مفهوم الحزب عند غرامشي

قبل التطرق إلى تصور غرامشي لبناء الحزب ،يلزم تقديم الخلفية الاقتصادية والفكرية والسياسية ،التي كانت وراء ،بلورته لمفهوم الحزب الثوري ،في إطار السيرورة ،التي عرفتها الرأسمالية بإيطاليا ومثيلتها في أوروبا .
المصادر الثلاثة في تكوين غرامشي
منذ عام 1887 تنامت بشكل سريع الصناعة في الشمال ،بفضل السياسات الحمائية ،التي بلورتها البرجوازية الإيطالية ،تحت قيادة جيوفاني جيولوني السياسي البرجوازي المهيمن خلال السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى ،وقد وفرت هذه الحمائية قاعدة صلبة لتقاطع في المصالح بين رأسمال صناعي كبير من جهة وبين التنظيمات العمالية الإصلاحية من جهة ثانية ،غير أن تأثير ذلك على إيطاليا الزراعية كان تأثيرا كارتيا،باستثناء منتجي الحبوب في الوسط والشمال ،بحيث تضرر كثيرا الفلاحون من عملية تصدير إنتاجهم ،في الوقت الذي كانوا ملزمين بشراء منتجات الصناعة الإيطالية ،بدلا من السلع الأبخس تمنا والمصنوعة في البلدان الصناعية الأكثر تقدما .فقد شكلت “النزعة الجنوبية” موقف غرامشي السياسي بصورة عامة لدى وصوله تورين سنة 1911.
تأثر كثيرا غرامشي بأنطونيو لابريولا المنظر الماركسي الإيطالي الوحيد ذا شأن قبل الحرب العالمية الأولى وهو الذي أدخل عبارة “فلسفة البراكسيس” التي باتت شهيرة بالارتباط مع دفاتر السجن لغرا مشي .أما موندولفو فكان شخصية أكثر اتصافا بالجدية ،والفيلسوف الأول بعد موت لابريولا للاشتراكية فقد حاول التوفيق بين ماركس “ذي النزعة الفلسفية” و أنجلز الأكثر ميلا إلى التجريب.ثمة تأثير فلسفي وثقافي لا يقاس تعرض له غرامشي في سنواته الأولى ،كان تأثير بنديتوكروتشي ،الذي كان تلميذا للبريولا واعتنق الماركسية بين 1895-1900 ،ويرتبط جوهر نقد غرامشي الناضج لفلسفة كروتشي لتجريد هذا الأخير حركة التاريخ من صراع الأضداد إلى “ديالكتيك التمايزات”.
ثم الخط السياسي الاشتراكي في تورين ،فقد كانت بروليتاريا تورين الأكثر تقدما والأشد كفاحية وصدامية في إيطاليا .قام عمال المعادن (غير المنظمين في النقابات )سنة 1912بإضراب حتى” النهاية “هزم هذا الإضراب بعد خمسة وتسعين يوما من النضال ولكن عمال المعادن خرجوا ثانية تحت قيادة النقابة هذه المرة وحققوا بعد ثلاثة وتسعين يوما من الإضراب انتصارا ذا شأن ،وكانت هذه النضالات هي خلفية تكوين غرامشي في سنواته الأولى في تورين والتي حررته من النزعة “الجنوبية” وستكون إحدى التجارب الرائدةفي إبداع المجالس العمالية ،التي ستكون محور تنظيره السياسي فيما بعد.
مفهوم الحزب عند غرامشي
يمكن تمييز فترتين من نضال غرامشي الفكري والسياسي :فترة العمل السياسي والدعاية للفكر الاشتراكي عبر الصحافة مابين 1916و1926 ،إلى حين اعتقاله كعضو في البرلمان ،وقد كان يشغل منصب أمين عام للحزب الشيوعي سنة 1924 وعمره في الخامسة والثلاثين ،ولدى محاكمته في 1928 أنهى المدعي العام الرسمي خطابه المنمق بالمطالبة الشهيرة التي وجهها للقاضي قائلا :”يجب علينا أن نوقف هذا الدماغ عن العمل لمدة عشرين سنة” . ثم فترة السجن ما بين 1926و1937 التي وثقها في دفاتر السجن ،بما مجموعه 2448 صفحة مكتوبة بخط اليد ،ليجري تهريبها من المنفى ومن إيطاليا بعد موته .
قام غرامشي بين عامي 1916و 1926 بمحاولات عديدة لتوثيق العلاقات السياسية بين الحركة العمالية في الشمال ومنظمات الفلاحين في الجنوب ،كما قام ببحوث في تكوين الروح المدنية خلال القرن التاسع عشر ، عن المثقفين الإيطاليين ،وحول وحدة إيطاليا والتفاوت الاجتماعي والتاريخي بين الشمال والجنوب ،كما تناول بالدراسة أعمال كروتشيه الفيلسوف الإيطالي الذي اعتبره غرامشي رئيس هيئة الأركان الفكرية للبرجوازية الليبرالية .
لم يلعب غرامشي أي دور بارز جدا في حياة منظمة تورين الحزبية قبل 1917 ،وشكل هذا العام نقطة انعطاف في تكوينه السياسي ،بحيث كان هذا العام ،عام الثورتين الروسية والعصيان البروليتاري في تورين ،وقد كان تأثير الثورة الروسية في 1917 على تورين أسرع من أي مكان آخر في أوروبا ،فالعداء للحرب في المدينة كان عاما وقد زاد حدة مع استمرار الصراع ،ذلك أن الأشهر الأولى من عام 1917 شهدت سلسلة طويلة من النضالات الصناعية التي خيضت ،لمجابهة تأثير نقص المواد الغذائية وارتفاع الأسعار ،وفي طليعة المعارك النضالية كانت النساء العاملات وخصوصا في مصانع النسيج.
تعرف غرامشي في السنوات المبكرة في تورين على القادة المستقبلين للحزب الشيوعي :تولياتي وتيراتشيتشي وتاسكا،وشكلوا النواة لخلق مجلة “النظام الجديد”وأصبح بفضل اجتهاداته المتعلقة ،بمواكبة الحياة السياسية في تورين ،أكبر معلق سياسي ،ولم ينازعه أحد كزعيم لحركة “النظام الجديد” وكشخصية رئيسية في الشيوعية الإيطالية ،بدء بارتقائه إلى قيادة الحزب الشيوعي سنة 1923. سيبرز غرامشي خلال هذه الفترة كمنظر أول لحركة مجالس المصانع،التي جسدت وبلورت نضالات القطاع الأكثر تقدما من البروليتاريا الإيطالية في مدينة تورين ، و كانت أفكار غرامشي التنظيمية ،مشابهة لأفكار روزا ،أي دعم الحركات العفوية والتي لقيت ترجمتها التاريخية في المجالس العمالية ما بين 1919و1920،حيث تشكلت هيئة أركان ،لإدارة المعارك النضالية والتهييئ للحكومة المستقلة لدولة العمال . ذلك أن السلطة السياسية للجماهير وسلطة توجيه الحركة ،يجب أن تنتمي إلى التنظيمات التمثيلية لهذه الجماهير نفسها،ونظام المجالس وحده له صلاحية امتلاك السلطة السياسية ،بينما التقنيون مهمتهم محصورة في وظائف إدارية . كان غرامشي يراهن على تحرير قدرات الطبقة العاملة من كل قيد ميكانيكي مرتبط بشكل دقيق بجهاز التنظيم ،لأن من شأن ذلك أن يؤدي لا شعوريا إلى تكريس جهاز للمحافظة يعمل على تهريب السيرورة الثورية وإخضاعها لمراقبته وتأثيره ،ففي الحالة الملموسة للمعمل ،فالحزب والنقابات ،لا ينبغي أن يتحولا إلى أوصياء أو كبنيات فوقية مشكلة سابقا من هذه المؤسسات الجديدة ،على العكس من ذلك ،يعتبر غرامشي أن الحزب يجب أن يكون أداة”سيرورة التحرير الداخلي التي من خلالها يصبح العامل المنفذ هو المبادر،ويصبح قائدا ورئيسا للجماهير ،ومن اليد يصبح عقلا وإرادة”
في تنظيره للعلاقة بين النقابة ومجالس المصانع ،وصف غرامشي الحزب كمؤسسة”طوعية” أو “خاصة” والمجلس “كجهاز”تمثيلي”أو “عام” وينظم العامل إلى الحزب “كعملية واضحة الوعي” أو “عبرا لموافقة المعلنة” وباستطاعته الانسحاب وقتما يشاء ويفسخ “العقدة مع الحزب” لكن في المجلس فهو “تنظيم تمثيلي” لأنه جهاز للحكم فعليا وكإمكانية ،وتعكس بنية المجلس موقع أعضائه في عالم الإنتاج وكل عامل يشارك فيه بفضل دوره في الإنتاج وليس عبر موافقته كفرد ،فحسبه فإن “الحزب قد ولد في حقل الحرية السياسية ،وفي حقل الديمقراطية البرجوازية ،كتأكيد وتطور للحرية الديمقراطية بشكل عام ،أما المجلس فوجد في “حقل الإنتاج الصناعي داخل المصنع”وما من ديمقراطية هناك ،ومن مهمات المجلس إيجادها”
كان يرى غرامشي علاقة الحزب بالمجالس كالعلاقة المتماثلة بين السياسة والاقتصاد في النظرية الماركسية :”لا يمكن لأي شكل من أشكال السلطة السياسية أن يقهم ويبرر تاريخيا إلا كهيكل حقوقي للسلطة الاقتصادية”
لا يجب على الحزب والنقابة أن لا يعتبرا نفسيهما أوصياء بنى فوقية جاهزة بالنسبة لهذه المؤسسة الجديدة “المجالس” التي تتخذ فيها العملية التاريخية للثورة صيغة تاريخية قابلة للضبط ،بل على الحزب والنقابة أن يعتبرا نفسيهما عاملين واعيين في تحريرا لثروة من قوى القمع المتمركزة في الدولة البرجوازية ،وعليهما أن ينظما الشروط العامة الخارجية (السياسية)التي يمكن من خلالها لعملية الثورة أن تطور سرعتها القصوى والتي تجد القوى الإنتاجية المحررة من خلال توسعها الأكبر”
وعلى العموم ،فالحزب الشيوعي لا يجب أن يصبح تجمعا للمذهبيين “صغار الميكيافليين” وليس حزبا يصلح لجماهير تحاول التشبه ببطولات “اليعقوبيين الفرنسيين” ولكن “حزب للجماهير الذي يريد تحرير بوسائله الخاصة وبطريقة مستقلة من العبودية الرأسمالية ”
هذه البنية لعلاقة الحزب والجماهير تنعكس على مستوى التنظيم الداخلي التي يجب أن تكون حسب غرامشي ،تتشكل من “الحت إلى القمة” في كل “معمل،توجد مجموعة شيوعية دائمة مع جسده الخاص القائد و المجموعات المنعزلة تتجمع حسب الوضعية الطوبوغرافية لمعاملهم في مجموعات الحي ،التي تخلق قيادة في قلب الحزب”
أما المرحلة الثانية فقد عبرت عن نضج سياسي وتنظيمي ،في التعاطي مع الإشكاليات التي استجدت ،خصوصا مع الصعود العاصف للفاشية ،التي فاجأت الحركة الشيوعية العالمية ،فقد كان ينظر إلى الاشتراكية –الديمقراطية ك”جناح يساري للبرجوازية” وكانت ما تزال مقبولة عموما ،لدى الشيوعيين الإيطاليين منذ أن طرحها زينوفييف في سنة 1922 وقد أصبحت مع حلول عام 1924 “الجناح اليساري للفاشية ” وفي خريف 1926 ،بحجة محاولة اغتيال مزعومة استهدفت حياته ،قرر موسولوني أن يضع حدا لتلك الديمقراطية الزائفة التي كانت ما تزال موجودة .خلا هذه المرحلة الممتدة من 1927 إلى 1937 ،حاول غرامشي أن يجابه بشكل نظري شامل الإشكال الذي فرض على الحركة الاشتراكية بسبب هزيمتها السريعة في أوروبا الغربية في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى والنهوض السريع الذي للقوى الرجعية الذي لازم هذه الهزيمة ،وقد ساهم في تعميق هذا الشرخ الكبير ثلاثة أسباب جوهرية :1-التراجع العام للحركة الثورية وركود سياسي للجماهير ،2-فشل الأحزاب العمالية في إيطاليا وألمانيا مع سيطرة الفاشية المرتكزة على قاعدة شعبية واسعة ،3- بداية تشكل البيروقراطية في الحركة الشيوعية ،التي بلغت في عهد ستالين مرحلة متقدمة مع محاكمة موسكو سنة 1935 وتصفية القيادة التاريخية للبلاشفة ،هذه الأحداث الثلاثة ،تراجع الجماهير ،انتصار الفاشية ،تطور الستالينية تشكل مفتاح لفهم تحولات للأفكار السياسية والتنظيمية لغرامشي .بالفعل عندما نتأمل جيدا في “دفاتر السجن” نعثر على تصورات عميقة حول مشروع سياسي متكامل، للخروج من أزمة الحركة الشيوعية ،فالمنظور التقليدي لبناء الحزب الثوري ،أصبح لا يفي بكل الاحتياجات الضرورية ،فأمام الضربات الموجعة للعدو ،لم يعد الحزب يتوقف دوره حول الاستيلاء على السلطة ،فإلى جانب القيادة السياسية التي يستحوذ عليها الحزب أو ما سماه غرامشي “الأمير الحديث” ينبغي أيضا إيجاد قيادة ثقافية تستطيع إنجاز الإصلاح الأخلاقي والثقافي ويعطي غرامشي أهمية كبيرة لموضوع الهيمنة الثقافية توازي أهمية السيادة والسيطرة الاقتصادية والسياسية ،”على الأمير الحديث أن يكون عامل إصلاح ثقافي وأخلاقي ،إذ أن الإصلاح هو أرضية تحقيق تطور لاحق للإرادة الجماعية الشعبية ،أرضية تشكل منجزا شاملا للحضارة الحديثة ”
. ويمكن لجماعة سياسية أن تمارس “القيادة” (أي تصبح مهيمنة )بل ينبغي أن تكون قد مارستها بالفعل قبل أن تظفر بسلطة الحكم (وهذا في الحقيقة هو أحد الشروط الرئيسية لكسب مثل هذه السلط)”
في قلب تصوره لمشروع الهيمنة ،يقيم التمييز بين “حرب المواقع” و”حرب الحركة” ،إذ يشير إلى أن “حرب المواقع” قد تكون الشكل الوحيد الممكن للنضال السياسي في فترات الاستقرار النسبي للتوازن بين الطبقات ،أي عندما سيكون الهجوم المباشر أو “حرب المواقع”مستحيلا .ويطرح غرامشي تساؤلا :هل هنا تطابق مطلق بين مفهوم حرب المواقع ومفهوم الثورة السلبية ؟أو على الأقل هل توجد أو تتطور مرحلة تاريخية كاملة ،ينبغي أن يعتبرا مفهوما واحدا ،عندما نصل إلى النقطة التي تتحول فيها حرب المواقع التابثة مرة أخرى إلى حرب حركة” في لحظة معينة من التطور التاريخي ،سوف تحل حرب الحركة محل حرب المواقع ،وعندئذ يمكن مرة أخرى تبني “هجمات مباشرة” على الدولة .وفي ملاحظاته حول النضال السياسي والحرب العسكرية ،يربط حرب المواقع بالغرب ،حيث يوجد توازن سليم بين الدولة والمجتمع المدني ،على خلاف الشرق(روسيا)حيث تكون الحركة هي الملائمة .
تكمن أصالة غرامشي كمنظر مبدع ،في الطريقة التي ميز من خلالها مراحل تطور النظام الرأسمالي ليس فقط من خلال ارتباطها بالبنية الاقتصادية ،ولكن من خلال بنياته الفوقية مدمجا عقدة المجتمع-الدولة الذي ينظم التوافق ويمتص الاحتجاج :هذا هو ولادة الهيمنة الرأسمالية في أوروبا .كتب غرامشي الهيمنة ولدت في “المصنع” وليس في المجتمع المدني ،والسيطرة هنا تجد محفزها التي تسمح لقوى الإنتاج للامتداد بسرعة في الخارج والتي يسميها غرامشي الفوردية ،وهذا موضوع أخر سنتطرق له في حلقة أخرى.