حركة 20 فبراير تلهم الحركات الاجتماعية الناهضة

يوم 28 اكتوبر 2016 سلمت حركة 20 فبراير المجيدة مشعل النضال الى حركة جديدة على اثر استشهاد محسن فكري شهيد الحكرة. هذه الحركة الجديدة بات لها اليوم ملامح جديدة ومختلفة عن ملامح الحركة إلام، لكنها ورثت عنها الروح النضالية الجديدة التي اطلقتها مسيرات وجميع اشكال التظاهر التي طبقتها حركة 20 فبراير المجيدة.
اليوم كل احرار المغرب رجالا ونساء يحيون الذكرى السابعة لحركة 20 فبراير بما يليق بها من عرفان وتمثل لما قدمه الشهداء الذين سقطوا في ساحات الشرف ضد الاستبداد والظلم والاستغلال. يحيون هذه الذكرى ضمن منظور متجدد للنضال من سماته الرئيسية:
+ الاعتماد على القوة الجماهيرية من اجل طرح المطالب والنضال من اجل فرضها. وهذا الاعتماد جاء نتيجة حصول القناعة بان سبل طرح المطالب الاخرى عن طريق الممثلين في الجماعات القروية والحضرية ام عن طريق البرلمانيين او عن طريق اعوان السلطة لم تعد تنفع؛ بل كل القضايا التي دخلت الى مكاتب هذه المؤسسات يتم اقبارها في لعبة تأسيس اللجان ومكاتب اللجان . و بحصول هذه القناعة اتخذت غالبية الجماهير الكادحة قرار مقاطعة هذه المؤسسات وحتى مناصبتها الشك والارتياب ان لم يكن العداء.
+ أصبح المجال المفضل للتعبير عن المطالب وتقديمها هو الفضاء العام ولذلك اصبح هو نفسه مجالا للصراع تحاول الدولة منعه او حجزه وتجريم الوصول إليه. وقد لعب حزب البيجيدي ووزير عدله آنذاك الرميد دور رأس الحربة عندما وصف الشعب بالمتغول وعلى الدولة أن تسترجع هيبتها. فكان من نتائج ذلك تعرض المسيرات والمظاهرات الى القمع الشرس وسقوط الضحايا والمعطوبين والزج بالمناضلين في السجون والمعتقلات.
+ تنوعت الحركات الاحتجاجية بتنوع المشاكل التي تعيشها الجماهير الكادحة وقد همت قضايا الشغل وهشاشته وقضايا الصحة والتعليم والسكن اللائق الى قضايا الحق في الماء الشروب واستغلال الأراضي السلالية الى الاحتجاج ضد غلاء المعيشة او خدمات التدبير المفوض من ماء وكهرباء، إلى النضال و رفض الاستبداد والشطط في استعمال السلطة كما ظهرت حركات احتجاجية جديدة قامت بها فئات اجتماعية حول المطالبة بالتزام الدولة بتعهداتها همت الطلبة الأطباء والأساتذة خريجي معاهد التكوين والممرضين وسائقي الطاكسيات.. الخ.
+ فإذا كانت هذه الحركات الاحتجاجية تعد بالآلاف و هي تغطي كل التراب الوطني فإنها بدأت تتطور الى مستوى متقدم من التنظيم والكثافة والزخم الى حركات اجتماعية قوية. ومن بين اعم هذه الحركات الاجتماعية حراك الريف الذي استغرق بمسيراته ووقفاته ومظاهراته اكثر من سنة وهاهو اليوم متواصل عبر اشكال اخرى منها المواجهة في ردهات المحاكم و في قلب السجون حيث يتعرض المعتقلون على خلفية هذا الحراك إلى كل الأشكال الحاطة من كرامة الإنسان. فإلى جانب هذا الحراك اندلع حراك آخر يشبهه في التنظيم والزخم وفي اشكال الاحتجاج وهو حراك جرادة الذي دخل اليوم الى شهره الثاني وهو يتدحرج ككرة الثلج التي تكبر مع الوقت. ساكنة جرادة ذات التقاليد العمالية تطالب اليوم بمطلب جوهري سمته البديل الاقتصادي.
إن دينامية تطور الحركات الاحتجاجية الى حركات اجتماعية ستتسارع لان كل الشروط الموضوعية متوفرة خاصة مع وصول الازمة الاجتماعية والاقتصادية الى درجة لم يعد امام النظام إلا الاعتراف الصريح بها والإقرار بالفشل لنموذجه الذي طبقه منذ بدايات سنوات الاستقلال الشكلي. قانون المالية لهذه السنة يعتبر ترجمة لوضع الأزمة، هكذا غاب التشغيل وغابت معه امكانية اخراج جحافل العاطلين من مستنقع الحاجة، وما تروج له الحكومة من خلق مناصب مالية ما هو إلا ترقيع وفي ذات الوقت ترسيم للعمل بالعقدة وتطبيق توجيهات صندوق النقد الدولي الرامية الى تقليص عدد موظفي القطاعات العمومية والتخفيض من نفقات التسيير. كما ان القطاعات الاجتماعية تعرضت الى التقليص من ميزانياتها وبذلك يتم الدفع بوحداتها الى الافلاس او التوقف عن الخدمة مما يفتح المجال الى دخول الرأسمال الخاص كمستثمر يحظى بجميع التسهيلات وهذا ما يوفره اليوم مشروع قانون اصلاح التعليم وذلك بإسناد تعميم الزامية التعليم ومحاربة الامية إلى هذا القطاع الخاص، كما فتح الباب واسعا في مجال الصحة عبر تخصيص كليات ومعاهد الطب والدفع بالعيادات المتعددة الاختصاصات التابعة للضمان الاجتماعي الى القطاع الخاص.
اما عن موجة الغلاء فهي تضرب اغلب المواد المعيشية الاساسية بفعل المضاربات وبفعل ارتفاع تكلفة النقل، وستزيد استفحالا بعد قرار تعويم الدرهم.
ان الحد من نفقات الدولة والتقليص من ميزانيات القطاعات الاجتماعية يرمي الى فسح المجال لتمويل خدمة الدين الذي تفاقم الى مستوى غير مسبوق بعد ان تجاوز 86% من الناتج الداخلي الخام. ان ميزانية المالية لهذه السنة كما سابقاتها هي الترجمة العملية لامتلاءات صندوق النقد الدولي، انها الرضوخ الكامل للتحكم في مصير البلاد التي ارتهنت للرأسمال الامبريالي.
لمواجهة هذا الواقع المتردي ليس امام الكادحين إلا الاعتماد على طاقاتهم وقدراتهم النضالية. ومن بين هذه الطاقات والقدرات ما تسمح به أوجه العمل النقابي. كانت دائما النقابات ادوات النضال والتنظيم الذاتي للعمال والشغيلة، ولهذا تمت عملية تسفيه هذا السلاح وتعطيله. لقد تسلطت عليه بيروقراطية افرغته من اي مضمون نضالي وباتت تتعامل معه كوسيلة لتسخين الصراع لما تريد ان تفاوض على مصلحة معينة او تصل الى هدف معين داخل النقابة. لهذا فإننا نسجل التصريحات النارية اليوم وعلى ما يبدو ليست إلا جعجعة، لان أوضاع الطبقة العاملة وباقي الشغيلة تحتاج إلى التفعيل النضالي للخطط وتعبئة المعنيين والانخراط في عمل نقابي وحدوي بين جميع الاطارات المستعدة للدفاع على مصالح الشغيلة والطبقة العاملة.
ستبقى ادوات الكفاح العمالي ومن بينها النقابات خارج يد الطبقة العاملة ما دامت لم تتقدم هذه الاخيرة خطوات ملموسة ومادية في بناء حزبها السياسي المستقل وهو القلعة التي ستتكسر على جدرانها كل مناورات البرجوازية والرأسمال الاستغلالي المتوحش. على المناضلين المرتبطين بالطبقة العاملة والمؤمنين بدورها التاريخي الانخراط السياسي والفكري والتنظيمي في بناء أنوية هذا الحزب وهي الخطوة التي اقدم عليها النهج الديمقراطي منذ مؤتمره الوطني الرابع، وهاهو اليوم يجسدها في الممارسة بتعامله معها كمهمة مركزية وبتفعيلها عبر بناء مجلسه العمالي نواة الحزب السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين. خطوة الألف ميل تبدأ من هنا فلنكمل جميعا وسويا السير على هذا الدرب العظيم.