جدلية التحرر الوطني والبناء الديمقراطي
جمال براجع

تربط القوى الماركسية بشكل جدلي بين انجاز مهام التحرر الوطني ومهام البناء الديمقراطي ذي الافق الاشتراكي بحكم انه لا يمكن تحقيق الديمقراطية في ظل هيمنة الامبريالية وسيادة الرأسمالية المتوحشة التي اصبحت تتحكم في مصائر الدول والشعوب. وهذا ما اثبتته تجارب الشعوب وضمنها تجربة شعبنا. فعزل مهام التحرر الوطني عن مهام البناء الديمقراطي ادى الى استقلالات شكلية حافظت على هيمنة الامبريالية وتكريس التبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية .كما ان فتح التغيير على الافق الاشتراكي يفرض خوض الصراع التحرري والديمقراطي كسيرورة واحدة غير قابلة للانفصام.
1-في مفهوم التحرر الوطني:
ارتبط مفهوم التحرر الوطني كمفهوم سياسي بنضال حركات التحرر الوطني في المستعمرات من اجل تحرير ها من المستعمر وتحقيق الاستقلال و بناء الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة على مجالها الوطني وقرارها السياسي والاقتصادي و ثرواتها. وبذلك فهو يتجاوز اختزاله في الاستقلال الترابي كما تبنته الحركات الوطنية التي قادتها ما يسمى بالبرجوازية الوطنية آو البرجوازية الصغيرة والذي انتهى على العموم في السقوط تحت الهيمنة الامبريالية بسبب خيانة او تواطؤ او اوهام هذه البرجوازية وعجزها البنيوي عن انجاز التحرر الوطني الحقيقي ˛ عكس البلدان التي قادت فيها الطبقة العاملة المتحالفة مع الفلاحين الفقراء معركة التحرر الوطني والتي استطاعت انجاز مهام التحرر الوطني وفرض استقلال القرار الوطني عن الامبريالية على كافة المستويات مثل الفيتنام والصين .
ان ربط تحرير الارض ببناء الدولة الوطنية المستقبلية يعني ان تحقيق الاستقلال الوطني الحقيقي لن يتم سوى بامتلاك القرار الوطني المستقل على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية بالقطع مع علاقات التبعية للقوى الامبريالية . وفي قلب هذه المعركة تحضر الديمقراطية. فالنظام الديمقراطي المستند الى سلطة الشعب هو القادر على فرض استقلال القرار الوطني والتعامل بالند للند مع الدول الامبريالية وادواتها المختلفة – مؤسساتها السياسية والاقتصادية والعسكرية. وفي زمن العولمة الرأسمالية المتوحشة وهيمنة الامبريالية لن يتحقق التحرر الوطني الديمقراطي الا بإعطائه المضمون الطبقي البروليتاري المنفتح على الافق الاشتراكي و والذي يفرض قيادته من طرف الطبقة العاملة وعموم الكادحين عبر حزبها البروليتاري.
ومما يؤكد هذه الخلاصة هو ما تشهده البلدان التبعية من فقدان لقرارها الوطني المستقل وخضوعها للتحكم والاستغلال المكثف لمقدراتها من طرف الامبريالية ومؤسساتها التي فرضت عليها انظمة استبدادية عميلة تأتمر بأوامرها وتنفذ سياساتها النيوليبرالية المتوحشة وتقمع شعوبها التي ترزح تحت الفقر والبؤس والجوع والهشاشة كما هو الشأن في بلادنا من طرف النظام المخزني الرجعي..
2-في مهام التحرر الوطني الديمقراطي ببلادنا:
لقد تشكل نظام الرأسمالية التبعية في بلادنا في اطار سيرورة ادماج البنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المغربية الماقبل رأسمالية ضمن البنية الرأسمالية منذ ارهاصاته الاولى في القرن 19 مرورا بالفترة الاستعمارية .وقد تكرس هذا النظام بعد الاستقلال الشكلي بعدما تم حسم السلطة من طرف النظام المخزني المدعوم من طرف الامبريالية الفرنسية بتصفية المقاومة وجيش التحرير وقمع القوى الراديكالية .وبذلك تمكن- النظام المخزني- من ارساء دعائم الاستبداد والحكم الفردي المطلق وقوى الكتلة الطبقية السائدة المتكونة من البرجوازية الكمبرادورية والملاكين العقاريين و”وسع” من حجمها عبر سياسة النهب واقتصاد الريع والرشوة وتحرير الاقتصاد وجعله في خدمة الرأسمال الامبريالي وخاصة الفرنسي حيث تشكلت في سياق ذلك المافيا المخزنية التي اصبحت تشكل النواة القوية للكتلة الطبقية السائدة بحكم تحكمها في مفاصل السلطة السياسية والاقتصادية .
ان سيادة نظام الرأسمالية التبعية يجعل من بلادنا فاقدة لاستقلالها الوطني الفعلي وخاضعة لإملاءات المؤسسات الامبريالية المالية والسياسية والعسكرية- صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الاوربي …- فمعظم اقتصاد البلاد تحتكره الشركات الرأسمالية الفرنسية على الخصوص وهي غارقة في الديون –حوالي 85./.من الناتج الداخلي الخام- مما يجعل مصيرها مرتهنا بمصالح واهداف القوى الامبريالية وليس بمصالح ومستقبل شعبها .
ان الهيمنة الامبريالية وسيادة النظام المخزني الاستبدادي خادم الامبريالية وضامن مصالحها يجعل من معركة التحرر الوطني بما تعنيه من تحرير للأرض وللقرار الوطني المستقل على كافة المستويات ومعركة التغيير الديمقراطي معركة واحدة . اذ لا يمكن تحقيق مهام المعركة الاولى الا بالقضاء على النظام المخزني باعتباره العائق الاساسي امام تحرر شعبنا من الهيمنة الامبريالية والكتلة الطبقية السائدة وبناء النظام الوطني الديمقراطي الشعبي. وهذا ما يفرض اعطاء المضمون الطبقي لهذه المعركة باعتبارها معركة الطبقة العاملة وعموم الكادحين. ومن الوهم اسناد قيادتها للبرجوازية المتوسطة او الصغرى لأنها لن تقوم سوى بالدفاع عم مصالحها الانانية التي لن تخرج في نهاية المطاف عن النظام الرأسمالي التبعي(-تجارب مصر مع الناصرية والبورقيبية في تونس والبعثية في العراق وسوريا…) بمعنى اخر لابد من بناء حزب الطبقة وعموم الكادحين وجبهة الطبقات الشعبية في خضم الصراع الطبقي لإنجاز مهام التحرر الوطني الديمقراطي الذي يفتح الأفاق نحو الاشتراكية. يمكن تكثيف تلك المهام فيما يلي:
*القضاء على الاستبداد المخزني والحكم الفردي المطلق واقامة نظام ديمقراطي حقيقي تكون فيه السلطة والسيادة الشعب يجسدها دستور ديمقراطي شكلا ومضمونا ويستند هذا النظام الى مؤسسات ديمقراطية قوية تقوم على فصل السلط واحترام حقوق الانسان .
*بناء اقتصاد وطني متحرر من الهيمنة الامبريالية وموجه لخدمة حاجيات الشعب المغربي يضع حدا لاقتصاد الريع والنهب والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية ويحمي البيئة ويعيد الاعتبار للقطاع العام كقاطرة للتنمية الحقيقية .
*التحرر من الاملاءات والبرامج والاتفاقيات الامبريالية المفروضة من طرف المؤسسات الامبريالية ( الاتفاقيات التجارية مع الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة الامريكية…) والغاء الديون الخارجية .
*وضع حد لهيمنة الثقافة الرجعية سواء الرأسمالية التي تشيع انماط الاستهلاك والتشييئ او الماضوية التي تكرس الخضوع و التخلف والخرافة والعنف وتمجد الاستبداد عبر دمقرطة الاعلام والتعليم وتحريرهما من هيمنة النظام المخزني واشاعة ثقافة ديمقراطية تقدمية عقلانية.
*النضال من اجل تحرير سبتة ومليلية والجزر الجعفرية .
*وضع حد لمشاركة الجيش المغربي في التدخلات العسكرية الامبريالية والرجعية في الخارج كما هو الشأن في اليمن وبعض دول افريقيا.
*دعم نضالات الشعوب ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية وخصوصا الشعب الفلسطيني في نضاله من اجل الحرية والاستقلال وبناء دولته الوطنية الديمقراطية العلمانية على كافة اراضي فلسطين. والمساهمة في بناء جبهة شعبية عالمية لمواجهة هذا الثالوث الامبريالي الصهيوني الرجعي.
ويرتبط انجاز هذه المهام بانخراط جميع القوى الثورية والديمقراطية المؤمنة بالتحرر الوطني الديمقراطي وفي صلبها النهج الديمقراطي في معمعان النضال ضد النظام المخزني والامبريالية والصهيونية والرجعية على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والفكرية والقطع مع وهم اصلاح هذا النظام وتبني طريق التغيير الديمقراطي الجذري الكفيل والضامن لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية المستقلة قولا وفعلا عن الامبريالية والصهيونية والرجعية.
جمال براجع
الجديدة في 20دجنبر 2017