مفهوم الحزب عند جورج لوكاش

 

يعتبر لوكاش سليل الإرث التاريخي للفلسفة الألمانية ،بدء من كانط وهيغل مرورا بدلثاي ،إلى ماركس مكتشف”الفيروس الليبرالي”وقد ساعده تنقله المستمر بين كبريات الجامعات الغربية ،خلال العقود الثلاثة من القرن الماضي ،من تكريس حياته للنشاط الفكري والسياسي في ارتباط وثيق العرى :فالفترة الممتدة من 1902 إلى 1917 كانت مكرسة كليا للأدب والجماليات،بينما امتد انخراطه في النضال السياسي واهتمامه بالموضوعات السياسية من 1918 إلى 1925،واستأثرت النشاطات التنظيمية بوقته كله من 1929 إلى 1931،لكنه عاد إلى الموضوعات الأدبية والجمالية عام 1931 ،دون أن يفقد اهتمامه بالسياسة وعلم الاجتماع.
عندما بلور تصوره الخاص لمفهوم الحزب ،بالمعنى الماركسي ،كانت الخلفيات الثقافية والسياسية،التي تحركه ،نحصرها في العناصر التالية :نجاح الثورة البلشفية في أكتوبر 1917 وإجهاض الثورة في المجر سنة 1918 و والمناقشات الجدالية السياسية والأزمات التنظيمية التي ارتبطت بالمؤتمرات الثلاث للأممية الثالثة ،ثم الأزمة الفكرية للماركسية التي نشبت وسط الحركة العمالية ،بين ماركسية مؤولة كنظرية التطور “العضوي”الانتهازية لكاوتسكي ،وبين ماركسية مؤولة ثوريا ،للعصف بأسس النظام الرأسمالي التي كانت تمثلها “البلشفية “من جهة و”اللكسمبورية” من جهة أخرى.
في محاولة قراءة نتاجه الكلي ،حول مفهومه لأهمية الحزب ودوره التاريخي ،في انتقال الطبقة العاملة ،من “وعيها في ذاتها ” إلى “وعيها لذاتها” نميز ثلاثة لحظات جوهرية ،من تنظيره السياسي ،على خلفية الصراعات السياسية والاديولوجية،التي ارتبطت بمراحل مختلفة :خلال المرحلة الأولى ،انظم إلى الحزب الشيوعي المجري سنة 1918 وكان مسؤولا في الجيش الأحمر لما نجحت الثورة في المجر سنة 1918 والتي لم تستمر أكثر من خمسة أشهر، نجا من الموت المحقق ،ثم هرب إلى فيينا حيث واكب نشاطه السياسي ،واستمرت هذه الفترة إلى حدود 1924 ،متنقلا بين موسكو وبرلين وفيينا ،كمحاضر في جامعاتها وكفاعل سياسي في الأممية الثالثة،وقد أنجبت هذه المرحلة كتاب :”التاريخ والوعي الطبقي “سنة 1923 ،الذي يحتوي على نصين هامين :”ملاحظات نقدية على نقد الثورة الروسية لروزا “و”ملاحظات منهجية عن قضية التنظيم” وقد تميزت هذه اللحظة السياسية ،بتبنيه منظورا يساريا متطرفا .جاءت اللحظة الثانية ،بعد انضمامه إلى “البلشفية” على إثر النقد الصارم الذي وجهه لينين إلى لوكاش ،بخصوص موقفه المجرد من المشاركة السياسية في الحياة النيابية . وفي غضون عام 1930-1931 عمل لوكاش في معهد ماركس-أنجلز في موسكو ولعب دورا بارزا في الحياة الأدبية للحزب الشيوعي الألماني في برلين بين عامي 1931-1933 ،ثم التحق بمعهد الفلسفة التابع لأكاديمية موسكو للعلوم ،،واستمرت هذه اللحظة السياسية إلى أن عاد إلى المجر سنة 1944 إثر دخول الجيش الروسي وإعلان نجاح الثورة السوفياتية –المجرية .
تتميز اللحظة الأخيرة ،بمرحلة الأزمة السياسية ،على إثر إقالته من الحزب الشيوعي سنة 1956 ،وعلى خلفية انتفاضة أكتوبر-نونبر عام 1956 حيث أصبح عضوا في اللجنة المركزية للحزب،ووزيرا للتعليم في حكومة ايمري ناجي ،وقد سلم من الموت بالرغم من سقوط الأخير وإعدامه،ثم عاد إلى بودابست وبعد أن نفي لفترة وجيزة إلى رومانيا وسمح له بالإقامة إبان حكم كادار ،بيد أن كتاباته تعرضت للحظر الرسمي ،فاضطر إلى نشرها في الغرب .وبعد السماح له بدخول الحزب الشيوعي ثانية سنة 1967 ،عرف عنه أن كان يحتج في مجالسه الخاصة على غزو تشيكوسلوفاكيا واحتلالها .وفي عام 1969 وبمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الجمهورية السوفياتية الهنغارية القصيرة العمر ،قلد رسميا وسام “الراية الحمراء” وسمح له ،مرة أخرى ،أن يعبر عن آرائه بصورة علنية في مقابلات مع المراسلين من الشرق والغرب.
الحزب والوعي الطبقي
ينطلق لوكاش من وحدة وعي الطبقة العاملة ،منتقدا الطابع “التراسندانتالي” أي مفارق،يسبح في عالم الأفكار ،بل يأخذ وجها تاريخيا ملموس وثوري ،وأداة تطورها المستقبلي،من خلال نموذج الحزب الشيوعي ،مع نقده لمفهوم الشيء الذي تخضع له سيرورة تشكل الوعي الطبقي ،في قلب عملية الإنتاج ،ذلك أن الوعي الحقيقي للطبقة العاملة ،لا يتأتى بشكل عفوي ،كنتيجة شروط الأزمة الاقتصادية ،إذ تظل شرائح متنوعة من الطبقة العاملة خاملة سياسيا ،فنشاط الطبقة العاملة العفوي هو نتاج ،أو تعبير عن سيكولوجية للقوانين الاقتصادية ،بينما الوعي الحقيقي للطبقة العاملة ليس نتاجا أوتوماتيكيا للأزمات الموضوعية .هذا الوعي السيكولوجي للعمال الذي يترجم أفكارا تجريدية ،هي “سيكولوجية مشتتة ومؤو بطريقة عفوية ،لأن حقيقة الوعي الطبقي ليست مجموع وعي أفراد الطبقة التي تفكر ،ولكنه “إمكانية موضوعية” باعتباره الرد العقلاني الأكثر مطابقة الذي يمكن “مجادلته” لهذه الطبقة ،بمعنى الوعي الذي يصبح قادرا على تملك كلية وضعيته التاريخية ،أي وعي الطبقة الذي يحدد مصيرها وفي نفس الوقت مصير كل المجتمع ككل”.
في هذا السياق ،يقوم لوكاش ،بنقد لاذع “للكاوتسكية” ،بصفتها تعبر عن نظرية التطور “العضوي” ،”التي بموجبها تحتل البروليتاريا قليلا قليلا أكثر الشعب بنمو بطيء وتستولي هكذا على السلطة بوسائل محض شرعية ” كما ينتقد ما يسميه بالنظرية” القدرية” الاقتصادية ،التي تفهم “التطور الاجتماعية بطريقة أن سير الرأسمالية الاقتصادي يقود إلزاميا وأوتوماتيكيا خلال أزمات إلى الاشتراكية ” إذ يضيف مبرزا مخاطر هذا التصور على الحياة المستقبلية للطبقة العاملة ،”إذا انتشرت هذه الرأسمالية بدون حواجز ،لا يقود ذلك إلى انحطاط الرأسمالية البسيط وإلى عبورها إلى الاشتراكية ،بل لفترة طويلة من الأزمات ،وحروب أهلية وحروب عالمية امبريالية على مستوى دائما أكثر ارتفاعا :”إلى انحطاط الطبقات المتصارعة المشترك “إلى حالة من البربرية”.
يشير لوكاش ،بأن تبديد هذا الوهم ،لن يحصل إلا في سياق إدراك الطبقة العاملة لذاتها وسط واقعها ،أي في إطار “الكلية التاريخية للأزمة العالمية،إن هذا السياق ،هو امتداد الأزمة على كل الطبقات ،متجاوزة هكذا البرجوازية البروليتاريا لأن ذلك يجعل الفارق كيفيا وبالمبدأ أيضا ،في وضع بحدث فيه السير الاقتصادي في البروليتاريا حركة تكتل عفوية ،وتكون حالة المجتمع كله –في مجمله- مستقرة أو يجعل فيها تجمعا عميقا لكل القوى الاجتماعية ،وهزة لأساسات سلطة المجتمع السائد.”
إن الدور التاريخي الموكول للطبقة العاملة ،عكس التصورات الدوغمائية،من أجل قيادة الثورة ،لتحريرها وتحرير المجتمع ككل، يحتم عليها”أخذ بعين الاعتبار التنضيد ات الطبقية (برجوازية صغرى-فلاحون-أمم مظلومة) لكي يتم تقدم حركاتها لمصلحة الثورة البروليتاريا ومنع أن تخدم حركتها ضد- الثورة ..لأن الاعتراف بدور الطبقات غير البروليتاريا المهم في الثورة وبطابعه الخاص غير محض بروليتاريا ،يحصل على معنى فاصل .لا تتمكن كل سيطرة لأقلية من البقاء ،إلا إذا تمكنت من أن تجر في خطها التي ليست مباشرة وفوريا ثورية ،وأن تحصل على مساعدة سلطتها ،أو على الحياد في صراعها من أجل السلطة (بالتوازي يتدخل أيضا بالجهد لتحييد أقسام من الطبقة الثورية)”
إن هذه الطبقات الوسيطة هي “ثمرة القوى الاجتماعية المنتشرة حسب “قوانين طبيعية” عمياء بالمعنى الاجتماعي .ليس لهذه الطبقات وعي طبقة خاصة ،فقط ليسلها حتى مظهر مصالح مجمل المجتمع الموضوعية ،ولا تتمكن صلتها الموضوعية بالكلية أن تكون إلا حاصلة سببيا ،أعني بانزلاقات في الكلية وغير موجهة نحو تحويل الكلية ،أما الصيغة الإيديولوجية التي تلبسها ليس سوى طابع عرضي ،حتى إذا اعتبرا في تكوينهما كضرورين سببيا”لذلك فتطورها مرهون باتساع موقف الطبقات المؤهلة للوعي ،إما البرجوازية أو البروليتاريا .”
وإذا كان الحزب في منظور لوكاش ،هو الشكل التنظيمي للوعي الطبقي ،لكونه حامل لإمكانية موضوعية للوعي والفعل الثوري ،فذلك لأنه يمارس دور” الوسيط بين النظرية والتطبيق ،بين الإنسان والتاريخ “،وتكمن مهمته الجوهرية في تحويل الوعي المشيءللطبقة العاملة أي تحريره من “الطابع السيكولوجي ،باعتباره نتاج القوانين الموضوعية الاقتصادية ،إلى وعي حقيقي” مطابق لدورها التاريخي في إحداث الثورة الاجتماعية وتجاوز النظام الرأسمالي ،غير أن هذا الوعي يجب أن بتمثل “الكلية” أي استيعاب كافة تناقضات المجتمع الرأسمالي وعدم تغييب أي عنصر في تركيبها الذاتي والموضوعي .
التنظيم كقضية سياسية
يتبنى لوكاش المفهوم السياسي للتنظيم ،كما صاغه لينين :”لا يمكن أن تفصل آليا القضايا السياسية عن قضايا التنظيم”
فقد ظل الكلام عن الحزب الشيوعي “كقضية محض تقنية وليس كإحدى القضايا الفكرية الأكثر أهمية للثورة” ينطلق من التجربة اللينينية وخاصة نتائج المؤتمرات الثلاث للأممية الثالثة،وإذ يسجل الموقف الخاطئ من الجبهة الموحدة ،الذي اختلف حوله الشيوعيون ،تطرح مسألة “اللاوعي” في القضايا التنظيمية ،وهي بالتأكيد علامة نقص نضوج الحركة ،بدليل أن “هذه القضية ،التي في نهاية التحليل هي قضية الصلة الجدلية بين “هدف نهائي”و”حركة” بين نظرية وممارسة ،تتكرر تحت صيغة متطورة دائما في كل مرحلة تطور ثوري فاصلة ،والحق يقال بمضامين متغيرة بدون انقطاع” ذلك أن معرفة صحة قضية ما أو خطئها مرتبطة بمرحلتين :الأولى تنبع من تحليل الكلية التاريخية واستنباط الحلول القمينة بتغيير الواقع ،أما الثانية فهي مرتبطة بعملية ترجمة تلك الحلول على أرض الواقع “فعندما تكون الكلية المحسوسة المدعوة لأن تكون بيئة وطريق التحقق ” تكون في الأصل مجرد “وهم محض” وكمثال على ذلك ،فقد عرفت المناقشات الأممية الثانية الأولى ،ضرورة فرض الإضراب العام ،لكن لم يصبح ممكنا ،ويتخذ شكلا محسوسا إلا مع الثورة الروسية الأولى ،نفس الأمر حدث مع الإضراب البلجيكي العام،وهذا يدل على أن “قضية التنظيم ظلت لمدة أطول في الظل الوهمي ،لأن قضية الثورة في الحركة العمالية ،بقيت محصورة في المنهج ولم تتحول إلى قضية ،تحدد مباشرة مجمل الحياة اليومية،ولأن بناء حزب ثوري لا يمكن تطويرها عضويا إلا انطلاقا من نظرية للثورة ذاتها “.إن عدم إدراك صحة النظرية الثورية ،يترتب عنه السقوط في أخطاء تكتيكية ،خصوصا مع تغييب السلوك السياسي الانتهازي “الذي له جذور عميقة في الأحزاب البروليتاريا”فيستشهد بمقتطفات من تحليل روزا التي تقول :”إن عجز القوى الثورية إزاء التحركات العفوية للجماهير ،وتزعزع الوهم الانتهازي الذي تفضحه فكرة “إعداد تنظيمي”لمثل هذه الأعمال ” إن روزا التي تملك أوضح نظرة عن معنى أعمال الجماهير ،تذهب لأبعد من هذا النقد البسيط ،بنظرة ثاقبة كبرى ،تستملح حد المفهوم التقليدي للتنظيم ،الكاذب في صلته مع الجماهير،فتؤكد مرة أخرى “أن زيادة التقدير الخاطئ أو التقدير الخاطئ لدور التنظيم في صراع الطبقات البروليتاري ،تقول ،سيكمله عادة التقليل من تقدير الكتل البروليتاريا غير المنظمة ونضجها السياسي” يستخرج من ذلك “أن مهمة الحزب الأساسية هي القيام بالتوجيه السياسي للحركة بكاملها ،عوض إعداد وتوجيه إضراب الجماهير التقني”.على هذه القاعدة النظرية ،نشب خلاف جوهري في الاشتراكية –الديمقراطية ،بين فصيل يتبنى مفهوما للثورة ،بارتباط مع المهمات الناتجة عنه (التحاف مع البرجوازية”التقدمية” أو صراع إلى جانب الثورة الفلاحية)ومن جهة ثانية استخلاص المهام التنظيمية المرتبطة بالتصورين السابقين .في التجربة الروسية ،يقول لوكاش :حصل بؤس في معالجة الصلة الجدلية لهاتين القضيتين ،بما فيها روزا لكسمبورغ وبنكوك وسواهما ، حيث ظلا أسيري نظرة ضيقة ،أي بقيت ذات طابع نظري صرف واحتفظت صلتها بالحركة المحسوسة بطابع وهمي دائما”
الخصائص النوعية للحزب
يشدد لوكاش على الخصائص النوعية للحزب ،المتمايزة كليا عن الأشكال التنظيمية الأخرى،فكون التنظيم هو صيغة الوساطة بين النظرية والممارسة،يطرح صعوبات جمة ،مرتبطة بترجمة النظرية على أرض الواقع ،من هنا “فإن هذا الشكل للتنظيم يجعل الأعضاء الذين يكونون هذا الوسيط،عند التفرغ لمهامهم،لديهم شعور أكبر بكثير ،وأثبت بكثير من كل قطاع آخر للفكر وللعمل الساسي “وعلى غرار ذلك ففي “النظرية المحضة ،تتمكن المفاهيم والميول المختلفة أن تتواجد بسلام ،وإذ لا يأخذ تناقضها إلا صيغة مناقشات تتمكن من أن تجري بسكينة في إطار ذات التنظيم واحد دون أن تفجره إلزاميا،فإن ذات القضايا تظهر ،عندما تنطبق على قضايا التنظيم،كميول متصلبة وينفي واحدها الآخر.على أن كل ميل إلى تشعب الرأي”النظري” يجب حاليا أن يتحول إلى قضية تنظيم،إذا لم يشأ أن يظل نظرية بسيطة،ورأيا مجردا،إذا كانت عنده واقعيا النية بأن يبين طريق تحقيقه”
غيرأن جوهر العملية السياسية ،قد يضيع في الحركة،ويصعب بلوغ أهدافها،كلما تعدرإدراك المصالح السياسية والطبقية ،لنشاط الناس ومختلف المجموعات،من خلال”كليته التاريخية،التي تعني سير مهمته في السير التاريخي،وفي دور الوسيط بين الماضي والمستقبل”
كما أن تقويم نشاط الحزب،من خلال ممارسة النقد والنقد الذاتي،لا يستقيم بالضرورة،على ضوء معالجة أخطاء التنظيم واختلالا ته،أو تثمين نجاحه،انطلاقا من الأدوار المحددة لأعضائه،بل من السعي إلى”اكتشافها في تقدير الحالة وفي الاستعداد وتوجيه العمل ،والأوقات التي من النظرية، قادت بالضرورة إلى عمل يكون أكثر مختصا بها ،إنها تسعى إذن وراء التفسيرات الجوهرية التي تربط بين النظرية والممارسة ”
إن فصل “مفهوم “الضرورة”المجردة عن الصيرورة،يقود حتما إلى القدرية،وأن الافتراض البسيط أن “أخطاء”أو مهارة الأفراد هي في أصل النجاح أو الفشل،لا يتمكن بدوره أن يقدم أمتولات مخصبة للعمل الآتي بصيغة فاصلة”
تكمن شروط النقد الذاتي أيضا ،في فحص أعراض التنظيم ،كلما “دفعت هذه القضية إلى ما وراء مظهرها الخاص والعرضي،وإذا استملح في العمل الصحيح أو المعيب للأفراد الخاصين قضية تساهم أكيدا بالمجمل،ولكن يفتش عن سببها في أبعد،والإمكانيات الموضوعية،لأعمالهم،والإمكانيات الموضوعية للأحداث التي بفضلها أنوجد هؤلاء الأفراد في هذه المراكز،عندئذ تكون القضية قد طرحت من جديد على صعيد التنظيم” لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد “،فقد يكون “الخطأ”حقيقة قائما في النظرية،وفي الأهداف المحددة أو في معرفة الوضع ذاته.هذا يفرض نقد النظرية عمليا انطلاق من وجهة نظر الممارسة”
ومن أجل إعطاء مضمون حيوي لنشاط الحزب ،لا يكفي فقط استخدام تدابير تنظيمية صارمة،للرفع من مستوى أدائه ،بل “لا يمكن لتنظيم شيوعي أن يتطور إلا في الصراع،ولا يتمكن من أن يتحقق إلا إذا وعى كل عضو فردي بتجربته الخاصة، صحة وضرورة صياغة الالتحام الدقيقة هذه.المقصود إذن التفاعل بين عضوية وتنظيم واع.ذلك أن الجديد في سير تكوين الأحزاب الشيوعية ،هو فقط الصلة المتغيرة بين نشاط عضوي ورؤية مسبقة واعية ،نظرية:إنه الاختفاء المتنامي للبنية المتخلفة المحضة للوعي البرجوازي المشيأ و المحض “تأملي” والصراع المستمر ضد هذه البنية”.
إن المرونة وإمكانية التحول والتلاؤم والتكتيك والتنظيم الصارم ،جميعها حسب تعبير لينين،ليست سوى المظهرين للشيء الواحد ذاته،لذلك فالحياة الداخلية للحزب هي معركة متواصلة ضد الإرث الرأسمالي،وفي مقدمة هذا الإرث تجاوز الطابع”البيروقراطي” رغم أنه ضروري في تقسيم العمل بالنسبة لتنظيم الكم الهائل من مهمات الحزب ،إلا أنه قد يصبح خطر على تكلس الحزب،لذلك فكلما أصبح”تسلسل الموظفين بسيط ومعزول عن كتلة الأعضاء العاديين وتجاه الأعمال التي لا يعود منها في حياة كل الأيام إلا دور نظارة،وإذا لم يكن الحزب ككل إلا عرضيا ،فإن ذلك سيبعث لدى الأفراد،تجاه أعمال الحزب اليومية،نوعا من اللامبالاة تتمازج فيها الثقة العمياء والبلادة”
إن تجاوز هذه الآفة وما يرتبط بها من أمراض كالزعامية والانتهازية وغيرها ،لا يمكن فقط ربطها بعلاقة التكتيك والتنظيم وإنما”بصلاته بتكتلات كل العمال العريضة،حيث تم إدخال المبدأ المهم جدا أي استخدام تجارب وآراء العمال والفلاحين من خارج الحزب:لقد اشتركت هذه التكتلات في عمل تطهير الحزب..إنها تطرح في مرحلة متقدمة للحزب الشيوعي ،الصلة الداخلية والحميمة جدا بين حزب وطبقة،إذ تبين أن الفصل التنظيمي القائم بين الطليعة الواعية والتكتلات العريضة ليس سوى فترة في السير الموحد ،لكنها جدلية ،لتطور كل الطبقة ولتطور وعيها”