لنفكر سويا مع لينين ولكن أيضا فيما بعد لينين

تمكن لينين في سن مبكرة من قراءة “الرأسمال” الذي ترجم إلى الروسية سنة 1872 ومن قراءة منطق هيغل ، تمخض عن ذلك ،بروز ثلاثة كتب أساسية ،التي ستشكل الثقافة الثورية للبلاشفة والسلاح المضاء في نجاح ثورة أكتوبر 1917 :”تطور الرأسمالية في روسيا”و”الامبريالية أعلى مرحلة للرأسمالية”ثم “ما العمل” وجميع هذه المؤلفات كانت متقاربة من حيث النشر ،في العقد الأول من القرن الماضي .
غير أن أكبر إنجاز تركه للأجيال القادمة ،هو تأسيسه لنظرية حديثة للمجتمع والدولة ،تمزج بشكل خلاق ثلاثة قضايا جوهرية :-الخصائص النوعية للإمبريالية باعتبارها مرحلة أعلى للرأسمالية والطابع العسكري الملازم لها
-بناء حزب سياسي عصري يستند إلى نظرية ثورية
-وضع الأسس السياسية والاقتصادية لبناء المجتمع والدولة الاشتراكيين
لقد برهنت تجربة “الاشتراكية الفعلية” عن حدود اللينينية ،في قضيتين جوهريتين :بناء الأداة الحزبية ،التي ولدت البيروقراطية وعبادة شخصية”الزعيم”وغيبت الضمانات الديمقراطية ضد الاستقطاب الطبقي لصالح إعادة علاقات الإنتاج البرجوازية ، ثم مسألة التعامل مع تنظيم الإنتاج الاشتراكي،من خلال نظرية اللحاق بالغرب الرأسمالي وبالتالي استنساخ ونقل أنظمة الشغل الطايلورية التي كان معجبا بها لينين و
غرامشي أشد الإعجاب ،لأنهما تصورا نقل التكنولوجيا بشكل محايد .
من هنا ضرورة تقييم موضوعي لتجربة”الاشتراكية الفعلية” وبلورة نظرية جديدة للثورة ،ترتكز كما ارتكز لينين في القرن الماضي ،على الخصائص النوعية لتطور الرأسمالية والامبريالية ولتطور الصراع الطبقي على ضوء هذه التحولات الكبيرة .
لقد تطور الرأسمال من الاستثمار في الفلاحة والصناعة ،إلى الاستثمار في المعرفة والثقافة والخدمات ،التي تمثل اليوم ،خاصة في البلدان الرأسمالية المتقدمة أكثر من 70%من الدخل وسوق الشغل ،كما أصبحت الامبريالية تتدخل في الاقتصاد العالمي عن طريق المؤسسات المالية والنقدية والتجارية ووكالات التنمية بالإضافة إلى الهيمنة السياسية والعسكرية عبر أحلافها العسكرية على مختلف بلدان العالم الثالث.
ترتب عن ذلك ولادة “بروليتارية جماهيرية “عوضا “صناعية” فقط في القرن الماضي ،بل وتطورت نحو “بروليتارية-الهشاشة” متناثرة في ظل الرأسمالية المتوحشة، قوية وضعيفة في نفس الوقت ،هذا المجموع من الشرائح البروليتارية طورت هويات متعددة على المستوى المحلي والوطني والعالمي ،بنفس الشاكلة على مستوى أنظمة الشغل الجديدة ،مستعملة شكل “شبكة” هذه الحركة خلقت أشكال جديدة للتواصل ،تسمح ببلورة صيغ جديدة حول قضايا استراتيجية وتكتيكية ذات طابع جد معقد.
إن فكرة “حزب قوي مثل الصلب” لم تعد تعبر عن المطلوب في تنظيم الجماهير المبلترة ،بعد أن أصبحت النضالات الشعبية غير ممركزة ،ربما أصبحت الضرورة تستدعي منظور للحزب على شكل “شبكة” أو شبكة المبادرات باعتبارها نقطة الالتقاء بين مختلف مكونات الحركات الاحتجاجية والاجتماعية ،قادرة على لحم أفضل الأفكار التي تندمج في سيرورة ،من أجل بلورة استراتيجية فعلية وملموسة للكل الاجتماعي .
.إن دكاء الحزب يكمن في مساعدة الجماهير لتحليل ما هو قريب من الاكتمال ،من أجل أن تقوم في لحظة معينة للتقدم في قضية التحرر،وفي نهاية المطاف ،يجب أن يتأسس على قاعدة قوات التنظيمات الذاتية للجماهير.
هذا الحزب يدافع عن ديمقراطية التي تضع في الواجهة ،تعدد الأقطاب لأمكنة ومجالات السلطة وتدقيق الاستراتيجيات ،والقدرة على الإنصات والصبر والتسامح ،كل ذلك يتأسس على قاعدة تعدد الحقائق وليس حقيقة واحدة ،مستلهمة من تنوع الثقافات المتنوعة والمكونة لمجموع الشعب

في المنهج

الخطأ التاريخي الذي سقطت فيه الماركسية الكلاسيكية هو استنباط قوانين الجدل من فلسفة هيغل وجعل هذه القوانين مستقلة عن منهج البحت ومنهج العرض،ذلك أن الخصائص النوعية عند دراسة الواقع وتمثله ،تتطلب إخضاعهما لتحليل المضمون ولأداة البحت،وحده جورج لوكاش استطاع التخلص ،بعد معاناة شديدة مع الستالينية ،من أضرار استيعاب المنهج كبناء أو كمنطق لتجميع الظواهر، في كتاباته الأخيرة ،خاصة تلك المتعلقة ب”أنطلوجية الكائن الاجتماعي ،الذي كان وفيا لمنهج ماركس في الجدل ،المستنبط من قراءته لكتاب “الرأسمال”ومبتعدا عن منهج أنجلس الذي يثمن الديالكتيك كمنهج أو منطق ،وعن تطبيقه الكارتي من خلال كتاب ستالين “المادية الجدلية والمادية التاريخية ” أو “دياما ” و”هيستناط” والمعمم على الأحزاب الشيوعية خلال القرن الماضي .إن اجتهاد لوكاش يسمح بصياغة الطابع الواقعي للتجريدات الماركسية بدون السقوط ،في تصور فلسفي من نوع تجريبي أو ميكانيكي.
لقد هاله حقيقة الإخفاقات البيروقراطية الاشتراكية في تحقيق فحوى الديمقراطية الراديكالية للطبقة العاملة ،فاقترح بناء أنطلوجية نظرية مع هدف نهائي هو تشكيل مادية جدلية تثبت مبادئ العمل الديمقراطي للدولة الشيوعية ،هذ ما حاول استنتاجه الفيلسوف الماركسي الإيطالي الذي ودعنا السنة الماضية :أندريه توسيل ،المتخصص في فلسفة غرامشي .
وحسب هذا الأخير “فأنطلوجية لوكاش ليست ترجمة ميتافيزيقية تجريدية لماركس ،لكنها التعبير الأقوى المكنونة في ذروة عصرنا الذي يجبرنا على طرح السؤال الوجودي :أن نكون أولا نكون .أن نكون مع التحريك والاستغلال العام السلبي لإمكانيات النوع للذات أو للكائن “كي نقدر أن نكون”.

حول المسألة البيئية

في الفصل السابع من الكتاب الأول من “الرأسمال ” المعنون ب”الإنتاج بشكل عام والإنتاج الرأسمالي “فالرأسمالية إنتاجوية ولا تجعل الإنتاج يدور حول “القيم الاستعمالية النفعية “فهي لا تننتج القيم الاستعمالية إلا من أجل التنمية الذاتية لقيمة الرأسمال والسلطة التي يأخذها والتي تسمح له بتحديد ما هو اجتماعيا نافعا ،وكل إنتاج أو إنتاجية مرتبطة بالربح .
ماركس هو الذي بلور شكل الإنتاج حيث ديناميته مدمرة ،ففي الإنتاج السابق كانت الهيمنة تتجه نحو تراكم الثروات المادية وأدوات الامتيازات والسلطة .أما الرأسمالية فتتجه نحو الثروة المجردة الجاهزة فورا ،من هنا طاقتها التدميرية التي تتمظهر في دينامية المراقبة لقوى الإنتاج المميزة لهذا النوع من الإنتاج .في هذا الاتجاه تعيد تحوير نوعيا القيم الاستعمالية وإدارة الموارد الجماعية للإنسانية .