التيتي الحبيب

  • من وحي الاحداث

    رغم عسر المخاض المغرب الجديد يولد

    المغرب الجديد يولد وملامح المولود لا زالت لم تتضح بعد. مع الولادة يموت المغرب القديم وهو يحتضر. هذا الاحتضار سمته الاساسية كشفها حراك الريف منذ انطلاقه حيث كشف على أنه ليس للدولة ما تقدمه كجواب على أبسط مطالب ساكنة الريف إلا القمع والتنكيل. كل مساحيق الديمقراطية الشكلية سقطت وتعرى الوجه القبيح للدولة البوليسية.
    ما بدأه حراك الريف من كشف لملامح المغرب الجديد، يواصله حراك جرادة. ببراغماتية غاية في المرونة، مثلا حينما قرر الممثلون المنتخبون الحقيقيون للساكنة التواصل والحوار مع مبعوثي الحكومة، استقبلوا الوزراء في جلسات تواصلية قدموا ملفهم المطلبي البسيط مثله مثل ملف الريف. وبعد كل حوار تعقد الجموعات العامة للساكنة تقيم النتائج وتقرر الجواب. لحد الساعة تأكد لساكنة جرادة بما لا يدع مجالا للشك عبث الحكومة وخواء زاد ممثليها؛ ولذلك لقررت الساكنة بالإجماع مواصلة الاحتجاجات وتصعيد اشكالها.
    المغرب الجديد قيد الولادة يتعلم كيف ينتج قياداته المحلية والميدانية، إنه ينتخبها بشكل مباشر خارج لعبة المخزن. المغرب الجديد قيد الولادة يصوغ ملفاته المطلبية فيكتشف قوانين الاقتصاد والاجتماع وارتباطاتها بالسياسية. في النضال تتحول ساكنة المناطق المنتفضة، إلى خبراء في قضايا الشأن المحلي فتكتشف البديل لسياسات الدولة، تتعرف على مناوراتها في تسخير التناقضات بين المناطق وداخل صفوف الساكنة من اجل إفشال الحركات الاحتجاجية. المغرب الجديد قيد الولادة يكتشف عبر القمع الذي يتعرض له قادته طبيعة الدولة القمعية وحقدها وعدائها المتأصل الذي تكنه للشعب والذي وظفته طيلة تاريخها الأسود. المغرب الجديد وهو يعيش مخاض الولادة يكتشف نقاط قوته ونقاط ضعفه.
    في هذا المخاض تتحقق قفزة نوعية في وعي الشعب والجماهير وعي تلك التي استوعبت إلى هذا الحد او ذاك كيف تتحول الحركات الاحتجاجية المتعددة المواضيع والملفات والمتفرقة في الزمان والمكان والتي يستطيع النظام قمعها بسهولة ويسر؛ تتحول هذه الحركات الاحتجاجية الى حركات اجتماعية كلما تحققت فيها المعايير الوظيفية الأساسية التالية:
    1- صياغة الملف المطلبي وترتيب المطالب الذي سيتم توجيهها للجهات المسؤولة او المعنية.
    2- توفير تصور عملي لكيفية خوض النضال اخذا بعين الاعتبار الاستعدادات الحقيقية للجماهير الحاضرة والمكونة للحركة الاحتجاجية ويمكن ان تكون من اشكال العمل السياسي التالية: خلق جمعيات ذات أهداف خاصة، لقاءات خاصة، لقاءات عامة، مواكب مهيبة، اعتصامات، مسيرات، مظاهرات، حملات مناشدة، بيانات في الإعلام العام، مطويات او كراسات سياسية.
    3- العنصر الأخير فهو يتعلق بعناصر تحصين الحركة وتمتينها وخلق آليات اللحمة لضمان استمرارها مثل الاعتزاز بالانتماء للحركة، تقوية الوحدة، تحقيق الحضور الكثيف والوازن، تقوية التزام قادة الحركة تجاه بعضهم البعض وتجاه الحركة/ والتزام كل أعضاء الحركة تجاه القادة؛ وهو ما يقوم به اليوم الساهرون على تنظيم الحركات الاجتماعية لما يقومون بتأدية القسم وغيره من تعبيرات الالتزام والتآزر وعدم التفريط في الحركة الاجتماعية.
    في آلام هذا المخاض تقتنع الجماهير بأن الأوضاع متحركة ومتغيرة، وبأنها هي صانعة التغيير، وان ما يظهر مستقرا اليوم فهو إلى زوال وسيعوضه المغرب الجديد مغرب الأمل والتقدم الزاهر.