها وتحجيرها من خلال ترجمتها عبر “السلطة الاشتراكية” .
سنركز في هذه الورقة حول مفهوم الطبقة العاملة كما هو وارد في كتاب “الرأسمال ” الذي خصص له الكاتب صفحات طويلة ،ولوضع القارئ في الصورة ،نترجم إحدى الفقرات الهامة،بتصرف يقتضيه المقام .
في التحديد النظري لمقولة الطبقة العاملة
يستعمل ماركس مقولة “العمل المنتج” من خلال تمفصله مع تحديدين ،الذي يسميهما بشكل متتالي :”جوهري” وثانوي”
“الجوهري” هو التالي :مفهوم العمل المنتج الخاص بنمط الإنتاج الرأسمالي لا يحمال أية مرجعية حول مضمون الإنتاج .هذه الأطروحة الماركسية تستدعي ثلاتة ملاحظات :
1- ماركس يعتمد على سميت ضد الاقتصاد الساذج ولكن يفتقد مع ذلك التباسات المفهوم عند هذا الأخير .
يلاحظ ماركس ويسجل مخططين :ا) يحلل “حركة العمل النافع ” أو “إنتاج القيم الاستعمالية” يتعلق الأمر بالإنتاج بصفة عامة لكونه عملية بين الإنسان والطبيعة ،إذن قضية “العمل المنتج ” هو تلك الحركة التي تعتبر “من وجهة نظر نتيجة للمنتوج” “العملية تنتهي في المنتوج ،بمعنى قيمة استعمالية ،مادة طبيعية تصلح لقضاء حاجات إنسانية عبر تغيير الشكل “
يطرح ماركس مفهومين للإنتاج أو “العمل المنتج” :الإنتاج بصفة عامة أو إنتاج القيم الاستعمالية والإنتاج الخاص بنمط الإنتاج الرأسمالي أو إنتاج فائض القيمة .
2- ماركس طرح إشكالية التي تربط جذريا العمل المنتج وطابعه المادي للمنتوج
تدخل ماركس النقدي يتعلق بجعل العمل المنتج مرتبط ب(الرأسمال )أي بالعمل المادي ، وحاول التفصيل بين والتمييز بين الثروات والخدمات ،لأنه يمكن أن تكون عاملتا منتجا ولكن لاتنتج عملا منتجا مرتبط بالرأسمال (مثال الخياط أو الطباخ الذين يعملان لنفسيهما )بينما يقوم عمال بإنتاج خدمات التي تتمن ذاتيا الرأسمال بحيث يصبح عملا منتجا (مثل دور المعلم والأستاذ والمغنية)
في المجموع أطروحة ماركي تتجاوز التباس “الخدمات ” التي يمكن أن تنتج فائض القيمة كما الأعمال غير منتجة يمكن أن تتشيئ في أشياء .
لكي تكون الخدمة تحمل “العمل المنتج ” يجب ويكفي أن تكون “بضاعة رأسمالية ” أي ينخرط في بنية السوق الرأسمالية ،الذي يحدد الوقت الضروري اجتماعيا للإنتاج ،تكون قيمتها ،قوة العمل هكذا متمو ضعة يمكنها أن تنتج لصالح الرأسمال “أكثر من القيمة التي تمتلكها” .
نوقشت مرارا هذه القضايا وتم موضعتها في النهاية كأشكال انتقالية أو هامشية .
3)تنظير ماركس للخدمة كبضاعة غير مادية ك”عمل منتج”
نجد ثلاثة نصوص في كتاب “النظريات”و”الرأسمال” تتحدث عن عناصر لتحليل العمل المنتج ،في المؤسسات الرأسمالية ،وبالتركيز على الخدمة ،مثلا إذا أخذنا قطاع نقل المسافرين ،فالذي يبيعه صانع السفر هو”النقل نفسه ،أي هو مرتبط بعملية النقل بمعنى مرتبط بإنتاج صناعة النقل.
إن الخدمة تنتهي بمجرد استهلاكها (قيمة استعماليه)لكن قيمتها التبادلية تختفي لأنها تتحول إلى رأسمال. من خلال هذه النصوص أنشأ ماركس مفاهيم نظرية عامة للخدمات الفردية المخصصة للاستهلاك الفردي ووضعها في إطار التراكم الرأسمالي.
المقولة الماركسية للعمل المنتج حسب “التحديد الثانوي”
يقترح ماركس أطروحة ثانية تبدو ظاهريا مختلفة :مفهوم العمل المنتج في نمط الإنتاج الرأسمالي تعود إلى المضمون المادي للإنتاج،فإضافة إلى كون العمل المنتج ينتج فائض القيمة ،له أيضا “تحديد ثانوي” أي ينتج ثروات مادية ،جاء هذا في الكتاب الرابع من “الرأسمال وفي نصوص “نظريات”.
ماركس يحلل العمل المنتج في التحديد الأول كخاصية حاسمة ،و”تميز نوعي” ويفسر الثاني باعتباره حركة لنمط الإنتاج الرأسمالي يتجه نحو “حد” أي كميل ،إذ يجب تفسير التحديد الأول والتحديد الثاني كبنية تتجه نحو ميل معين .بعبارة أخرى فهدف النظرية الماركسية “للعمل المنتج” هي القول بطبيعة خاصة للعلاقات القائمة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج .
من جهة “جوهري” العمل المنتج في نمط الإنتاج ينتج فائض القيمة بصفته المنطق النهائي لهذا النمط من الإنتاج.
من جهة ثانية “ميليا” هذا المنطق يؤدي إلى تطور الإنتاج المادي ولكن
في الحدود المرتبطة بالطابع المتناقض لهذه العلاقات .
يستدعي مفهوم العمل المنتج والعمل غير منتج في النظام الرأسمالي زوج ثاني هو “الوظائف المنتجة وغير منتجة التي تعبر عن لحظة التناقض في هذه العلاقات .
مقولة “الطبقة العاملة” المطابقة لمقولات الرأسمال
هل مقولة “الطبقة العاملة”عند ماركس ،تشير إلى مجموع الأجراء المستخدمين في الإنتاج المادي ؟
في الواقع إذا تناولنا الرأسمال ،فهذه المطابقة ،تتمظر في الحين ،بشكل أكثر إشكالية ،لأنه لا نجد مقولات مؤولة من خلال عبارات سوسيولوجية التي يمكن أن تتماثل مع “مجموعة اجتماعية”مفترضة ومعروفة التي تصبح الطبقة العاملة .يميز ماركس بين فرعين من الأجراء :أجراء الدخل الخاص للعموم وأجراء الرأسمال الذين ينقسمون إلى فرعين في المجموعة :أجراء التداول ،غير منتجين لفائض القيمة وأجراء الإنتاج أو “العمال المنتجين “بالمعنى النوعي أي المنتجين لفائض القيمة .
هذا المفهوم الأخير يحيط بمجموع الإنتاج الرأسمالي ،بما في ذلك “البضائع التي تأخذ شكل خدمات” أي “خدمات بضائعية” بالإضافة إلى مجموع الوظائف “المنتجة في الحين”بما في ذلك التأطير وإدارة المشروع.بهذا التصور يتجاوز مفهوم الطبقة العاملة المكرس في التصور العام ك”طبقة المستخدمين في الإنتاج المادي “.لقد أوضح ماركس بأن “العامل “في الكتاب الأول أي “العامل المنتج” لا يشير بشكل مضبوط إلى هذه “المجموعة الاجتماعية”التي تشير في التقليد الماركسي الفرنسي بالعبارة المشهورة :”الطبقة العاملة”
في الأدب الماركسي تم استيعاب وتمثل “العمال المنتجون”و”الطبقة العاملة”من خلال التأويل الماركسي للاقتصاد السياسي الذي يحدد الطبقة العاملة من خلال “مجموع الأجراء الذين يشتغلون على وسائل الإنتاج ويخلقون فائض القيمة للرأسماليين”،بهذا الفهم يتم اغتصاب العلاقة القائمة بين الاقتصاد والسياسة من خلال عدم معرفة التمفصل المعروض هنا بين التحديد الذي يقال عنه “جوهري” ذلك المرتبط بعلاقات الإنتاج أو فائض القيمة و”التحديد الثانوي” ذلك المتعلق بتطور قوى الإنتاج أو الإنتاج المادي ،أي تمفصل البنية بالميل.
الطبقة العاملة كقوة اجتماعية تاريخية
من وجهة نظر المادية التاريخية ،تتحدد الطبقة العاملة كطبقة ،أي كقوة اجتماعية تاريخية ،ليس لأنها “نتيجة صافية” لإنتاج فائض القيمة،رغم أن آليات إنتاج فائض القيمة ،تظهر بالتأكيد مصالح العامل المنتج بالتعارض مع مصالح الرأسمال ،لايترتب عن ذلك استنتاج ،أن المستغلين يكونون قوة اجتماعية فقط ليس لتحطيم الرأسمال ولكن أيضا لتجاوزه ،ذلك أن بنية الاستغلال لا تظهر من خلال ذاتها كتعارض للمصالح ،لأن ما يزود الأجراء بوسائل الدفاع عنهم أي الوسائل للتشكل بشكل متطور كقوة تاريخية قادرة على قلب السلطة البرجوازية هو مجموع”الشروط الملموسة”التي ترتبط بشكل خاص ب”التحديد الثانوي”للعمل المنتج،لهذا الميل للتطور ونمو الإنتاج المادي ،حيث تتمظهر الأشكال النوعية لهذا النمط للإنتاج.
عالج ماركس مجموع هذه الشروط في الجزء الرابع إلى الجزء السابع من الكتاب الأول للرأسمال :تمركز العمال والإنتاج،الاستغلال المكثف المرتبط بالتجزيئية والميكانيكية ،الترتيب للوظائف المرتفع،الموحدة جميعها عبر مسلسل العمل نفسه ،بالإجمال كل ما يشكل قاعدة مسلسل ،الذي يؤدي إلى التنظيم النقابي والسياسي و الإيديولوجي للطبقة العاملة،التي تجعل ممكنا وضع حد لديمومة النظام الرأسمالي المؤسس على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. بعبارة أخرى لا يمكن البحث عن مفهوم “الطبقة العاملة” بصورة جازمة إلا من خارج نظرية “للعمل المنتج”ل”فائض القيمة”ولكن لا يراكم في الترتيب بما يسمح بشكل مباشر من أخذ بعين الاعتبار العلاقة الاجتماعية لفائض القيمة،المحددة في الجزء الثالث والذي يطرح “تسوية” لمختلف الأعمدة لمختلف مكونات المجتمع الرأسمالي:أجراء الإنتاج ،أجراء التداول، وأجراء الدولة ..الخ والحصول هكذا على ترتيب للكل .لقد عرف مفهوم علاقة الإنتاج الرأسمالية “تطورا”في الجزء الرابع الذي كرس شبكة الميولات المميزة لمختلف العلاقات :ميل إلى ارتفاع الإنتاج المادي حسب نمط نوعي للإنتاج الكلي ،الذي يحدد الطبقة العاملة ليس فقط كتعارض لمصالح الطبقة الرأسمالية(الذي يظهر من خلال العلاقة الاجتماعية لفائض القيمة،ومن خلال لحظته المجردة أي الخضوع الشكلي للرأسمال) وإنما مجموعة من الوسائل التي تذهب في اتجاه متقدم من أجل الانتظام(العدد،التماسك،التنظيم،الثقافة)والتي تتخذ كعناصر للنضال الطبقي.من خلال ذلك فالمادية التاريخية هي نظرية الصراع الطبقي.
هذه المفاهيم تهرب من التأويلات السوسيو لوجية التي تعبر عن نفسها عبر المجموعات الاجتماعية :إنها مفاهيم الحركة التاريخية.
في مقاربة أخرى تقود إلى مسائلة “الميولات” بشكل أكثر عمومية التي تميز تطور إجارة “التداول”و”الدخل”العام،بمعنى وضع مشكل المواجهات بين الطبقات في إطار مخطط أكثر اتساعا مما هو محدد في الكتاب الأول ،ولكن حسب نفس التمفصل البنية/الميل.
مقولة اديولوجية/مقولة استراتيجية
لنتناول تشكل الطبقات من خلال مبدأ وحدة عملية الإنتاج وتنمية القيمة .
يمكن ملاحظة أفقين متعارضين :الأول يمنح إطار توسع الطبقة الرأسمالية :إذا كان وضع الطبقة الرأسمالية في إطار علاقات الإنتاج يتحدد عبر وحدة وسائل الإنتاج ووظيفة التنظيم والمراقبة ،فالعاملين المرتبطين بهذا الإطار وبهذه المهام يوجدون هم أنفسهم قياسا على الأقل للرأسماليين ،كفئة تنزع ربحا من عملية الاستغلال التي تمارسها الطبقة الرأسمالية.
الثاني يمنح إطارا لكشف الطبقة العاملة :فائض القيمة الذي ينتج عن الفارق العام بين قيمة البضائع المنتجة وبين الوحدة الرأسمالية (الرأسمال الفردي)ورأسمال الإيراد ،المأخوذ من عملية الإنتاج الجماعية .الذي يدور.
إن كل العاملين ،بما فيهم من يقومون بالتأطير ،هم أيضا منتجين بالمعنى النوعي للرأسمال ،منتجي فائض القيمة(بشرط أن يأخذوا أكثر مما يعطون).إن تمفصل البنية مع الميل يكونان النقطة الأولى لفهم وأخذ بعين الاعتبار مفهمة اللحظة السياسية-الاجتماعية لمقولات الطبقة،أما النقطة الثانية فهي وضع هذه المقولة للميل في إطار ميول “متناقضة”.هذا الوضع يجعل من مقولة الطبقة العاملة مقولة “استراتيجية”.
عرض ماركس يظهر بالتأكيد “تناقضات” المجتمع الرأسمالي ومن خلال ذلك إبراز التناقض التناحري ومختلف وجهات نظره واستراتيجياته،ولكنه مؤسس على المقولات الأولى الواردة في الجزء الأول من الرأسمال .هذه النصوص غذت تأويلين متعارضين :التأويل الاقتصادي-التجريبي ،الذي يربط بين التحديدين باعتبارهما مؤشرين متراكمين،والتأويل الثاني بنيوي لا يعترف إلا بالتحديد الأول ،بين هذين التأويلين يوجد عدم فهم للترابط في النظرية /البنية،الميل الذي يعبر عن هذين التحديدين المزدوجين.
رهان هذا النقاش يتعلق أيضا بالعلاقة بين الدلالة الاقتصادية والدلالة الاجتماعية السياسية لنظرية فائض القيمة:فالتأويل الاقتصادي التجريبي يتجنب تعريف العمال بارتباط بالإنتاج المادي الرأسمالي(الطبقة العاملة،الأجراء،الكتاب الأول )الآخر يؤكد ويلح على الطابع الا -عمالي لواحد من هؤلاء ويميل إلى تنسيب مقولة “الطبقة العاملة”،المعركة يكتنفها الغموض.
إن الاستعمال الشرعي للنظرية هي واعدة كثيرا في هذا المضمار،لأن هذه الأخيرة تسمح فقط للمستغلين بتحديد بشكل أفضل من الذي يوحدها ومن الذي يقسمها ،الشئ الذي يدفعها في اتجاه التكون كقوة مهيمنة ،فكونها تاريخيا ثورية لا تنتج سوى مفاهيم استراتيجية.