عزوف الشباب عن الانتظام السياسي

إن المتتبع للمشهد السياسي ،سيلاحظ هذه المفارقة الغريبة ،التي تتمثل في كون هذ الفئة الاجتماعية الواسعة في المجتمع (يفوق عددهم 20 مليون تجاوزوا 18 سنة ) والتي تنزل بقوة إلى الشارع من أجل التظاهر والاحتجاج ،وتشكل قوة ضاربة في الحراكات القائمة في مختلف ربوع الوطن ،ومع ذلك لا ترغب في الانتظام السياسي ،إما في وعاء تنظيمي جديد أو في تنظيمات اليسار المناضل .
هل مرد ذلك أن الشباب لا يكترث للعمل السياسي بسبب لا جدوائيته،في الشروط الملموسة للنضال ،أم لغياب جاذبية قوية ،ذات حمولة أخلاقية وسياسية ،لا تتوفر في التنظيمات اليسارية الموجودة ،أو بسبب تقلص وظائف العمل السياسي ،في ظل تطورات هائلة ،ارتبطت بسيادة حوكمة جديدة ،من أهم مميزاتها انفصال الأنشطة الاقتصادية عن الممارسة السياسية وتركيز هذه الأخيرة في يد “المحترفين” أم أن الأمر مرتبط بأسباب سويسيو-سياسية وتاريخية ،جعلت احتكار السياسة والتحكم في الرقاب من خلال بنية احتكارية للمعارف الاجتماعية الحاسمة ،واستعمال سياسات وتقنيات العنف المتعدد الأشكال والأنواع،وعبر ذلك ترسيم الجمود والركود في أوصال مجتمع الشباب،يجد متنفسه في الانتفاضات الشعبية والحراكات الاجتماعية ،التي بدورها تجعل الحاكمين يفرضون على هذا الشباب ويحكمون عليه الطوق من خلال أزمات دورية؟

في استقالة النخبة السياسية

لم تكن استقالة النخبة السياسية ،أمام ضغط الشارع وبروز الحركات الاحتجاجية ،مجرد استراحة محارب ،بل هو تعبير مكثف عن وعي شقي ،لمآل نخبة ،أنهكتها عقود من المعارضة المتدبدبة والهشة ،وتفشت فيها أنماط مختلفة من الانتهازية ،التي تتوسل رضا السلطات والظفر بقاعد في مؤسسات النظام المغشوشة،انتهى بها المطاف أخيرا ،كنتيجة حتمية إلى تدبير ما سمي بتجربة “الانتقال الديمقراطي ” في شروط سياسية مهينة ،أفضت بعد انتهاء واكتمال أشواطها المقررة ،إلى تأمين احتكار السلطة السياسية والاقتصادية ،لأمد طويل ،”للعهد الجديد”،والإبقاء على سيرورة العمل ،بمفهوم “دولة الرعايا” كصمام أمان على مصالح “المافيا المخزنية “والعودة من جديد إلى تكريس وتضخم السياسة القمعية وسن قوانين للتعسف والإكراه جديدة ،بمصادرة الحريات،وقمع الحركات الاحتجاجية ،وطبخ محاضر جاهزة لمناضليها المخلصين ،والزج بهم في أقبية الزنازين،وإذلال عائلاتهم وذويهم وتشريدهم ،والمزيد من التحكم في مصادرة الثروة واحتكارها بين يدي الطغمة الحاكمة ،وإفلات مرتكبي الخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان من العقاب مع مكافأتهم وتأمين مستقبل آمن لهم ولذويهم.